محمد أمزيان: تذكروا.. عبد الكريم ما يزال منفيا

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

تحل الذكرى الثالثة والخمسين على وفاة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، وإنه لمن المخجل حقا، بل من الفضيحة والعار أن يظل رفاته بعد كل هذه السنوات منفيا في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة. ألهذا الحد نظل حبيسي نظرتنا الشقية تجاه رموزنا التاريخية؟

رحل الخطابي عن هذه الدنيا في السادس من فبراير 1963، وكلما حلت هذه الذكرى، تتزاحم على ذاكرتنا (نحن أيها الناس) أسئلة مقلقة ومستفزة، وخاصة حينما نحاول “فهم” الموانع التي تحول دون التفكير في إرجاع رفاته ليوارى الثرى بين قومه وأهله. وبما أننا لم نسمع رأيا رسيما حتى الآن يفسر لنا طبيعة تلك الموانع، إن وجدت، فإننا نعيد طرح السؤال: لماذا لا يعود الخطابي إلى أرضه التي دافع عن كرامتها حتى آخر رمق؟

من الناحية الإنسانية، كان من المفترض أن يكون هذا الموضوع قد طُوي منذ أن اقتنعنا أننا فعلا حصلنا على استقلالنا من الاستعمار الذي كان الخطابي ورجاله يقاومونه على الأرض في العشرينات، ويصارعه بأفكاره منذ أن حل في القاهرة سنة 1947 إلى تاريخ وفاته. فإذا كان الاستعماريون فعلا قد رحلوا، أليس من المنطقي أن ترحل معهم الأسباب التي كانت وراء نفيه؟

الحقيقة المرة أن ما كان يحذر منه الخطابي من كون الاستعمار ترك، قبل أن يرحل، من يدافع عن مصالحه في البلاد التي أصبحت رسميا مستقلة، قد أنتج عقليات تستهين بالرموز التاريخية. هذا الكلام قد يبدو قاسيا، إلا أنه، مع الأسف، الكلام الوحيد الذي يفسر هذا الجحود الرسمي الذي يستمر لأكثر من نصف قرن.

من الناحية السياسية، كان على من تسلموا زمام الاستقلال أن يفكروا في تصفية الإرث الاستعماري، وتصفية الإرث الاستعماري تبدأ بإعادة الاعتبار لتاريخ المقاومة ورموزها، بعيدا عن النظرة الضيقة التي تجعل من الصوت المنتقد خصما، بل عدوا يستحق التجاهل والنسيان، ولم لا التشويه والنكران.

عبد الكريم لم يكن يزاحم أحدا على كرسي زائل، فكل كراسي الحكم تقزّمت أمام مجده التاريخي الذي حازه برجاله وبتضحيات جنوده المجهولين. عبد الكريم لم يكن خصما لأحد مهما كان لونه السياسي والعرقي. “إن كانت لنا غاية في هذه الدنيا، فهي أن يعيش كافة البشر، مهما كانت عقائدهم وأديانهم وأجناسهم، في سلام وأخوة”. عبد الكريم كان عدوا شرسا للاستعمار فقط لأنه “ملة واحدة”، كما قال يوما، ولأن “انتصار الاستعمار في أقصى الأرض هزيمة لنا، وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا”. الاستعمار هو فقط ما كان الخطابي يشغل باله وأفنى عمره في مقاومته. فهل يعني “نسيانه” في القاهرة أن حربه لم تنته بعد؟

“الحقيقة المرة أن ما كان يحذر منه الخطابي من كون الاستعمار ترك، قبل أن يرحل، من يدافع عن مصالحه في البلاد التي أصبحت رسميا مستقلة، قد أنتج عقليات تستهين بالرموز التاريخية”

اثبِتوا العكس إذن. قدّموا لهذا الرجل ما يستحقه من تكريم. اغلقوا ملف نفيه إلى الأبد.

قد يقول قائل: هذا شأن عائلي، ولا أحد يمنع عائلته من الشروع في إجراءات العودة. هذا الكلام سمعناه مرارا. بالله عليكم، هل نتحدث عن شخص مات في رحلة صيد؟ أم أن الأمر يتعلق بواحد من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ المقاومة؟ ألا يكفينا كمغاربة فخرا أن اسمه يقرن بأنبل مقاومة عرفها التاريخ المعاصر رغم مجابهته لأكثر من نصف مليون جندي استعماري بطائراتهم وأساطيلهم البحرية والجوية وغازاتهم السامة وجنرالاتهم وماريشالاتهم؟

عزاؤنا الوحيد أن التاريخ لا ينسى.

 

Comments

comments