نجاة بقاش: مملكة الجنون.. لعنة المناصب /16

  • 0

ت

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

ترددت كثيرا قبل أن أضع حدا لحيرتي.. قبل أن آخذ قلمي.. وأقنع أناملي بكتابة كلمات ليست كالكلمات.. أكتبها لصديق ليس ككل الأصدقاء.. هل أهنئه على المنصب الجديد؟ فيقال عني رقصت ثرلي فأحسنت.. انضمامها للموكب كان في الموعد..أم أنعيه لحاله؟.. فيقال عني لئيمة، حقودة لم تكن في مستوى الحدث.. هل سأعبر له عن فرحة مزيفة لبلوغه الأهداف؟.. أم أحزن على ما آلت إليه الأقدار؟..

هذا هو السؤال الذي كان يحاصرني، كلما جاء سايلا في سياق الكلام.. فعهد الفتوحات والديناصورات قد ولى منذ زمن.. عوضته الأنوار ومداعبة الأوطان للإنسان.. فلا أشك أن رفيقي عن هذا الأمر غافلا.. فما بكائي اليوم وحزني عليه حسدا.. بل شقائي وألمي على غبائه وفراقه للأبد.. اسمك يا سايلا أصبح ضمن قائمة الوفيات.. أعلم كما تعلم جيدا.. أن اعتلاءك لأعلى المناصب والرتب لم يكن محض الصدف.. وإنما نتاج اللعبة القذرة بعد الإصرار والترصد.. اعتلاؤك لأغلى الرواتب لن يمنح لك تأشيرة المرور نحو القلوب.. فلا شيء يشفع لك عندنا خيانة الرفاق.. فقواعد لعنة المناصب ستلقيك حتما في سلة المهملات.. لا يغرينك تهافت المتهافتين من حولك.. ولا عدد برقيات التهاني وباقات الورود.. كما لم تعد تستهويني ألوان وضلال اللوح التي حاولت من خلالها تضليلي.. فحب الأوطان يا سايلا لا يبنى على الأوهام.. وغير ذلك يبقى وهم من نسج الخيال.. جميل أن يكون لسايلا شأن عظيم.. ويكون سايلا في الدنيا كبيرا.. لكن الأجمل أن يكون فيها الكبير على الشعوب رحيما.. ألم يكن لمعنى اسمك يا سايلا ألف دلالة.. يغنيك عن الذل وشراء الذمم؟.. فلِمَ استعجال الرحيل إذن نحو القمم؟.. ألم تكن لحياتنا البسيطة معنى يغنيك عن سوانا مدى الدهر؟.. ما يحزنني يا سايلا في حماقتك.. حرمانك من لذة الخبز الساخن ورائحة التراب والمطر.. يزيد حقدي للأيام وللسيد.. كلما رأيتك مكبل الأيادي، وفي عينيك علامات الغدر.. كيف لي أن أهنئك  يا صديقي على وجع.. وأنا أعلم أن كل ما أصبح يصنعه القدر معك بكاء؟

“جميل أن يكون لسايلا شأن عظيم.. ويكون سايلا في الدنيا كبيرا.. لكن الأجمل أن يكون فيها الكبير على الشعوب رحيما..”

نزلت كلماتي زلزالا على سايلا صديقي.. اعتبرها ظلما وإجحافا في حقه مني.. اعتبرها الرعاع تهديدا للمصالح.. حسدا وتحريضا على الكراهية.. بينما اعتبرني دياس منصفة في حقه.. وثرلي شهمة ناطقة باسمه.. تهنئة طائشة قاسية من بنت الريف “يدجس نتماث“.. لم يكن يتوقعها مني!.. ابتسمت لي عيناه قهرا.. ابتسامة لوم وعتاب.. تمنى لي حكما قاسيا مع وقف التنفيذ.. تقول لي عيناه الغائرتين: لا عليك يا ثرلي،  فحسابك معي سوف يكون عسيرا.. ابتسمت له بدوري فقلت له خلسة حتى لا يراني من كان حاضرا معه: هل أنت سعيد يا سايلا اليوم بعد هذا الإنجاز؟.. فقال لي: يا ثرلي أنا سايلا لن أكون سعيدا!.. فالسعادة مثل ثرلي وهم، وجدت ليتغنى بها الفقراء.. السعادة فارقتني مرتين: يوم كنت صغيرا “ذمزيان“.. ويوم فكرت أن أكون كبيرا “ذمقران“.. لن أكون سعيدا إلا بعد النيل منك وإسكات صوت ثرلي مدى الحياة.. أخذ سيكاره الكوبي بيده اليمنى.. وهاتفه النقال بيده اليسرى.. التي لم تكن تفارقه.. كأنه يخشى مخالفة أوامر سيده.. استأنف كلامه متغطرسا كعادته: أنا سايلا العظيم بن العدم.. فقلت له يا سايلا المبجل! لا أحد مقدس فوق الوطن!..

تركته خلفي واقفا في مكانه.. حائرا من أمره.. بين حلاوة لذة المنصب بنكهة السيكار والكات كات.. وبين نقمة المنصب وتغريدات ثرلي؟.. إنه يصيح كالمجنون كلما استوعب وجودي.. أنا سايلا العظيم.. أنا سايلا العظيم.. أنا من كان بالأمس القريب.. يبيع البيض ويأكل الرغيف.. أصبحت بينكم اليوم كبيرا!.. فموتوا بغيظكم أيها الأوغاد.. “الأو.. ” فلن أعود يا ثرلي لك مهما كان.. تركته وحيدا فذهبت إلى حال سبيلي يائسة، مرددة: تبا لك يا سايلا وللمناصب الزائلة.. تبا لك يا سايلا وللكراسي الثابتة.. فسواء كنت هناك معهم كبيرا أو بينهم وحيدا.. فمكانك معي هنا ينتظرك بجوار الموقد.. على قارعة الهذيان

(يتبع)

Comments

comments