محمد أمزيان: نهاية حرب الريف ورحلة المنفى

  • 0

أدى التحالف الإمبريالي إلى وضع حد لطموح الأمير عبد الكريم الخطابي في إرساء وتثبيت دعائم مشروعه السياسي في الريف. فانسحب من الميدان بتسليم نفسه إلى الفرنسيين يوم 27 يونيو 1926. وقد خلفت التجربة الريفية وراءها صورا متباينة لدى الرأي العام العربي – الإسلامي والدولي. ومصدر التباين يكمن في اختلاف المنطلقات والمصالح والأهداف بين شعب يقاتل ليعيش سيدا على أرضه، وبين قوى خارجية تريد أن تسلبه هذه السيادة وتحوله إلى أداة طيعة لتنفيذ مطامعها الاستعمارية التوسعية. وبين الجانبين يقف المؤيد للحق والمعارض له، والمتفرج الذي ينتظر ما ستسفر عنه الأحداث.

انتهت حرب الريف التحريرية إذن، بعد أن قاد الخطابي المجاهدين في ملحمة الدفاع عن حريتهم واستقلالهم، بشرف وإيمان قوي ثابت وتخطيط عسكري متفوق. ولم يلق سلاح المحارب إلا حينما استنفد كل وسائل المقاومة. يقول روبيرت فورنو: “لو كان عبد الكريم همجيا قاسيا لربح الحرب وعندئذ سيصفق له العالم على اعتبار أنه رجل رائع. ولقد أخفق لأنه كان يريد خوض الحرب وفقا للمقاييس التي كان خصومه يرفضونها”.

 

وبمناسبة انتهاء الحرب الريفية بعث المقيم العام الفرنسي الجنرال ستيغ برقية تهنئة إلى السلطان مولاي يوسف، فجاءه الجواب السلطاني في هذه الصيغة: “إن برقيتكم قد غمرتني بالسعادة، لأننا نرى في هذا الحدث نهاية التضحيات التي قدمتها فرنسا والمغرب من أجل الأمن وعودة السلام”.

“لو كان عبد الكريم همجيا قاسيا لربح الحرب وعندئذ سيصفق له العالم على اعتبار أنه رجل رائع. ولقد أخفق لأنه كان يريد خوض الحرب وفقا للمقاييس التي كان خصومه يرفضونها”- روبيرت فورنو

وصل عبد الكريم الخطابي وعائلته إلى فاس ووضع تحت الحراسة المشددة، في حين انطلقت في باريس المباحثات الثنائية بين ممثلي فرنسا وإسبانيا لتقرير مصير العائلة الخطابية. وحضر قسما من المداولات السلطان مولاي يوسف وباي تونس، اللذين كانا في زيارة رسمية لفرنسا للاشتراك في احتفالات العيد الوطني الفرنسي (الرابع عشر من يوليو). وقد نقلت صحيفة ’إفريقيا الفرنسية‘ الاستعمارية جانبا من مظاهر الاحتفال والحفاوة التي حظي بها السلطان قائلة:  “يوم الأربعاء 14 يوليو عاد السلطان إلى قوس النصر ليشارك على يمين رئيس الجمهورية استعراض الجيوش أمام الجندي المجهول. وعلى يمين السيد دوميرغ وقف الجنرال بريمو دي ريفيرا الذي حضر من أجل التوقيع على الاتفاقية الفرنسية ـ الإسبانية [المتعلقة بعبد الكريم]، والذي نال حصته من الصفير المنظم بإحكام من طرف الشيوعيين”.

عبد الكريم الخطابي خلال إلقاء السلاح والاستسلام للفرنسيين

عبد الكريم الخطابي خلال إلقاء السلاح والاستسلام للفرنسيين

 

وردا على كلمة رئيس الجمهورية خلال مأدبة الغذاء، ألقى السلطان نص الكلمة التالية:

“إنه لمن دواعي الامتنان العظيم أن نلبي دعوة حكومة الجمهورية الكريمة للقدوم إلى فرنسا. وبعد الانتصار الساحق للجيوش الفرنسية ولقواتنا، والتي وضعت حدا لتمرد هدد دولتينا، وإعادة الأمن والسلام إلى الإمبراطورية الشريفية، يسعدنا أن نعبر لسعادتكم عن عميق تأثرنا الذي أحسسناه هذا الصباح ونحن نتأمل أمام ضريح البطل المجهول موكب الجنود، إخوة الذين أنجزوا في إمبراطوريتنا جليل الأعمال وبرهنوا على الشجاعة وطاقة التحمل. ويسرنا كذلك أن نعبر لكم عن عظيم عرفاننا لفرنسا، حامية المغرب، على ما قامت به من مجهود جبار لتحقيق مهمتها الحضارية في بلدينا (…) نحن ورعايانا لن ننسى أبدا مدى التضحيات العظمى المقدمة من طرف فرنسا، للتعبير عن حقيقة الحماية التي اعترفنا بها بكل صدق (…) أقدم لكم سيدي الرئيس كل تمنياتي لسعادتكم الشخصية، وأرفع كأسي لعزة فرنسا وازدهارها”.

والجدير بالذكر أن المفاوضات بخصوص الريف، كانت قد انطلقت بين البلدين في باريس يوم 14 يونيو 1926 واستمرت شهرا كاملا. وقبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول مصير عبد الكريم الخطابي، برز خلاف بين الجانبين الفرنسي والإسباني. فلقد كان الفرنسيون يريدون الاكتفاء بإبقاء الخطابي معتقلا في المغرب، أو إبعاده إلى فرنسا حتى ’تهدأ الحالة‘. بينما أصر الإسبان على أن يكون النفي أبديا وبعيدا عن حوض البحر الأبيض المتوسط. وألحوا على أن ينص الاتفاق بين الجانبين على أن أي إجراء تتخذه إحدى الدولتين بشأنه، لا يمكن تنفيذه إلا بموافقة الدولة الأخرى.

نهاية المقاومة الريفية 1926 النساء أيضا لم يسلمن من الاعتقال والنفي

نهاية المقاومة الريفية 1926 النساء أيضا لم يسلمن من الاعتقال والنفي

وعلى هذا الأساس تمت الاتفاقية وتقرر مصير عبد الكريم الخطابي الذي غادر وأسرته مدينة فاس يوم 27 غشت 1926 إلى الدار البيضاء. وفي اليوم التالي تحركت بهم الباخرة ’عبدة‘ نحو جزيرة فريول قرب مدينة مرسيليا، ثم حملتهم باخرة أخرى إلى جزيرة لاريونيون في المحيط الهندي. وهناك كانت الدعاية الاستعمارية سبقتهم، مشوهة الصورة الحقيقية لكفاح الريفيين. فقد صورت الدعاية الاستعمارية أن حرب الريف التحريرية كانت حربا ضد المسيح والمسيحية، وأنها ضد الحضارة الغربية، وأن الريفيين قتلة ومعتدون على الفرنسيين! ولذلك استقبل سكان الجزيرة الخطابي وأسرته بالاحتجاج والغضب. وتلقى في الأسابيع الأولى رسائل من أوروبا وأمريكا اللاتينية، تدعوه إلى التكفير عما اقترفه في حق المسيحية من ’جرائم‘ خلال الحرب التي تحمل مسئوليتها في الريف. لكن سرعان ما تبدد هذا الاعتقاد، بعدما تعرف سكان الجزيرة على جانب من حقيقة مقاومة الريفيين للغزو الفرنسي والإسباني.

(يتبع)

* بعض مصادر هذه الحلقة:

– روبيرت فورنو، عبد الكريم أمير الريف، ترجمة د. فؤاد أيوب، دمشق، د.ت

–  Afrique Française, Année 36, N. 6, juin 1926

– Afrique Française, Année 36, N. 7, juillet 1926

-

Comments

comments