محمد أمزيان: اقعدي يا خديجة!

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

“اسكتي يا هند!” صاح رئيس البرلمان الأردني ذات يوم في وجه نائبة مشاكسة تدعى هند، قبل أن يضيف زميل آخر لها بأعلى صوته: “يخرب بيت الكوتا”، لاعنا تلك القسمة “الضيزى” التي أوصلت النساء لقبة البرلمان.

استحضرت هذه الواقعة التي تناقلتها بالفيديو مواقع التواصل الاجتماعي السنة الماضية، وأنا أتابع أطوار انتخاب السيدة خديجة عريب لرئاسة البرلمان الهولندي. لم يطلب منها أحد أن تسكت لأنها امرأة، ولا لكونها من أصول مهاجرة. كانت جلسة تصويت ماراتونية حقا، ولم تحسم المعركة إلا في الجولة الرابعة. وكان أول عمل قامت به بعد الفوز هو تعليق الجلسة لمدة نصف ساعة لاستعادة أنفاسها وتلقي التهاني والقبلات من الراسبين أمامها أولا، ومن باقي زملائها بعد ذلك. “كنت في حاجة ماسة للتفكير واستيعاب ما جرى”، قالت بعد ذلك للصحافة.

انتصرت الإرادة الحديدية للسيدة عريب (55 سنة) التي وصلت مهاجرة إلى هولندا عام 1975. انتصرت على نفسها أولا حينما جعلت من أصلها كمهاجرة ووضعها كامرأة، مصدر قوة وحافزا على تحقيق طموحاتها. وانتصرت ثانيا على نظرة المجتمع الهولندي/الغربي الذي لا يرى في المهاجر سوى كائنا هشا لا يحلم.

عاشت خديجة عريب طفولة قاسية في إحدى الأحياء الشعبية في الدار البيضاء قبل أن تهاجر مع والديها وتستقر في مدينة روتردام التي يرأس عموديتها الآن مغربي آخر وهو أحمد أبو طالب. عمل والدها غير المتعلم في معمل، إلا أن ذلك لم يمنعه من تشجيعها على الدراسة. “الدراسة هي طوق نجاتك”، كان يقول لها والدها الذي توفي في الثمانينات من القرن الماضي. “كان والدي سيكون فخورا بي الآن”. وكيف لا يكون فخورا بها وهي تعتلي أعلى المناصب في المؤسسة التشريعية، وتصبح “حارسة” الديمقراطية في بلد يتعود تدريجيا على أبناء المهاجرين.

“انتصرت على نفسها أولا حينما جعلت من أصلها كمهاجرة ووضعها كامرأة، مصدر قوة وحافزا على تحقيق طموحاتها. وانتصرت ثانيا على نظرة المجتمع الهولندي/الغربي الذي لا يرى في المهاجر سوى كائنا هشا لا يحلم.”

وكما تعرض أحمد أبو طالب للنقد والتشكيك في “ولائه” لبلده الثاني هولندا حينما أصبح سكرتير دولة (نائب وزير) ثم عمدة، تعرضت خديجة عريب لنفس النقد والتشكيك من قبل خصومها السياسيين، وخاصة من قبل حزب الحرية الشعبوي، والذي صرح زعيمه خيرت فليدرز في تغريدة له مباشرة بعد فوزها: “هذا أسوأ يوم للديمقراطية”. وستظل “لعنة” الانتماء لوطن آخر تلاحقها، وستظل الأعين الشكاكة تطاردها في حركاتها وسكناتها. كما أن أدنى هفوة منها ستفسر على أنها “دليل” آخر على عدم كفاءتها. تدرك خديجة أن المهمة لن تكون سهلة، وهي التي خبرت دهاليز المؤسسة التشريعية على مدى 17 سنة. هذا كله تدركه، وتدرك أيضا أن خيرت فيلدرز سيعمل كل ما في وسعه على زعزعتها عن “عرشها”. بإمكانها هي أن تسكته إن أرادت وتقطع عنه “الميكروفون” إذا خرج عن قواعد اللعبة، إلا أنها لن تفعل. “لن أمنع أحدا من الكلام، ولكن لن أسمح بالشتائم”.

خديجة معروفة أيضا بانتمائها (سابقا) للماركسية اللينينية وانخرطت في شبابها في الدفاع عن حقوق المرأة وتعليم النساء ومنع إنشاء المدارس الإسلامية. كما أنها تحمل أفكارا لا تحتمل التأويل بخصوص الدين. “أنا علمانية، وأومن بفصل الدين عن الدولة، لكنني أحترم معتقدات الآخرين”. وكانت (سابقا أيضا) معارضة شرسة للملك الراحل الحسن الثاني. “العيش تحت نظام ديكتاتوري طبع حياتي، علمني ذلك قيم حرية التعبير وحرية الصحافة (…) كما أنني تعرضت للاعتقال في المغرب. إلا أن الملك الذي كان ديكتاتورا على مدى أربعين سنة قد توفي”. رسالة واضحة لمن يهمه الأمر.

كل التوفيق لخديجة. اقعدي يا خديجة.. على كرسي الرئاسة.

*مقال نشر في صحيفة المساء الورقية يوم الثلاثاء 19 يناير 2015

Comments

comments