محمد أمزيان: الحركة الوطنية وحرب الريف/3

  • 0

(نواصل نشر حلقات كتاب: الخطابي آراء ومواقف. هذه الحلقة تسلط الضوء على الظروف التي نشأت فيها الأحزاب السياسية في المنطقة الخليفية والمنطقة السلطانية، مع عرض لأهم النقط في برامجها السياسية والاختلافات التي كانت بين بعض زعماء الحركة في الشمال ونظرائهم في منطقة الحماية الفرنسية، وظروف تقديم وثيقة الاستقلال المعروفة، مع بيان أسبقية المنطقة الشمالية في صياغة وثيقة مماثلة قدمدتها للإدارة الاسبانية، كما أن حزب بلحسن الوزاني سبق أيضا حزب علال الفاسي في صياغة وثيقة مشابهة تطالب الحماية الفرنسية منح الاستقلال، إلا أن الاستقلاليين كانوا أقوى منه فطالبوه بالتوقيع على وثيقتهم التي أصبحت رسمية ووحيدة ومعروفة….)

تكوين الأحزاب السياسية

وكان لما حدث في إسبانيا من تطورات سياسية وعسكرية صداه في المنطقة الخليفية. والجدير بالذكر أن الجنرال فرنكو اعتمد في تمرده على شمال المغرب، لما له من الأهمية الاستراتيجية والعسكرية والبشرية. وبعد تردد لم يطل، اقتنع الزعماء السياسيون بضرورة المهادنة ثم التعاون مع العسكريين، والتغاضي عن حشد الآلاف من المواطنين للقتال في صفوفهم، مقابل وعود بإطلاق الحريات والسماح بتأسيس الأحزاب السياسية. وقد أبان عبد الخالق الطريس عن انتهازية صريحة حينما مد جسور التعاون مع فرنكو، وهو الذي كان سنة 1934 عضوا في ’عصبة مناهضة الإمبريالية والفاشية‘ بمدريد. سياسة التقارب هذه نالت رضا الأمير شكيب أرسلان الذي أكد في رسالة خاصة للطريس، على أهمية تحقيق الأهداف  “دون الاهتمام لا باليمين ولا باليسار”. وكما سيحدث في الجنوب بين علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني، فإن المكي الناصري، ولأسباب غير واضحة تماما، سيبتعد عن جماعة الطريس، علما بأنه شارك في التحضير والتمهيد لإنشاء حزب الإصلاح. وهكذا شهدت تطوان ميلاد حزبين منفصلين: حزب الإصلاح الوطني بصحيفته ’الحرية‘ الصادرة باللغة العربية يتزعمه عبد الخالق الطريس. وحزب الوحدة المغربية بصحيفته التي تحمل اسم الحزب ويتزعمه المكي الناصري.

المكي الناصري زعيم حزب الوحدة المغربية في الشمال

الشيخ المكي الناصري
زعيم حزب الوحدة المغربية في الشمال

وكيفما كانت الأسباب والدوافع، فإن انشقاق العمل الوطني في شمال المغرب بدد الأمل في بلورة برنامج منسجم، وسهّل في المقابل تنفيذ سياسة الإدارة الاستعمارية القائمة على المناورة والمماطلة واللامبالاة. وقد استغل الحزبان هامش الحرية الذي سمحت به السلطات الإسبانية، للتنديد بالحماية الفرنسية في منطقة نفوذها والتشنيع بممارساتها القمعية. في حين عمدا إلى نهج سياسة ’غض الطرف‘ تجاه الإدارة الإسبانية. وعلى سبيل المثال، دعا حزب الوحدة المغربية بصريح العبارة إلى  “التعاون والنقد البناء والصداقة الوثيقة بين الشعبين المغربي والإسباني”.

ومن الناحية التنظيمية والتعبوية، فإن تأثير حركات الفتوة المنتشرة في المشرق العربي وفي أوروبا الثلاثينات، قد ظهر جليا على فكر الزعيم التطواني عبد الخالق الطريس. إذ حرص منذ البداية على تنظيم كتيبة من شباب الحزب على غرار ’الفلانخي‘ (الكتائب) الإسبانية. وكان يستعرضها ببذلة عسكرية ورتبة عقيد. وكان الطريس يعتقد أن كتائب الفتيان كدعامة أساسية للحزب، تدل على مظاهر القوة. ولذلك  “فكل وطني يلزم أن يكون فتى من الفتيان ولو لم تساعده الظروف على اللباس يلزم أن تكون بذلته في بيته. إذا كان المصحف ديننا وعقيدتنا فالبذلة مثال عملنا وروحنا. فمن كان من الوطنيين محتفظا ببذلته وممثلا له خير تمثيل كان حاملا لخير شعار للحزب”.

“كان الجنرال جوان شديد الحساسية لكل ما يتعلق بفرنسا، ومن المؤمنين بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المغاربة”

ومن الأمور التي ركز عليها الطريس تنظيميا كذلك، مبدأ الطاعة العمياء للحزب والقيادة والدعوة إلى هيمنة الحزب الواحد. فمن المؤكد أن وجود حزب منافس لحزب الإصلاح الوطني، سبب إزعاجا كبيرا للطريس الذي سعى، بكثير من الإلحاح وقليل من النجاح، لضمان سيطرة حزبه على الحياة السياسية في تطوان، مبررا سعيه بأنه  “لا يعقل أن يوجد في هذه الأمة حزبان ولا يسمح ضمير الأمة بوجود حزب آخر يقضي بتشتيت هذه الأمة، وليس هناك غير حزب الأمة والله والوطن”. بل ذهب إلى حد اتهام حزب الوحدة المغربية بالعمالة للاستعمار وتقاضيه الأجر مسبقا. ويعلل هذا الاتهام بما تلقاه حزب المكي الناصري من دعم مادي ومعنوي من الإدارة الإسبانية. إلا أن حزب الإصلاح بدوره، وبناءا على إفادة الطريس نفسه، لقي ترحيبا وتساهلا من الإدارة ذاتها، ومعارضة وصدا من أبناء جلدته. كما نعت مسيري حزب الوحدة بالخوارج! كان الطريس يعتقد أن حزب الإصلاح الوطني هو تجسيد للأمة، وما عداه باطل أو متواطئ، وبالتالي فإنه هو الناطق الرسمي باسم منطقة الحماية الإسبانية كلها. وبعد أن أصبحت التعددية أمرا واقعا في النشاط السياسي للحركة الوطنية سواء بالمنطقة الخليفية أو السلطانية، نجد الأستاذ عبد الخالق الطريس يطور موقفه، فيعتبر وجودها وتعددها  “من أعظم مظاهر الإجماع على استهجان السيادة الأجنبية في بلادنا”.

وفي انسجام تام مع سياسة المهادنة والوعود، قام المندوب السامي الإسباني بيگبيدير الذي أطلقت عليه صحيفة ’الحرية‘ الحزبية في عددها الصادر يوم 13 غشت 1939 لقب ’أخ المغاربة المختار‘، بإصلاحات منها: تأسيس المعهد الخليفي في تطوان (1938) والسماح بتدريس اللغة العربية في المدارس الابتدائية. ووافق فرنكو على إنشاء المركز الثقافي الإسلامي في غرناطة وقرطبة (1939) و بيت المغرب في القاهرة. وتم تعيين عبد الخالق الطريس وزيرا للأوقاف ومحمد داود وزيرا للمعارف في الحكومة الخليفية.

عبد الخالق الطريس زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

عبد الخالق الطريس
زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

 

وبقياس النتائج، فإن التقارب بين إدارة الحماية الإسبانية الجديدة وزعماء الحركة السياسية لم يعد بالنفع على المغرب والمغاربة، بقدر ما أفاد الجنرال فرنكو في توطيد أجهزة ديكتاتوريته، وتحسين صورته أمام الرأي العام العربي في المشرق. وعلى حد قول ريزيت فإن الوفاق  “بين الوطنيين بالمنطقة الخليفية والنظام الفرنكوي كان وفاقا تاما”.

أما في الجنوب، فبعد أن رفضت حكومة الجبهة الشعبية مطالب كتلة العمل الوطني، فكر زعماؤها في توسيع قاعدتها الشعبية وتحويلها إلى حزب سياسي. فارتأوا تشكيل مجلس وطني ولجنة تنفيذية ينتخب أعضاؤها بالاقتراع السري. وأسفرت انتخابات يناير 1937 عن فوز علال الفاسي بالرئاسة ومحمد حسن الوزاني بالأمانة العامة. وعلى مستوى التنظيم أدت نتيجة الانتخابات إلى انشقاق الكتلة إلى فصيلين نشأ عنهما حزبان منفصلان هما: ’الحزب الوطني لتحقيق المطالب المغربية‘ بزعامة علال الفاسي، و’حزب الحركة القومية‘ بزعامة محمد حسن الوزاني. ومع أن هاتين الشخصيتين تنتميان لبيئة واحدة، فإن كل واحدة منهما نهلت من منابع فكرية متباينة. وجاء هذا الانشقاق المبكر ليترجم على الواقع طبيعة التفكير لدى القيادتين. فالوزاني، بحكم تشبعه الواضح بالثقافة الغربية وعلاقاته ببعض الساسة الاشتراكيين الفرنسيين ـ وكما سيتجلى لاحقا بصورة أوضح ـ كان يعتقد في ضرورة الاهتمام بالمسألة الدستورية، أي تحديد الموقف من السلطان. في حين كان علال الفاسي يربط نشاطه السياسي بالنظام الملكي.

محمد بلحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال

محمد بلحسن الوزاني
زعيم حزب الشورى والاستقلال

وروعي في تسمية الحزب الوطني  “فكرة الكتلة (…) وبرنامجها الذي هو في الحقيقة عمل لا ينبغي للحزب أن يضيعه”؛ الأمر الذي يفسر عدم القدرة على تطوير أسلوب الحركة والمواجهة. بل تأصّل النهج القديم مع بعض التعديلات في صيغة المطالب. فتم التركيز على العمل الثقافي بإنشاء مدارس حرة في بعض المدن الكبرى، وتنظيم المؤيدين لكسب المواقع في إطار التنافس السياسي مع الحركة القومية. وانبثقت عن الحزب الوطني عدة لجان فرعية منها لجان: التعليم والإصلاح الديني والاجتماعي والإغاثة الوطنية والتقويم الخلقي والصحافة والدعاية والنشر والشباب الوطني وحماية فلسطين والأماكن المقدسة والشؤون الاقتصادية.

وباستعراض ميدان عمل هذه اللجان، يتبين أن مسألة الوجود الاستعماري لم تثر في جوهرها، ولم تلق ما كان منتظرا سواء من الحزب الوطني أو من حزب الحركة القومية. ومضى كل واحد منهما يمارس نشاطه في إطار ’المشروعية‘ التي تخولها الحماية. ومع ذلك لم تمهل سلطات هذه الحماية قيادة الحزبين لممارسة نشاطها، فأبعدت محمد حسن الوزاني إلى إيتزر في جنوب المغرب، ونفت علال الفاسي إلى الغابون.

“بقياس النتائج، فإن التقارب بين إدارة الحماية الإسبانية الجديدة وزعماء الحركة السياسية لم يعد بالنفع على المغرب والمغاربة، بقدر ما أفاد الجنرال فرنكو في توطيد أجهزة ديكتاتوريته”

وشكل اندلاع الحرب العالمية الثانية فرصة أمام الحركة الوطنية للعمل الوطني بمساعدة الشعب لاستعادة الاستقلال، وخاصة بعد سقوط فرنسا تحت الاحتلال النازي. ولكن الذي حدث هو تأييدها للسلطان في موقفه الذي اتخذه عشية إعلان الحرب في سبتمبر 1939، حينما أكد على أنه من  “الآن وإلى اليوم الذي تكلل فيه جهود فرنسا وحلفائها بالنصر، يجب علينا أن نقدم لها كل مساعدة دون تحفظ. ولن نبخل عليها بمواردنا ولن نتردد في تقديم أي تضحية”. وبعد اندحار فرنسا في ربيع سنة 1940، أبدى السلطان تأثره وجدد ولاءه لتلك البلاد ’المغلوبة على أمرها‘! وبرر أحد الكتاب موقف السلطان بقوله:  “رغم أنه لم تكن لفرنسا في هذه الأيام قيمة حتى من حلفائها الذين كان احتقارهم لها ظاهرا (…) فإن محمد الخامس المؤمن بحرية الشعوب وحقها في استقلالها، لم يتنكر لفرنسا (…) وأظهر في مواساتها ونصرتها ما لم يقدر غيره لو كان مكانه”.

الجنرال فرانكو ديكتاتور إسبانيا

الجنرال فرانكو
ديكتاتور إسبانيا

لقد رأى الزعماء السياسيون في موقف السلطان نهجا ومسلكا لا محيد عنهما. لذلك فإن لفرنسا الحق في سوق ما يناهز تسعين ألف مغربي منظمين في عشرة فيالق، للزج بهم في أتون الحرب. وكانت نسبة قليلة منهم تكفي لتحرير الوطن لو استغلت الحركة السياسية الفراغ الذي تركه انسحاب الجيوش الفرنسية من شمال إفريقيا، ولو كانت تتوفر على رؤية واضحة للتحرر، ومشروع محدد لإعلان القطيعة مع فرنسا المهزومة أصلا. ويلخص محمد حسن الوزاني خيبة أمل الوطنيين في فرنسا وفي من وعدهم من حلفائها قائلا:  “إن فرنسا ـ وحلفاءها ـ استغلوا المغرب والمغاربة إلى أبعد الحدود ـ زمن الحرب ـ دون أن يلتفتوا إلى ما بذلوه سلفا من الوعود والتطمينات، ومن غير أن يهتموا أدنى اهتمام بالمطالبة بالحقوق المغربية”. وبعد انتهاء الحرب اعترف ديجول بجهود السلطان الكبيرة تأييدا لفرنسا، ومنحه نظير ذلك ’وسام صليب الحرية‘.

يتضح مما سبق أن الحركة الوطنية لم تطالب ـ خلال المدة المحصورة بين سنة 1930 وسنة 1942 ـ بإلغاء الحماية، بل نادت بتطبيقها والالتزام ببنودها. لكن تطورات الحرب العالمية الثانية وملابسات نزول القوات الأمريكية في المغرب، وانعقاد ’مؤتمر أنفا‘ بالدار البيضاء، وقبل ذلك صدور ’ميثاق الأطلسي‘؛ كل هذا أسهم بشكل فعال في تغيير مضمون المطالب والارتقاء بها إلى مستوى أعلى.

ففي تطوان، توصل حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية يوم 14 فبراير 1943، إلى الاتفاق على صيغة ميثاق وطني عُرف باسم ’الجبهة القومية المغربية‘، نادت لأول مرة في تاريخ الحركة الوطنية بـ “إعلان سقوط نظام الحماية المفروض في جميع أطراف المغرب”. ويبدو أن وطنيي الجنوب لم يستحسنوا هذا الميثاق. والسبب في رأي محمد حسن الوزاني، أن  “الوطنيين في فاس والرباط لم يكونوا ينظرون بعين الجد والثقة والاطمئنان إلى ما كان يجري في الأوساط الحزبية التطوانية التي اعتادت أن تكون في نشاطها مسالمة لسياسة الإسبانية”. لكن التفسير المقبول في نظرنا يكمن في ’التنافس‘ ـ الخفي والعلني ـ بين الزعامات السياسية في الشمال والجنوب. إذ لم يتقبل زعماء الجنوب الفكرة القادمة من منطقة يعتبرونها تابعة. أما سياسة المسالمة والمهادنة فكانت متبعة في المنطقتين وإن بدرجات متفاوتة، ولم نسمع أن الوطنيين في فاس والرباط أعلنوا العصيان والحرب على فرنسا.

في المغرب الجنوبي، كان الحزب الوطني قد تحول قبيل انتهاء الحرب العالمية إلى حزب الاستقلال، الذي دعا إلى إلغاء الحماية في وثيقة أعلن عنها يوم 11 يناير 1944. غير أن وثيقة الاستقلال لم تحدد طبيعة ذلك الاستقلال ولا المدة التي سيتحقق فيها. كما أغفلت جوانب مهمة من مقومات الدولة المستقلة مثل السياسة الخارجية والجيش وغيرهما. فضلا عن كونها لم تحدث أي صدى لدى الإدارة الفرنسية التي تجاهلتها رغم البيان التوضيحي الذي أعقبها يوم 19 يناير 1944. وبعدها بثلاثة أيام قدم حزب الحركة القومية وثيقته الخاصة به، والتي لا تختلف عن الأولى إلا في بعض التعديلات الطفيفة. وكان زعيمها رفض الانضمام إلى حزب الاستقلال لاعتقاده أن الاستقلاليين أرادوا وضعه أمام الأمر الواقع، ولأن  “حل الحركة القومية (…) لن يقبلها أحد من أعضائها”.

وعلى المستوى الشعبي، لقي مطلب الاستقلال قبولا وترحيبا من المغاربة. ولما استشعرت الإدارة الفرنسية مكامن الخطر، باشرت حملة من الاعتقالات، فشهدت مدينة الرباط وقوع اضطرابات ومواجهات دامية بين الشرطة والدرك من جهة، وبين المواطنين المتظاهرين من جهة أخرى. لذا اضطرت الإقامة العامة إلى الاستعانة ببعض الشخصيات الحزبية لتهدئة الحالة. كما وقعت مواجهات عنيفة في سلا وفاس والدار البيضاء، أفضت إلى اعتقال أكثر من خمسة آلاف مواطن. في الوقت الذي سارعت فيه قيادة حزب الاستقلال إلى طمأنة ’فرنسا الحرة‘ بعدم رغبة الوطنيين في تعطيل المجهود الحربي، ولا يريدون  “تحقيق هدفهم عن طريق العنف”.

وعقب انتهاء الحرب العالمية عينت فرنسا مقيما عاما جديدا هو أيريك لابون، الذي استهل عهده بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المبعدين. وكان يحمل ـ على ما يبدو ـ أفكارا جديدة تقوم على أساس إشراك الوطنيين في وظائف إدارية، وإدخال إصلاحات اقتصادية. وكان هدفه الأساس تحييد مطالب النخبة السياسية وتجميدها. غير أن هذه السياسة ’الجديدة‘ أغضبت المعمرين المتشددين في الداخل، ودفعت ذوي العقلية الاستعمارية في فرنسا، إلى التساؤل عن جدوى تلك الإصلاحات. وأدى ضغطهم المتزايد إلى إقالة لابون من منصبه، وتعيين الجنرال جوان خلفا له.

قبل هذا التعيين بأسبوعين كان الأمير عبد الكريم الخطابي قد غادر منفاه بجزيرة ريونيون متوجها إلى جنوب فرنسا عبر قناة السويس. والجدير بالذكر أن الحكومة الفرنسية كانت أذاعت قرار نقل الأمير عبد الكريم منذ حوالي أربعة شهور.

لمقيم العام الفرنسي الجنرال جوان

المقيم العام الفرنسي الجنرال جوان

 

كان الجنرال جوان شديد الحساسية لكل ما يتعلق بفرنسا، ومن المؤمنين بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المغاربة. ولكنه واجه منذ البداية أوضاعا مستجدة في القضية المغربية بعد نزول الأمير عبد الكريم الخطابي في القاهرة، ورغبة المغاربة الواضحة في الاستقلال. وسرعان ما أعلن عن تفاصيل خطة ظاهرها مزيد من الإصلاحات وباطنها تثبيت أركان الحماية. ووافقت الحركة الوطنية على الاشتراك في الانتخابات التي جرت لاختيار الممثلين المغاربة في المجلس الحكومي، أسفرت عن فوز حزب الاستقلال بأحد عشر عضوا في المجلس المذكور.

وعلى العموم، فخلال مدة حكمه مارس الجنرال جوان سياسة ذات وجهين: مواصلة استمالة زعماء الحركة الوطنية، وممارسة الضغط والقمع ضد صفوف الفئات الشعبية، بالتنسيق أحيانا مع السلطات الإسبانية في مجال التنكيل بالمواطنين.

وفي هذه الظروف الحرجة التي كان يمر بها المغرب، كان الأمير عبد الكريم الخطابي في القاهرة يواصل جهوده مع الوطنيين المغاربيين، لتوحيد أساليب الكفاح المسلح في أقطار شمال إفريقيا، من خلال ’لجنة تحرير المغرب العربي‘ التي أعلن عن تأسيسها مع بداية سنة 1948.

(يتبع)

* بعض مصادر هذه الحلقة:

-محمد ابن عزوز حكيم، أب الحركة الوطنية المغربية الحاج عبد السلام بنونة: حياته ونضاله، ج. 4، الرباط، 1996

-عبد الخالق الطريس، من تراث الطريس، كتاب العلم رقم 8، مطبعة الرسالة، الرباط (د.ت)، ص. 106. (مقال نشره الطريس في “الحرية” يوم 20/06/1937)

-محمد ابن عزوز حكيم، ’موقف الحركة الوطنية في شمال المغرب من ثورة الجنرال فرانكو ومن تجنيد المغاربة في جيوشه ومشاركتهم في الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936، في، الوثائق الوطنية (تطوان)، ع. 3-4، سبتمبر – ديسمبر 1988

-Wolf, Jean. (1994). Maroc : La vérité sur le protectorat Franco-Espagnol, l’épopée d’Abd el Khaleq Torres. Casablanca : Edif. Paris

- الثقافة الجديدة، مجلة مغربية، ع. 18، س. 5، 1980

- ابن عزوز حكيم، ’الوثائق الخاصة بعملية التصويت التي أدت إلى انشقاق كتلة العمل الوطني بجنوب المغرب‘، في،  الوثائق الوطنية، ع. 3-4

-جلال يحيى، عبد الكريم الخطابي، سلسلة أعلام العرب، القاهرة، دار الكتاب العربي، مايو، 1968

-عبد الكريم الفلالي، المغرب ملكا وشعبا، القاهرة، 1957

- ابن عزوز حكيم، ’وثيقة الشمال للمطالبة بالاستقلال والوحدة ليوم 14 فبراير سنة 1943، في، الوثائق الوطنية، ع. 5-6

-Bernard, Stéphane. (1968). Le conflit Franco-Marocain 1943-1956, T. 2. Bruxelles.

 

Comments

comments