محمد أمزيان: ظهائر العار

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

بماذا يمكن تبرير استمرار حرمان أبناء وحفدة المجاهدين من حقهم في استعادة أراضي أجدادهم التي امتزجت بالدماء والمعاناة والتشرد والمنافي؟ إذا أذنبوا في حق هذا الوطن، فليعاقبوا بقدر ما اقترفوه من ذنب. أم أن الانتماء إلى تاريخ المقاومة ذنب لا يغتفر؟

بعد أقل من شهرين من استسلام عبد الكريم الخطابي للقوات الفرنسية في شهر يونيو 1926، أصدرت سلطات الحماية الإسبانية في تطوان ظهيرا وقعه في فاتح غشت من تلك السنة المشؤومة، خليفة السلطان آنذاك مولاي الحسن بن المهدي بن إسماعيل، يقضي بمصادرة أراضي عدد من أركان حكومة عبد الكريم الخطابي وقيادات جيشه، فضلا عن أوامر بنفيهم إلى خارج الوطن، أو إبعادهم إلى المنطقة الفرنسية.

من الذين شملتهم ظهائر المصادرة: عائلة الخطابي وعلى رأسها محمد عبد الكريم الخطابي باعتباره زعيم المقاومة، والذي تم نفيه إلى جزيرة “لاريونيون”. كما صادرت أراضي شخصيات ريفية أخرى منها محمد أزرقان الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية، ومحمد بن علي لوكيلي بولحية (وزير العدل)، ومحمد بوجيبار، وحدو بن حمو المعروف بحدو لكحل، وغيرهم.

“إذا كان الإرث الاستعماري ما يزال يتحكم في عقليات البعض ممن خولنا لهم أمور دنيانا، فكيف نثق في الخطاب الذي يتم تسويقه من أن جسور المصالحة مع الريف قد مدت، ولا تنتظر سوى من يعبر عليها بأمان وثقة نحو مستقبل، الجميع فيه شركاء؟”

وإذا كانت أراضي عبد الكريم الخطابي قد أعيدت إلى أصحابها عقب انتفاضة الريف سنة 1959، مع أن أمرا صدر بعد ذلك  جمد قرار الإعادة، ولم يسمح لعائلة الخطابي بحق التصرف في أراضيها فعليا إلا خلال سنوات الثمانيات، فإن الآخرين ممن صدر في حقهم ظهير فاتح غشت المذكور وظهير يوم 9 أكتوبر 1926، ما يزال من بقي من أبنائهم وحفدتهم على قيد الحياة، ينتظرون إلى اليوم أن ينصفهم المغرب المستقل.

وما كان لهذا الموضوع الذي يعد من المحرمات أن يكتب له الظهور، لولا المجهودات التي قام بها أحد النشطاء الحقوقيين وهو الأستاذ جمال الكتابي، والذي اطلع على وثاق في غاية الأهمية، تحتفظ بها أسر ضحايا ما يمكن تسميته بعد تسعين سنة من صدورها ب”ظهائر العار”.

ويظهر من البحث الذي نشره السيد الكتابي مؤخرا، أن جميع الأبواب التي طرقها الضحايا سدت في وجوهم. ولعل الجواب الذي تلقته أسرة أحد الضحايا (أسرة حدو لكحل) من الحكومة التي كان يرأسها حينذاك السيد عبد الرحمان اليوسفي، تلخص حجم المهزلة، عندما أبلغتهم وزارة المالية بتاريخ 28 فبراير 2000 ، برسالة جاء فيها:

“(…) وبعد، تبعا لرسالتي المشار إليها في المرجع يشرفني أن أخبركم أنه تبين من خلال دراسة ملتمسكم المتعلق بإرجاع أملاك والدكم السيد حدو لكحل البقيوي الكائنة بإقليم الحسيمة أنه تمت بواسطة الظهير المؤرخ في 9 أكتوبر 1926 مصادرة أملاك مجموعة من الأشخاص ومن ضمنهم مورثكم المذكور. غير أن مورثكم لم يصدر بشأنه أي قرار يأذن بإرجاع الأملاك المصادرة منه، وبالتالي نتعذر الاستجابة لملتمسكم. وتفضلوا بقبول فائق التحيات، والسلام”.

هكذا ببساطة شديدة يتم تبرير الرفض استنادا إلى ظهير عقابي أصدرته إدارة الحماية.

كثيرا ما ننادي بإعادة الاعتبار لتاريخ المقاومة عبر إنصاف رجالاتها وتقدير تضحياتها في سبيل الوطن. وكثيرا ما قلنا إن “دفن الماضي” لن يتأتى إلا باحترام ذاكرة الوطن الجماعية. فإذا كان الإرث الاستعماري ما يزال يتحكم في عقليات البعض ممن خولنا لهم أمور دنيانا، فكيف نثق في الخطاب الذي يتم تسويقه من أن جسور المصالحة مع الريف قد مدت، ولا تنتظر سوى من يعبر عليها بأمان وثقة نحو مستقبل، الجميع فيه شركاء؟

“ظهائر العار” لا مكان لها في المغرب الذي نريده؛ مغرب يقطع مع الإرث الاستعماري ولا يقطع مع إرث المقاومة والتضحية والكرامة.

* نشر في المساء، الثلاثاء 12 يناير 2016

Comments

comments