«الناشط» الشفوي

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

هو ضد كل شيء.. غاضب على اليسار لكونه «قلب الفيستا»، يحتقر اليمين لكونه سليل «البرجوازية – الكومبرادورية»، يخاصم الحركات الأمازيغية لما فيها من نوازع «انفصالية»، يمقت الإسلام السياسي لأنه يمارس «التقية»، قاطع وظيفته في مؤسسة، تابعة للدولة، يلعنها كما يُلعَن الشيطان عند كل صلاة، يشتكي من الفساد في البلاد ويتغاضى عما يتقاضاه كل شهر مقابل عملٍ لا يؤديه، وعندما يستيقظ من نومه قبل غروب الشمس بقليل يشتم النظام؛ «يتفرّغ» ليلا للنشاط النقابي والسياسي بهمة عالية على جداره الفيسبوكي، وقد نسي تماما كيف تعلق الملصقات على الجدران الحقيقية؛ محلل سياسي تخشاه الأحزاب العتيدة والجديدة، مفكك ماهر لمنظومة الأزمة الاقتصادية العالمية.. يمسك بتلابيب أسبابها ويبتكر لها حلولا يُقسم أنها الوحيدة التي من شأنها أن تنقذ العالم من الانهيار.. إنه ذلك «الناشط الشفوي» الذي لا يخلو منه شارع ولا درب ولا حانة في بلادنا العزيزة.

يهوى «الناشط الشفوي» إلقاء محاضرات على جماهير لا توجد إلا في مخيلته. يرتجل ولا يكتب، فقد تعلم من تجربته الطويلة أن الكتابة دليل إدانة يقتفي أثره رجل السلطة. المُعضلة الكبرى أن «الناشط الشفوي» لا يتعرض للاعتقال، مما يجعله يعاني من مغص وجودي قاهر. يتحول جداره على الفيسبوك إلى بيانات متسلسلة: البيان رقم 1 ضد النظام، البيان رقم 2 ضد رئيس الجماعة القروية، البيان رقم 3 ضد مقدم الحومة، البيان رقم 4 ضد جاره الذي «تمخزن». هو لا يُناقِش ولا يُناقَش، لأن الحقيقة منه تأتي وإليه تنتهي. «يعرف» دقائق الأمور السياسية وكأنه واحد من صناع القرار في الدوائر العليا، يقص على جماهيره المتخيلة طبائع الوزراء وخفاياهم، وويلٌ لمن يسأله عن مصادره! حينما «ينزلق» مستمع ويأتي على ذكر «الربيع العربي»، مثلا، يعترض «الناشط الشفوي» على استخدام المصطلح بكل ما أوتي من قوة في حبال صوته، محذرا الأجيال من مغبة التقليد الأعمى والاستلاب.

“يهوى «الناشط الشفوي» إلقاء محاضرات على جماهير لا توجد إلا في مخيلته. يرتجل ولا يكتب، فقد تعلم من تجربته الطويلة أن الكتابة دليل إدانة يقتفي أثره رجل السلطة. المُعضلة الكبرى أن «الناشط الشفوي» لا يتعرض للاعتقال، مما يجعله يعاني من مغص وجودي قاهر”.

«الناشط الشفوي» قادر على حل كل الأزمات الإقليمية والعالمية إلا أزمته الشخصية، فهو يسكن في بيت والده المتقاعد، ولم يتزوج ورسائل الحب الفلسفي على جداره الفيسبوكي لا يتفاعل معها العنصر النسوي «المتخلف». يحلل الآثار السلبية للهجرة نحو أوربا، ويتمنى في داخله لو كان أول المهاجرين. «الناشط الشفوي» لا يتخلف عن الدعوات التي يتلقاها من نظرائه في المدن الأخرى.. تراهم جميعا على المنصة بقسمات حادة وخلفهم شعارات مُزلزلة وعلاماتُ النصر تـُوزع على الحضور بسخاء. في نهاية اللقاء، تؤخذ له صور جماعية مع «ناشطين» و«ناشطات». يحرص على أن يكون وسط «الناشطات». ينتهي اللقاء فيتوجه «الناشطون» إلى المقهى/الحانة لمواصلة النشاط حتى مطلع الفجر. في المقهى/الحانة لا يشرح «الناشط الشفوي» مضامين ما قاله في مداخلته، لأن من معه يحفظ عن ظهر قلب كل كلمة قالها أو ينوي قولها في المستقبل، فـ«الناشط الشفوي» لا يرى ضرورة في تجديد معلوماته ولا حتى مجرد تطعيمها بقليل من القراءة. خلال السهرة، يسرح «الناشط الشفوي» بخياله بين الفينة والأخرى، فهو منهمك في استحضار ما اختزنته ذاكرته من صور المشارِكات. يستعرض ملامح وجوههن واحدة واحدة، ثم يستقر على صورة معينة، يسأل عنها نظيرَه، منظم اللقاء، مدعيا أن سؤال تلك «الفاعلة» الجمعوية كان بنيويا، عميقا ومركبا! وحينما يعلم بأنها طالبة بسيطة وأن أباها مجرد عامل في البلدية، يلعن حظه الذي لا يلاقيه إلا بالتعساء.

هذه بعض صفات «الناشط الشفوي» في مجتمعنا، وهي صفات لا تختلف عن صفات «المثقف الشفوي» و«السياسي الشفوي» و«الوزير الشفوي» و«البرلماني الشفوي» و«الفقيه الشفوي»… أتذكر بعض الأمثلة الواقعية من فترة «نشاطي» في صفوف جمعيات ثقافية واجتماعية في بلاد الهجرة؛ تستدعي شخصا تعرفه بتصريحاته النارية أو بمواقفه الرنانة، فتطلب منه بأدب أن يوافيك بمداخلته كتابة حتى تتسنى ترجمتها إلى لغة أهل البلد، ولمَ لا جمع المداخلات وترتيبها بهدف النشر وتعميم الفائدة. أستطيع التأكيد على أن أكثر من سبعين في المائة من المداخلات لا تكون سوى اجترار لكلام قيل في أزمنة سابقة وأمكنة أخرى، وإذا استفسرته عن السبب يكون الجواب عنده جاهزا: مشغول جدا «أخاي» ولا وقت لدي للكتابة، هل فهمت؟
نعم.. فهمت!

*نشرت في المساء يوم الثلاثاء 16 فبراير 2015

Comments

comments