محمد أمزيان: تقاعد البرلمان

  • 0

ما جدوى الجدل المثار حول “تقاعد” البرلمانيين والوزراء؟ وهل الدعوة إلى إلغائه تسير في الاتجاه الصحيح؟ لنأخذ نموذجا عن تقاعد البرلمانيين والوزراء من مملكة أخرى؛ هولندا.

محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

“مصروف الانتظار”، هو المصطلح المستخدم للدلالة على التعويضات التي يتم صرفها للبرلمانيين والوزراء إذا فقدوا وظائفهم، بالاستقالة أو عدم الفوز في الانتخابات أو الوفاة. وكما يوحي المصطلح، فإن التعويضات مؤقتة تنتهي بمجرد أن يعثر البرلماني أو الوزير عن وظيفة أخرى. وعادة ما يعود هؤلاء إلى وظائفهم التي كانوا يزاولونها قبل الاستوزار أو دخول البرلمان، ومنهم من يحصل على وظائف في القطاع الخاص أو يتحولون إلى مستشارين في جماعات الضغط التي تخدم مصالح الشركات الكبرى.

الأجر الشهري للبرلماني في هولندا، بحسب جدول 2016 ، يعادل 7705,12 يورو (دون الاقتطاع الضريبي)، تضاف إليه تعويضات التنقل والسفر والمبيت، فضلا عن علاوة آخر السنة  والإجازة الصيفية. وفي هذا لا يختلف البرلماني عن العامل في معمل ولا موظف في شركة خاصة أو إدارة عمومية، إلا في فارق الأجرة الشهرية بطبيعة الحال.

“بما أن “الشعب” اكتشف السبب الذي يجعل البرلماني والوزير عندنا لا يعملون، مقيدون ومسلوبو الإرادة، فلماذا لا يطالب المطالبون صراحة بإلغاء البرلمان والحكومة؟”

 

ولنفترض أن البرلماني لم يعد برلمانيا والوزير لم يعد وزيرا.

يحق للبرلماني أن يحصل على 80% من قيمة آخر أجرته الشهرية الأساسية (دون حساب التعويضات والعلاوات) خلال السنة الأولى من مغادرته الوظيفة، و70% بعد السنة الثانية إلى أن تنتهي مدة التعويض المحددة في ثلاث سنوات وشهرين. وإذا بقي البرلماني أقل من ثلاثة أشهر فقط على مقعده، فله الحق في ما يعادل ستة أشهر من التعويض، وبعد ذلك عليه أن يتدبر أمره بنفسه. عندئذ، وفي حال عدم عثوره على وظيفة، يتوجه لمكتب المساعدة الاجتماعية التي يتلقى منها الحد الأدنى للأجر، مثله مثل أي مواطن آخر عاطل عن العمل، وعليه في المقابل، إذا طالت عطالته، القبول بأي عمل يعرض عليه. وفي حال الوفاة، تتقاضى أرملته أو أبناؤه من بعده تعويضات تقدر بثلاثة أشهر عمل، ومعاشه لا يورث. أما إذا كان البرلماني قد بلغ سن الثامنة والخمسين أثناء المغادرة، وقضى أكثر من عشر سنوات في خدمة مصالح البلاد، فإن التعويضات تستمر إلى أن يحصل على التقاعد المحدد في سن الخامسة والستين. والوزير إذا غادر الوزارة، يحصل بدوره على تعويض تتراوح مدته ما بين سنتين كحد أدنى وأربع سنوات كحد أقصى.

هذا في المملكة التي يعمل فيها البرلماني والوزير أربعا وعشرين ساعة وسبعة أيام في الأسبوع، ولا حق له في الإجازة إلا 15 يوما يوزعها كما يشاء على أشهر السنة، وفي حال حدوث أزمة سياسية في البلاد، يقطع إجازته حتى ولو قضى منها يوما واحدا. وعندما “يتعطل” البرلمان مع بداية الكريسماس ونهاية السنة، والمرة الثانية خلال إجازة الصيف، يقوم البرلمانيون بأنشطة أخرى في المدن والقرى، بزيارة الناس والنوادي والجمعيات.. إلخ، وآخرون ينخرطون في الأعمال التطوعية في دور العجزة أو المعاقين، أو يرافقون رجال المطافيء والشرطة، أو يتواصلون مع منتخبيهم عبر أنشطة تواصلية ولقاءات ومحاضرات.  

لنعد الآن إلى برلمان مملكتنا، والذي يتعرض لمطالب “شعبية” بإلغاء معاشات قاطنيه، والسبب الرئيسي أن البرلمانيين لا يعملون، عاطلون، وأنهم ينفذون تعليمات فوقية ولا حول لهم ولا قوة، وأن ما يتلقونه من أجر خيالي يدخل في نطاق “الريع السياسي”. كلام جميل جدا، ولكن..

بما أن “الشعب” اكتشف السبب الذي يجعل البرلماني والوزير عندنا لا يعملون، مقيدون ومسلوبو الإرادة، فلماذا لا يطالب المطالبون صراحة بإلغاء البرلمان والحكومة؟

طالبوا إذن بإحالة البرلمان إلى التقاعد!   


*نشرت المقالة في المساء، الثلاثاء 5 يناير 2016

Comments

comments