محمد أمزيان: الحركة الوطنية وحرب الريف/ 2

  • 0

|يسر إدارة موقع أنوال.نت إعادة نشر كتاب: “محمد عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف” في حلقات أسبوعية، بعدما نفدت نسخ الطبعات السابقة من المكتبات، وحتى يكون كذلك متاحا أمام أكبر عدد ممكن من القراء والمهتمين والطلبة. وقد آثرنا الاحتفاض بالنص الأصلي رغم ما يحويه من هوامش طويلة أحيانا، اقتضتها ظروف البحث والتوثيق إبان إنجازه أولا كأطروحة جامعية ثم ككتاب منشور. وبما أن الفصول طويلة نوعا ما، فإننا سنعمل على تقسيمها حتى تتواءم مع طرق النشر على المواقع الالكترونية. وإذ يعيد أنوال.نت نشر هذا الكتاب في حلقات، فإنه يسمح للمواقع الزميلة بإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وعدم التصرف في النص الأصلي ولا في العناوين، لأنها ليست مقالات صحفية بل هي فصول من كتاب منشور|

(الحلقة الخامسة)

تأصيل العمل السياسي

تعد سنة 1930 منعطفا بارزا في تاريخ الحركة الوطنية المغربية. ففي 16 مايو من هذه السنة صدر ’الظهير البربري‘ الذي أرادت به السلطات الفرنسية تقسيم الشعب المغربي على أساس عنصري. وقد جاء هذا الظهير تأكيدا لسلسلة من الظهائر المشابهة دشنت بها الحماية عهدها في المغرب. وتقوم سياسة التقسيم هذه على اعتماد بعض التقاليد المحلية القديمة لدى الأمازيغ في أفق إبعادهم عن الشريعة الإسلامية وفصلهم عن اللغة العربية، تمهيدا لدمجهم في الثقافة الفرنسية.

كان الشباب الوطني في سلا على علم بالظهير قبل نشره في الجريدة الرسمية، بفضل عبد اللطيف الصبيحي، الموظف في إدارة الأمور الشريفة. وبعد صدوره أثار موجة من الاستنكار الوطني والعربي والإسلامي.

“صفوة القول، إن مسألة الخروج عن طوق الحماية لم تكن مطروحة لا في الشمال ولا في الجنوب”

ففي المغرب بدأت حركة الاحتجاج على شكل تجمعات في المساجد. وتكاد تجمع الكتابات المغربية في الموضوع على أسبقية مدينة سلا في مجال مقاومة الظهير البربري. حسب أبو بكر القادري بدأت قراءة اسم الله ’اللطيف‘ أولا في الكتاتيب القرآنية ثم في المساجد. وصاحب هذه الفكرة هو عبد الكريم حجي الذي  “طاف على كتاتيب سلا طالبا فقهاءها أن يلجأوا إلى الله بطلب اسم الله اللطيف أن يرفع عنهم البلاء الذي نزل بهم بصدور ظهير 16 مايو”. وفي اجتماع عقده الشباب تقرر أن يكون يوم الجمعة 20 يونيو موعدا لقراءة اسم الله اللطيف بالمسجد الأعظم. ويختلف الحاج أحمد معنينو مع القادري في التاريخ المتفق عليه لترديد ’اللطيف‘. فبعد شرح مستفيض عن استعدادات الشباب واتصالاتهم في ما بينهم، خلص إلى القول بأن  “الانطلاقة الأولى لمقاومة الظهير البربري بسلاح اللطيف [كانت] من المسجد الأعظم لمدينة سلا المقدامة يوم 27 يونيو 1930″. ويؤكد عبد الكريم غلاب أسبقية مدينة سلا بقوله:  “واهتدت جماعة سلا (…) إلى أن يجتمع المواطنون في المسجد وأن يجهروا بذكر الله ’اللطيف‘ جماعة (…) وكان أن عمت هذه الحركة بعد ذلك في الرباط وفاس ومراكش”. وفي تطوان نُظم تجمع تضامني مع الجنوب في المسجد الأعظم في الثلاثين من شهر يوليو 1930.

عبد الخالق الطريس زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

عبد الخالق الطريس
زعيم حزب الإصلاح الوطني في تطوان

هذه التجمعات سرعان ما تحولت إلى مظاهرات همت معظم أنحاء المغرب طالبت بإلغاء الظهير. واتخذت في فاس شكلا منظما على مستوى التعبئة السياسية والتحريض ضد السلطات المحلية. وبسبب هذه الاحتجاجات والتجمعات، تعرض عدد من الشبان في سلا والرباط وفاس وفي غيرها من المدن للاعتقال والإبعاد. ولم يلبث أن تكونت خلايا سياسية اتخذت من السرية أسلوبا للتنظيم والعمل، لتفادي المواجهة المباشرة مع سلطات الحماية. في سنة 1931 تأسست في فاس جماعة ’الزاوية‘، سرعان ما تحول اسمها إلى ’الطائفة‘ وأخذت تعبر عن نفسها علنا عبر مجلة ’مغرب‘ وجريدة ’عمل الشعب‘. وإذا كان هذان المنبران أساسيين لمخاطبة الرأي العام الفرنسي الحر، فمما لا شك فيه أن تأثيرهما على طبقات الشعب ظل محدودا، بالنظر إلى تفشي الأمية في المجتمع المغربي، وإلى قلة قراء اللغة العربية فكيف بقراء اللغة الفرنسية!

وأسهم التفاف الشباب حول الصحيفتين المذكورتين في بلورة تنظيم سياسي واضح المعالم عرف باسم ’كتلة العمل الوطني‘، ببرنامجه الذي قُدم إلى السلطان وإلى المقيم العام الفرنسي في المغرب وإلى رئيس الوزراء الفرنسي لافال (Pierre Laval) في فاتح ديسمبر 1934، ويتلخص في المطالبة بتطبيق معاهدة الحماية، ومشاركة الوطنيين في الوظائف الإدارية بما فيها المجالس البلدية والغرف التجارية، وتأسيس مجلس وطني يضم نوابا مسلمين ويهودا، وتوحيد النظامين القضائي والإداري.

وعلى غرار مطالب تطوان المقدمة إلى حكومة الجمهوريين غداة وصولهم إلى السلطة، كان برنامج الجنوبيين من حيث المحتوى متواضعا جدا، يعطي الانطباع على أن واضعيه أرادوا البدء بإصلاحات داخلية تستدعي المرور بمرحلة طويلة يستعينون خلالها بالحماية الفرنسية. ويبرر علال الفاسي تلك السياسة بكون الوطنيين كانوا يعتقدون آنذاك بأنهم سيصلون إلى تحقيق أملهم الكامل بعد قطع مرحلة من التعاون تحت النظام القائم. ومع تواضع هذه المطالب، فقد رفضتها الإقامة العامة جملة وتفصيلا. كما رفضتها الجبهة الشعبية غداة وصولها إلى الحكم سنة 1936.

وفي منطقة الحماية الإسبانية تزامن بدء العمل السياسي مع نظيره في الجنوب. لكن البداية الواضحة جاءت عقب زيارة الأمير شكيب أرسلان لمدينة تطوان سنة 1930. ففي الخامس من سبتمبر من هذه السنة، تكونت في تطوان ’الهيئة الوطنية الأولى‘ التي أعدت ’وثيقة المطالب المغربية‘، وسينبثق عنها في ما بعد ’وفد مطالب الأمة‘. وأعد هذا التنظيم عريضة تشمل جملة من المطالب رفعها إلى حكومة الجمهورية الإسبانية في يونيو 1931. إلا أن المسئولين الإسبان غضوا الطرف عنها، مع وعود بدراستها. واستعرض محمد ابن عزوز حكيم نشاط الوطنيين في المنطقة الخليفية، فلم يتعد نطاق المحاضرات الثقافية وتأسيس الجمعيات الخيرية الطلابية وتقديم طلبات إصدار بعض الصحف، مع تنظيم المهرجانات الخطابية في المناسبات.

لم يكن زعماء الحركة الوطنية خلال هذه الفترة يريدون القطيعة مع الحماية؛ لأن الشعب في اعتقادهم لم يبلغ رشده بعد والأمة ’غير مستعدة‘ للاستقلال. ويوضح عبد الخالق الطريس أن مطالب الوطنيين كانت  “معتدلة تدل دلالة قاطعة على حسن نية مقدميها ورغبتهم في التعاون مع الحكومة الإسبانية تعاونا أساسه الإنصاف والعدالة وتبادل الاحترام”.

صفوة القول، إن مسألة الخروج عن طوق الحماية لم تكن مطروحة لا في الشمال ولا في الجنوب.

* بعض مصادر ومراجع هذه الحلقة

- الحاج حسن بوعياد، الحركة الوطنية والظهير البربري: لون آخر من نشاط الحركة الوطنية في الخارج 1384هـ/1930م، دار الطباعة الحديثة، الدار البيضاء، ط1.

- كريدية إبراهيم، السياسة البربرية للحماية الفرنسية في المغرب، الدار البيضاء، 1985.

-Lacouture, Jean et Simone (1958). Le Maroc à l’épreuve. Paris. pp. 74-97 ; Ageron, Charles R. (janvier-mars 1970). ‘La politique Berbère du protectorat Marocain de 1913 à 1934’, in, R.H.M.C. T. XVII. pp. 50-90.

-الحاج أحمد معنينو، ذكريات ومذكرات، ج.1 (1920-1931)، مطبعة سبارطيل، طنجة (د.ت.).

-أبو بكر القادري، مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930-1940، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط1، 1992.

-كفاح كاظم عكال الخزعلي، حزب الاستقلال ودوره السياسي في المغرب 1944-1956، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، أبريل 1983.

Comments

comments