رومان غاري: الجدار.. حكاية بسيطة بمناسبة أعياد الميلاد

  • 53

/ترجمة :عبد الرشيد المساوي

- هل من جديد في إبداعاتك؟ سألني صديقي الطبيب.
– لاشيء. لذا أطلب منك أن تصف لي بعض العقاقيرالمنشطة التي يمكنها أن تشحنني بمزيد من الطاقة والحيوية والقدرة على التركيز. عادة في أيام أعياد الميلاد هذه، والمتاجر ممتلئة باللعب استعدادا لاستقبال السنة الميلادية الجديدة، أجد دائما قصة جميلة أرويها لقرائي، لكن صراحة أحس أنني في هذه الأيام أوجد أمام جدار. 

رومان غاري صاحب رواية  "جذور السماء"

رومان غاري صاحب رواية
“جذور السماء”


  التمعت عينا صديقي ثم قال لي:
– يبدو أنك وجدت هاهنا موضوعا جيدا لكتابة قصة ستعجب قراءك.
- كيف ذلك؟
– الجدار… سأروي لك قصة حقيقية البطل فيها هو جدار. نعم، الجدار حقيقة ومجازا. حدث هذا عندما كنت أزاول مهمة طبيب شرعي في مستشفى المدينة. ففي أحد أعياد الميلاد السابقة تم انتشالي من السرير في ساعة متأخرة من الليل لمعاينة حالة وفاة في إحدى هذه العمارات الموجودة في ضواحي المدينة. وجدتني أمام جثة طالب شاب في العشرينات من عمره، شنق نفسه في الغرفة التي يكتريها. وبينما كنت أكتب شهادتي على إحدى الطاولات أثار انتباهي وجود ورقة مملوءة بكتابة عصبية. وعندما قرأتها وجدت أن الشاب قد ترك لنا تفسيرا لفعلته. لقد انهار بسبب أزمة عزلة، إذ كان يعيش وحيدا بدون عائلة أو أصدقاء أو نقود كافية في ليلة من ليالي أعياد الميلاد. أما المنعطف في القصة – كما تقولون أنتم الكتاب – الذي يتضح من قراءتي لآخر ما خطه، فهو أنه في الغرفة المجاورة كانت تسكن فتاة شابة لا يعرفها لكن كان يصادفها في الدرج، ذات “جمال ملائكي” – حسب تعبيره الذي نشم فيه لاشك الهشاشة العاطفية للشباب – أسرت قلبه. وفي ليلة أعيادالميلاد هذه، وبينما كان هو يواجه الحزن والإحباط، كان يسمع عبر الجداراهتزازات السرير وتأوهات جارته الشابة لمدة ساعة متواصلة. ويبدو أن صرخات المتعة التي استرق إليها السمع عبر الجدار قد أصابته في مقتل. وختم الورقة باعترافه أنه كان يعشقها سرا، وأنها “كانت جميلة جدا إلى درجة أني لم اجرؤ على مكالمتها “، كتب.
   وبينما كنت أهم بمغادرة الغرفة بمرافقة الشرطي وصاحبة الشقة، خمنت أن هذه الشابة الجميلة وعشيقها قد يفيداننا أكثر في فهم ما حصل لأن جدارا رقيقا كان يفصلهما عن المكان الذي حصلت فيه المأساة – رغم أن دافعي الحقيقي هو نوع من الفضول لإلقاء نظرة على هذا “المخلوق الملائكي” الذي سبب خراب قلب هذا الشاب- وهكذا قمت بنقر باب الغرفة نقرات خفيفة لكن لا جواب، فخمنت أن الشابة ما تزال بين أحضان شريكها في المتعة تحت الغطاء في هذه الليلة الباردة من ليالي دجنبر. وعندما بدأت أنزل الدرج صاحت صاحبة الشقة “السيدة جونز، السيدة جونز …” لكن الصمت ظل سيد المكان، فأخرجت رزمة المفاتيح التي كانت بحوزتها وفتحت باب الغرفة. فاجأتني صرختها وهي تهرول خارج الغرفة مذعورة. دلفت إلى الغرفة وأزحت الستائر، واكتشفت أن الطالب الشاب قد أخطأ في تحديد طبيعة تلك الصرخات والتأوهات التي كان ينبعث صداها من الجدار، والتي قادته إلى هذا القرار الذي لا يمكن تداركه. فعلى السرير كانت تستلقي شابة شقراء لم يستطع تأثير سم الزرنيخ أن يخفي جمالها الباهر. لقد ماتت الشابة اليافعة منذ ساعات، واستغرق احتضارها مدة لا بأس بها، وتركت على الطاولة المجاورة ورقة صغيرة تشرح فيها عزلتها وسأمها من الحياة.
صمت صديقي الدكتور “راي” ونظر إلي بتودد، بينما اجتاحني احتجاج لم يبارح شفاهي على هذا الجدار الذي أودى بحياة شابين في مقتبل عمرهما.
– نعم الجدار، تمتم صديقي. إنه يصلح موضوعا لكتابة قصة ترضي بها قراءك في ليالي أعياد الميلاد، ولاستقبال فصل الشتاء المليء بالعجائب والغرائب./.

*حاشية المترجم

ما دفعني إلى تعريب هذه القصة لRomain Gary هو من جهة حبكتها القصصية المتقنة  في مباغتتها لأفق انتظار القارئ، ومن جهة أخرى كونها تعكس رهافة الإحساس لدى الكاتب بكل المعذبين في الأرض في عزلاتهم القاتلة، وهي الصفة التي ستجعله “يختار” أن يغادر الحياة منتحرا في 2 دجنبر 1980 ( نفس الشهر ونفس الطريقة التي سلكها “بطلا” هذه القصة المترجمة ) بعد أن اصطدم بجدار الحياة،  رغم نجاحاته الأدبية ( تتويجه بجائزة الغونكور عن روايته ” جذور السماء”).

Comments

comments