الحركة الوطنية وحرب الريف/ 1

  • 0

|يسر إدارة موقع أنوال.نت إعادة نشر كتاب: “محمد عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف” في حلقات أسبوعية، بعدما نفدت نسخ الطبعات السابقة من المكتبات، وحتى يكون كذلك متاحا أمام أكبر عدد ممكن من القراء والمهتمين والطلبة. وقد آثرنا الاحتفاض بالنص الأصلي رغم ما يحويه من هوامش طويلة أحيانا، اقتضتها ظروف البحث والتوثيق إبان إنجازه أولا كأطروحة جامعية ثم ككتاب منشور. وبما أن الفصول طويلة نوعا ما، فإننا سنعمل على تقسيمها حتى تتواءم مع طرق النشر على المواقع الالكترونية. وإذ يعيد أنوال.نت نشر هذا الكتاب في حلقات، فإنه يسمح للمواقع الزميلة بإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وعدم التصرف في النص الأصلي ولا في العناوين، لأنها ليست مقالات صحفية بل هي فصول من كتاب منشور|

محمد أمزيان: الحركة الوطنية وحرب الريف (1)

يستدعي انبثاق العمل السياسي في أعقاب انتهاء الحرب الريفية، التساؤل عما إذا كان انهزام الجيش الريفي وتسليم عبد الكريم الخطابي نفسه للفرنسيين كانا وراء إفراز الخيار السياسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي حد استوعبت النخبة الجديدة أسباب الهزيمة وحاولت تجاوز آثارها؟ وهل جاء العمل السياسي كبديل عن انتكاس العمل العسكري؟ وما مدى تأثير تجربة عبد الكريم على العمل السياسي الناشئ في كليته؟

يمكن حصر الأجوبة في منحيين. الأول يؤكد والثاني ينفي أي تأثير للتجربة الريفية على الوطنيين الشباب.

المنحى الأول: يتبناه رجال الحركة الوطنية أنفسهم ومؤرخو الأحزاب، وبعض الكتاب الأجانب. يقول روم لاندو: “إن الباعث على نشوء هذه الحركة الوطنية كان حرب الريف (…) فإن جهاد عبد الكريم ضد قوى كبيرة لقي صدى في نفوس مواطنيه المغاربة. فحملته (…) أصبحت تمثل في نفوس مواطنيه أكثر من مجرد ثورة عسكرية. لقد أصبحت تعبيرا عن احتجاج الإسلام على مادية الغرب”. حسب هذا الرأي، يتجسد التقاء شباب الحركة الوطنية مع عبد الكريم الخطابي في البعد الديني/الروحي للحركة الريفية. ذلك أن الحركتين معا ’ناهضتا‘ مادية الغرب. إلا أنه لا يمكن بهذه البساطة اختزال مقاومة عبد الكريم الخطابي للاستعمار في مناهضته لمادية الغرب؛ لأنه قاوم وناهض نزعة التوسع والسيطرة التي تحملها هذه المادية تحت ستار ’نقل‘ فوائد الحضارة الغربية إلى الشعوب ’المتخلفة‘. ثم إن الكاتب لا يوضح ما مدى وعي الشباب الوطني بهذا اللقاء الروحي مع الخطابي ولا يحدد تجلياته.

ويرى كنيث براون أن شروط الالتقاء كانت عاطفية، مؤكدا على أن المقاومة الريفية وذكرياتها دخلت في صلب أيديولوجية الحركة الوطنية، وأن “مقاومة الريف قد ساهمت بالتقاء الشروط الملائمة لولادة هذه الحركة”. في حين يوضح عبد الكريم غلاب أن حرب الريف” كانت الأمل الذي التقت حوله أفكار الشباب، كما كان للنكسة التي أصابت المجاهدين في الريف أثرها العميق القوي في نفوس الشباب الذي أخذ يبحث عن بديل لهذا الجهاد التحرري”. أما محمد زنيبر، فمع ملاحظته نوعا من تورية الوطنيين تجاه التجربة الريفية، فإنه يلتمس لهم العذر. فأمام العدو الاستعماري وجيشه الرهيب، لم يكن بمقدورهم  “إبراز أنفسهم كمكملين لعبد الكريم”. ويضيف في صيغة تساؤل:  “هل من الممكن إذن، الكلام هنا عن قطيعة، لأن زعيما وطنيا ولأسباب تكتيكية بدا وكأنه يدير الظهر لعبد الكريم”؟

المنحى الثاني: يجيب عبد الله العروي على هذا التساؤل بإثبات واقع القطيعة فعلا. ويعتقد أن عبد الكريم ظل غائبا عن فكر الوطنيين. وقد استند العروي في تحليله على ما ثبت عنده من كون الوطنيين خلال الثلاثينات كانوا متأثرين برأي صحيفة المنار السلفية، في عبد الكريم شخصيا وفي مشروعه السياسي. وأوضح أن  “المسألة ليست في معرفة ما إذا كان هذا الزعيم المغربي أو  ذاك تكلم ذات يوم عن عبد الكريم أو ألقى محاضرة عنه، فالمسألة متعلقة فيما إذا كان الوطنيون كمجموعة قد درسوا تجربة عبد الكريم بالدقة المطلوبة متوصلين بذلك إلى استخلاص نتائجها السياسية أو غيرها. حسب ما أعلم ـ وقد أكون مخطئا ـ فإنهم لم يفعلوا شيئا من هذا القبيل، لأسباب متعددة لا تزال بحاجة للشرح، ولم يستخلصوا ما يمكن تسميته درسا حقيقيا إن على صعيد انتصارات تلك التجربة أو على صعيد إخفاقاتها”.

كان عبد الله العروي محقا في طرح المسألة بهذا المنظور الشمولي، وبيان غياب التجربة الريفية عن فكر الحركة الوطنية وإيديولوجيتها. وقد يكون من أوائل الباحثين المغاربة الذين رصدوا هذا الغياب.

غلاف كتاب محمد عبد الكريم الخطابي آراء ومواقف

غلاف كتاب
محمد عبد الكريم الخطابي آراء ومواقف

وسبق أن استبعد ريزيت حكاية تأثر العمل الحزبي بالتجربة الريفية. ولكنه أخطأ حينما أرجع السبب إلى إيديولوجية الوحدة العربية التي لا يؤمن بها الخطابي كونه زعيما ’بربريا‘. وهذا تفسير متسرع تنقصه الدقة العلمية. فمن يتمعن في أقوال الأمير الخطابي وتصريحاته، سواء إبان حرب التحرير أو خلال استقراره في القاهرة، يستنتج بوضوح البعد الحقيقي لفكره التحرري والمتحرر مما هو إقليمي أو محلي أو نزعوي ـ إن جاز التعبير. ويشرح ريزيت استنتاجه قائلا: إنه  “ليس من الصحيح تقديم ثورة عبد الكريم بمثابة التجلي الأول ’للوطنية‘ المغربية (…) إن ارتباط عبد الكريم بالزوايا، وكذا إعلانه عن ’جمهورية الريف‘، ثم عداءه العنيف تجاه السلطان، كل ذلك كان يتعارض بصورة كلية مع أيديولوجية الوحدة العربية التي هي مرجع رواد الوطنية المغربية ومكونها الأساسي”. وليس صحيحا كذلك ارتباط عبد الكريم بالزوايا، بل على العكس تماما إذ كان يناهضها ويحاربها. كما ناهضته الزوايا بدورها وحاربته. ولعل في الزاوية الدرقاوية وموقفها من الثورة الريفية خير دليل على استبعاد حكاية هذا الارتباط. أما عداؤه المزعوم نحو السلطان فليس هناك ما يثبته. وإن جاز الحديث عن عداء، فمن الجانب الآخر الذي صدق دعاية المارشال ليوطي بكون ثورة عبد الكريم تستهدف العرش ليس إلا.

وعما إذا كانت الحركة السياسية بديلا عن المقاومة المسلحة، أود عرض رأي الأستاذ عبد الكريم غلاب في الموضوع.

في البداية يعتبر الأستاذ غلاب أن انطلاق العمل السياسي في المدن، يعني أن المدينة أصبحت لأول مرة   “تدافع عن الريف، بينما كان العكس هو طابع الحركات التحررية من قبل”. ويوضح أن البرجوازية هي التي قامت بهذا العبء، معللا الظاهرة بعاملين: الأول نفسي والثاني ثقافي. ولا نجد رابطا بينهما إلا حجم الصدمة التي أحدثها الاستعمار في نفوس الشباب، سواء بتخاذل الآباء وسلبيتهم،  “فكان على الأبناء أن يكفروا عما حدث”، أو حينما تمكنت الجيوش الغازية من هزيمة المقاومة المسلحة. ويستنتج بالتالي أن الحركة السياسية قد تكون  “البديل للحركة الوطنية المسلحة”. بيد أنه يعود سريعا ليعكس المسألة ويحسمها في عنوان جانبي بالقلم العريض قائلا:  “الحركة الوطنية ليست بديلا للمقاومة المسلحة”. بل هي  “حركة وجدت لتمتص اليأس الذي كان يهيمن على المواطنين المغاربة”. هل نفهم من هذا الكلام أن الهدف من قيامها كان مختزلا في امتصاص اليأس فقط دون أن يكون لها برنامج سياسي بعيد المدى؟ وعلى العموم فإن النخبة البرجوازية المثقفة هي التي كانت مؤهلة للقيادة لتوفرها على شروط العمل السياسي مثل  “التفكير المشترك والتجمع والسرية ووحدة العمل”. وهي شروط لم تكن لتتوفر في الأرياف لأسباب أهمها ’التخلف الفكري‘ و’انعدام الثقافة‘. ومع صحة هذه الملاحظة، فلا يمكن تعميمها بإطلاق. وكما أوضح الأستاذ غلاب نفسه، فالقيادة العسكرية في الريف كانت هي أيضا مثقفة وواعية بمسؤولياتها. أما مسألة التخلف الفكري وانحصار التعليم، فهي ظاهرة تشترك فيها البادية مع المدينة، وإن بدرجات متفاوتة. ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الأرياف عديمة الثقافة، وإلا أصبحت مجتمعات غير تاريخية.

تحرير البطل كتاب للكاتب الاستقلالي عبد الكريم غلاب

تحرير البطل
كتاب لعبد الكريم غلاب

لعل البت في هذا الموضوع أمر من الصعوبة بمكان. لكن المعطيات المتاحة تعطي فعلا دلائل على غياب التجربة الريفية عن أيديولوجية الحركة الوطنية. ومن اللافت للنظر أن تكون خطب الزعيم المصري سعد زغلول تستأثر باهتمامات الشباب المغربي، عوض الالتفات ناحية الريف. ولا يغير من واقع الأمر شيئا كون بعض الشباب المثقف كان يتغنى ببطولات الريفيين في مطارحات شعرية ومساجلات أدبية.

ومن الواضح أن تقييم الوطنيين للتجربة الريفية لم يتغير مع تأصّل أسلوب عملهم السياسي، ونضالهم ضد الحماية في الداخل والخارج. ولعل هذا ما يفسر سر ’القطيعة الثانية‘ بينهم وبين الخطابي حينما برز على الساحة السياسية مرة أخرى بعد سنة 1947. صحيح أن جل من كتب من الوطنيين عن تاريخ المغرب المعاصر يشير إلى ’صدى‘ حرب الريف في الوجدان. لكن ينبغي التنبيه إلى أن كل هذه الكتابات ظهرت بعد سنة 1947؛ أي بعد أن فرضت شخصية عبد الكريم الخطابي نفسها مرة أخرى كقائد يعمل على توحيد المعركة ضد الاستعمار، وكزعيم بارز لا يمكن تجاهله أو تجاوزه في المعادلة السياسية للمغرب الكبير.

(يتبع)

* الحلقة الثالثة من كتاب: عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف. مصادر هذه الحلقة (تفاصيل المصادر والمراجع في النسخة الأصلية الورقية):

– ريزيت، الأحزاب السياسية في المغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ط.1، نونبر 1992.

-Benjelloun, Abdelmajid (1988). Approches du colonialisme espagnole et du mouvement nationaliste marocain dans l’ex-Maroc Khalifien. Rabat : Eds. Okad.

-روم لاندو، تاريخ المغرب في القرن العشرين، ترجمة د. نقولا زيادة، مراجعة د. أنيس فريحة، بيروت، 1963.

-كينيث براون، ’المقاومة والحركة الوطنية‘، في، الخطابي وجمهورية الريف.

-محمد زنيبر، ’دور عبد الكريم في حركة التحرر الوطني في المغرب‘، في، الخطابي وجمهورية الريف.

-عبد الله العروي، ’عبد الكريم والحركة القومية المغربية حتى سنة 1947، في، الخطابي وجمهورية الريف.

 

Comments

comments