أحمد البلعيشي: عبد المنعم الأزرق.. “ثكلمين” من زمن سنوات الرصاص

  • 0

لست بصدد وضع “بورتريهات” للأصدقاء والصديقات، الذين أخالهم وضعوا بصماتهم ضمن كوكبة “النضال الجذري” هنا بالريف الكبير إبان سنوات الرصاص، خاصة وأن الأسماء التي أعني لا تحب “النياشين”، ولا حتى من يشير – ولو عرضاً- إلى بعض من حسناتها على درب العطاء والنضال العصامي والشريف ..

لكن توثيق التجربة تطلب مني استدعاء بعض اللحظات والإشارات من حين لآخر، على غرار تقديم “التحية” الخاصة جداً، لشخص استثنائي جداً جداً..

عبد المنعم الأزرق، أحد الأسماء التي بصمت بقوة، وكان لها حضور فاعل في مشهد التجربة، وبالتحديد من داخل الحركة التلاميذية والجمعوية وعموم الحركة الثقافية والإبداعية والإعلامية (النادي السينمائي إلى غاية 1987) وجريدة “تيفراز” في أزهى أيامها قبل التوقف الاضطراري .. ناهيك عن مخزون إبداعي (شعري بالخصوص) والذي لا يزال في معظمه “سراً من أسرار عبد المنعم”، وثلة من أصدقائه المقربين، أيام “الجد والنشاط”…

الاعتقال السياسي بالنسبة لجيل بداية الثمانينات من القرن الماضي، كان فرض عين، وضريبة شبه منطقية، على كل من كان يغرد خارج “السرب المخزني”، وكان عبد المنعم ضمن كوكبتهم طبعاً … لذلك عمد المخزن  إلى “تشكيل” جماعات “متنافرة” من المناضلين ضمن المجموعات التي كان لها شرف الاعتقال بكل من الحسيمة، وبوكيدارن، وإمزورن، وعموم الريف الكبير .. وضدا  على حقائق الأشياء، وجوهر الأشخاص، توبعنا بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، من قبيل حرق الأعلام ! واستهلاك المخدرات! وباقي المعزوفة المعروفة. وكان عبد المنهم أحد المناضلين الذين أشار عليهم “مخبر” فضل عدم ذكر اسمه، وفق محضر شرطة الحسيمة!

عبد المنعم الأزرق تحول إلى “أسطورة زمانها”.. وأتذكر الآن جيداً ذلك التلميذ النبيه الذي يضرب به المثل في الأخلاق والاجتهاد، والذي تبلورت ذائقته الشعرية مبكراً، وبالتوازي مع امتلاكه ناصية المعرفة التي وسمت المرحلة (مهدي عامل، حسين مروة، عابد الجابري، وكل جهابذة الفكر اليساري) يلقى به في حضرة كارنفالات التعذيب بالحسيمة وبالناضور، وعلى أيدي زبانية “صرغو”، وعلى مرأى من عشرات التلميذات والتلاميذ، والحركات الاجتماعية …

وحقا، ووفق شهادات رفاقه الذين قاسموه المكابدة نفسها إبان اعتقالات (عطلة الربيع) سنة 1987، وفي مقدمتهم رفيق التجربة عيسى بويزيضن، فإن الأزرق كان أيضاً وبقوة، ضمن اعتقالات صيف ذات السنة، ومن ثم المعايشة المتواصلة لأحداث ووقائع جهنمية، بكل الأماكن التي تقاسمنا فيها حلاوة النضال  ومرارة “الديمقراطية المغربية”! خاصة داخل سجن تازة الرهيب.

خلال العطلة الربيعية تلك.. وإثر مارطون الإضرابات التلاميذية بالمنطقة، تم اعتقال نشطاء الحركة التلاميذية وكذا الثقافية والنقابية بالحسيمة.. وفي مقدمة هؤلاء: عبد المنعم الأزرق وعيسى بويزيضن وجمال المحدالي وأحمد البلعيشي، فيما تمكن جمال أكوح من مغادرة التراب الوطني (في زيارة سياحية عادية)، وتمكن أيضاً التلميذ إلياس العمري من الإفلات من الاعتقال بعد ما تم حشره في ذات المجموعة وفق محضر المخبر الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته!

أجل كانت العملية واضحة الأهداف والمرامي، إنها إشارة مخزنية إلى إنجاز حلقة رهيبة ضمن مسلسل اجتثاث تجرية “المناضلين الجذريين”، والتي شرع المخزن عمليا في تنزيل بنودها انطلاقا من اعتقالات مارس 1987، بل ابتداءً من اعتقالات سنة 1984، والتي طالت بعضا من أطرنا داخل الحقل النقابي والثقافي …

منتدى الإنصاف من أرشيف الأستاذ أحمد البلعيشي

تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف
من أرشيف الأستاذ أحمد البلعيشي

مربط الفرس في هذا “التذكار” هو تقديم نص الرسالة التي بعث بها عبد المنعم الأزرق بتاريخ 26/12/1993، والتي تكشف عمق العلاقة “الرفاقية”، بل إنها تكشف الحمولة الثقافية والإبداعية لصاحبها، وقد قدّرت أهمية تعميمها على “العالمين” لكل غاية مفيدة، كما أرفق رسالة عبد المنهم، بكلمات كنت شخصيا قد أودعتها “سري الخفيض” حينما اعتقل عبد المنعم .. لأول مرة، وحين كانت شبيبة المرحلة تتداول اسم الأزرق كأيقونة تلاميذية وسط الإعصار المخزني، إذاك خاطبت الولد النبيه “إنها الجلجلة”.

وسيبقى البحر أزرق، وستبقى أنت تحدق في سعة البحر، حتى تغدو كل الكلمات أشواك صبار، تعلو، وتعلو، وتعلو …

وكنت حلوا حين أتوك سكارى. وكنت مُرّا حين أتوك سكارى .. ولما عانق الكرباجُ جِلدك، وهاج الجلاد “صرغو”، حين أعلنت رفضك. وأذن مؤذن الكادحين، أن موتك يرفض موتك:

اتسعت حدقات العذارى، وغنينا جماعات وفرادى، مثلما غنيتَ، فرددنا معك:

لبيك يا بحر. لبيك يا بحر. لبيك يا بحر.

وما أنت إلا واحد، في هذا الزمن الجاحد .. هكذا تلتقط الحقيقة (عين الحقيقة)، حين يصطدم الكرباج بطفل صامد..

إذاك، يمتشق الكل حسامه، ليحفر بالدم – اللا يكتب – قبره، سيان.

فأمك لا زالت ترسم لليل زواله.

وأختك لا زالت تمد للبحر بقاءه.. أصمت. قالها السجان، مرة، مرتين، ثلاثة …

ولأنك حين تكلمت، تكلم خاطر، ذهلوا، وخالوا:

أن ليس لليل آخره! فانكشف الآي، حين انكسر الناي، مُدوٍ بصرخته الأخيرة:

أيها الباقون، سلام عليكم، سلام، سلام، سلام …

إنها الجلجلة..” 

“ردوا التحية بأحسن منها”… درس استوعبه عبد المنعم الأزرق، لذلك كان للعهد وفياً، فاهتبل مناسبة اعتقالي للمرة الثانية ومن دون بقية “الشلة”، التي شاركتني عذابات سنة 1987…

بعث الصديق عبد المنعم برسالة رقيقة مع تحيات مسوسنة، وقد تضمنت “ثكلمين” التالية: (انظر نص الرسالة بخط يد صاحبها).

Lettre_azraki_p1

رسالة عبد المنعم الأزرق للأستاذ أحمد البلعيشي حينما كان في سجن عكاشة

تحية مسوسنة، وبعد !

آية زهرة جورية تستطيع الآن كتابة الرسالة بدلا مني؟!

أي نداء قد يكوكب سري الخفيض، كي ينقل إلى راحة يدك ما تبثه لي الذاكرة الموشومة بالصدأ والقيح والأرق؟ !

وحدها أحمال الرئة التي تعتقت بسجائر حلمنا العاصي، والواهب الباقي!

قل لي: هل يستطيع صمتي العاهر أن يهب لك فرصة جديدة للإنصات.

فلتشهدي معي أيتها الكلمات المضاءة بهذه الليلة التي تفصلنا: كل قبائل الكتابة تشهر أحقادها ضدي! أحاول … لكن وجهك الصلب يهرب من لغتي التي تعتبرها “رطبة” و”وادعة” … و …

هل أقول لك: نسيتُ؟! .. بدلا مني / يجيبك جلدي!

هل أقول لك: عميتُ ؟! .. بدلا مني / تجيبك عصابة مثقوبة على وجهي!

هل أقول لك: أبيتُ ؟! .. بدلا مني / يجيبك جيبي!

الكتابة من أجلك خير من الكتابة لك!

هذا ما كنت أقوله في البدء .. فخربشت على الأوراق بعض الكلمات التي نسميها تجاوزاً ب”الخواطر” و”القصائد”.. ولكنني لم أقتنع بها أبداً! كانت تبدو لي أصغر منك، وأصغر من هذه المسافة التي تفصلنا/ توحدنا…

مضت الأيام في إثر الأيام… وها أنا أكتب الليلة لك! ومن أجلك! ومن أجلي …

طبعا ليست يدي هي التي تكتب… بل يديك أنت. إنها يدك وأنا لا أكذب. أراها الآن تمسك يدي وتجرجرها على البياض… وشيئا فشيئا يكبر الحنين، وندخل معا في الحضرة المشتهاة. نتوالد هنا… وهناك… ولا فرق بين الموضعين …

حين وصلت إلى البيضاء: في الماضي قالوا: إنه ليس هنا!

وحين عدت إلى الحسيمة بعد ذلك، قالوا لي: إنه في البيضاء !

يا لسذاجتي! أنت لم تعد تسكن في المكان الواحد… أنت الساكن في القلب، والقلب أوسع من موسوعات الجغرافيا…

اغفر لي هذه اللغة! إنها كل ما يملك  دمي في هذه اللحظة… وأنا متأكد أنها لن تستطيع أن تنقل إليك كل ما يدور بالداخل من شموس ساحرة!

أصاب بالحُبسة/ بالصمم/ فلا أجد من سبيل غير هاته الكلمات التي تكتبني الآن!

نعم! إن هذه الرسالة تكتبني قبل أن أكتبها… ولذلك فهي لا تخبرك عني بل تخبرك عنها. أنا متأكد أنك تفهم جيداً هذه الحالة، خاصة وأنك قريب جداً من كلماتي، ولا أخفي أننا تبادلنا القواميس كثيراً في الماضي: النجمة/ السوسنة/ القملة/ الإسهال اللغوي… الخ… الآن تبدأ الذاكرة في الاشتغال… تحضرني منك عينا العاشق الصامت، ويجيؤني صوتك الساخن / صوتك البسيط / صوتك العميق الذي يحمل سرّ الضيافة بين الجدران …

صوتك/ طوق نجاة نسي عابرو المضيق أن يحملوه معهم في ليالي الهجرة الرعناء.

لماذا لم يحملوه؟

لماذا لم يدقوا جدران الجليلة؟

صمتي / صمتك… لحظتان تنفلتان منا حتى في الحضور.

صوتك / صوتي: هذا ما أعدك به قريباً بعد أن ينبض جيبي!

أما القلب فنابض منذ الأبد

وأنت يا أحمد … أنت العبد والمعبود والمعبد!

26/12/1993

وبدون تعليق أهدي تحية “مسوسنة” إلى كل الأصدقاء والصديقات، الذين بصموا على التجربة “وما بدلوا تبديلا”! مكتفيا باستعارة آخر كلمات عبد المنعم والبوح بها عبر هذا “التذكار”، لكل غاية مفيدة:

تعمدت عدم مراجعة ما كتبته لكي يصل إليك من القلب إلى القلب!

وتعمدت أيضاً أن أكتب في آخر لحظة حتى لا يجف حبر الكتابة!

والبقية تأتي …”

من أرشيف الأستاذ أحمد البلعيشي

من أرشيف الأستاذ أحمد البلعيشي

Comments

comments