المغرب بعد حرب الريف.. إطلالة على الأوضاع السياسية (1926-1947)

  • 0

|يسر إدارة موقع أنوال.نت إعادة نشر كتاب: “الأمير محمد عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف” في حلقات أسبوعية، بعدما نفدت نسخ الطبعات السابقة من المكتبات، وحتى يكون كذلك متاحا أمام أكبر عدد ممكن من القراء والمهتمين والطلبة. وقد آثرنا الاحتفاض بالنص الأصلي رغم ما يحويه من هوامش طويلة أحيانا، اقتضتها ظروف البحث والتوثيق إبان إنجازه أولا كأطروحة جامعية ثم ككتاب منشور. وبما أن الفصول طويلة نوعا ما، فإننا سنعمل على تقسيمها حتى تتواءم مع طرق النشر على المواقع الالكترونية. وإذ يعيد أنوال.نت نشر هذا الكتاب في حلقات، فإنه يسمح للمواقع الزميلة بإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وعدم التصرف في النص الأصلي ولا في العناوين، لأنها ليست مقالات صحفية بل هي فصول من كتاب منشور|.

محمد أمزيان*

(حلقات من الفصل الأول)

حول نشأة الحركة الوطنية

أعقب انتهاء المقاومة المسلحة في الريف بدء العمل السياسي في الحواضر المغربية الكبرى. فظهر نشاط جماعات من الطلاب في سلا والرباط وفاس وتطوان، تدعو إلى الأفكار السلفية على أنها المحرك الأساسي للنضال السياسي. ثم انتظمت في حلقات صغيرة عُدت من أولى أشكال التنظيمات السياسية في المغرب.

وإذا كان معظم المهتمين بأخبار الحركة الوطنية المغربية قد اعتاد على ربط ميلادها بانتهاء حرب الريف التحريرية ربطا يكاد يكون ميكانيكيا، فإن هناك من رفض هذا التحديد على اعتبار أنه يوحي بانفصال زمني بين ’الحركتين‘. من بين الرافضين عبد الكريم غلاب الذي يكمل نوعا ما رأي الأستاذ علال الفاسي، ثم محمد ابن عزوز حكيم. هذا الأخير يذهب بعيدا في رأيه، حينما يؤكد أن المقاومة المسلحة كانت “ما زالت تقوم بدورها حينما فكر الحاج عبد السلام بنونة في تنظيم حركة سياسية تعمل في الخفاء لتحل محل المقاومة المسلحة”. غير أنه لا يحدد تاريخ هذه الفكرة بالضبط ولا يوضح ملابساتها، بل يكتفي بتسجيل ’برنامج عمل‘ الحاج بنونة المكون من خمس نقاط أهمها: “المشاركة في الحكومة الخليفية” و”العمل في الحقل التربوي والتعليمي”.

“إن خلق عمل سياسي ليحل محل العمل العسكري بدل أن يؤازره أو يكمله، كان بلا ريب يخدم ـ عن قصد أو غير قصد ـ سياسة إسبانيا الاستعمارية.”

يستدعي مثل هذا الرأي التوقف قليلا عند بعض دلالاته، والنظر في طبيعة المكون السياسي المستحوذ على تفكير الأرستقراطية التطوانية المُسيسة. فمن الرائج آنذاك عن هذه الأرستقراطية، انزعاجها الكبير من انتصارات الريفيين في الجبهة الغربية، وقلقها من اندحارات الإسبان المتكررة وتقهقرهم إلى داخل أسوار تطوان. ومما لا شك فيه أن مصدر الانزعاج والقلق راجع بالدرجة الأساس إلى كون المقاتلين الأرياف يعدون ـ في نظر الأرستقراطية الحضرية عموما ـ بدوا أجلافا. فلم تكن بحال من الأحوال على استعداد لتقاسمهم سلطتها ونفوذها، مع احتمال كبير بفقدهما معا إذا تمكن المقاتلون من السيطرة تماما على زمام الأمور. ولقد أحس عبد الكريم الخطابي فعلا بنفور الأعيان الحضريين من ثورته ولمس بعدهم عن مشروعه السياسي. واستنتج بالتالي أنه من الصعوبة بمكان تحقيق أي شكل من أشكال التعاون معهم. بل على النقيض من ذلك سيخلقون له متاعب سياسية وتنظيمية هو في غنى عنها. ولعل الإحساس المتبادل بعدم الثقة، كان من بين الأسباب التي جعلت عبد الكريم لا يضع إخضاع تطوان وفاس ضمن قائمة أولوياته.

وبهذا المعنى بات اقتراب الريفيين من تطوان ’خطرا مشتركا‘ يستحسن إيقافه عند حدود الجبال الحاضنة لرجال الثورة. وقد لاحظ ريزيت فعلا وجود عمل سياسي في تطوان يزامن العمل العسكري منذ سنة 1923، لكن دون أن “يجمعهما قاسم مشترك. فلم يكن هناك أدنى تقارب بين الأعيان الأندلسيين في تطوان والقبائل الريفية، سواء على مستوى وجهات النظر أو على مستوى الأهداف”.

وتجدر الإشارة إلى أن الحاج بنونة اشتهر باعتداله السياسي الكبير، وبتقديره المبالغ فيه لإسبانيا التي كان يعتبرها ’بلده الثاني‘، الأمر الذي أكسبه ثقة الإسبان فيه. وكان من شأن الهزيمة الماحقة التي ألحقتها المقاومة المسلحة بالجيش الإسباني، وانعكاساتها السلبية على الحياة السياسية والاجتماعية داخل إسبانيا نفسها، أن تضع الاستعماريين أمام واقع لم يكن يخطر لهم على البال، وتُعمق في الوقت ذاته الإحساس بعدم الأمان في وجدان الأعيان التطوانيين وخيبة أملهم، وبخاصة أولئك الذين وثقوا في وعود الدولة الحامية.

ولأن الانسحاب كان يستحيل نظرا لتعهدات إسبانيا الدولية، ولأن ثمن مواصلة سياسة الغزو لإخضاع المجاهدين كان في صعود مخيف، فإن خلق عمل سياسي ليحل محل العمل العسكري بدل أن يؤازره أو يكمله، كان بلا ريب يخدم ـ عن قصد أو غير قصد ـ سياسة إسبانيا الاستعمارية؛ بحيث يسمح لها بامتصاص الغضب الشعبي في إسبانيا، ويضمن لها تأييد أعيان المدينة القلقين، وأخيرا يفتح لها المجال لالتقاط الأنفاس.

—————-

*حلقات من كتاب: عبد الكريم الخطابي آراء ومواقف

** بعض مراجع هذه الحلقة (تفاصيل المصادر والمراجع والاقتباسات في النسخة الورقية):

- محمد ضريف، الأحزاب السياسية المغربية، الدار البيضاء.

- عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء، مطبعة الرسالة، الرباط، ج.1، ط.2، 1987.

- محمد ابن عزوز حكيم، وثائق الحركة الوطنية في شمال المغرب، ج.1، مطابع الشويخ، تطوان، 1980.

- روبيرت ريزيت، الأحزاب السياسية في المغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ط.1، نونبر 1992.

Benjelloun, Abdelmajid (1988). Approches du colonialisme espagnole et du mouvement nationaliste marocain dans l’ex-Maroc Khalifien. Rabat : Eds. Okad

Comments

comments