حول التجربة الريفية /2

  • 0

|يسر إدارة موقع أنوال.نت إعادة نشر كتاب: “الأمير محمد عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف” في حلقات أسبوعية، بعدما نفدت نسخ الطبعات السابقة من المكتبات، وحتى يكون كذلك متاحا أمام أكبر عدد ممكن من القراء والمهتمين والطلبة. وقد آثرنا الاحتفاض بالنص الأصلي رغم ما يحويه من هوامش طويلة أحيانا، اقتضتها ظروف البحث والتوثيق إبان إنجازه أولا كأطروحة جامعية ثم ككتاب منشور. وبما أن الفصول طويلة نوعا ما، فإننا سنعمل على تقسيمها حتى تتواءم مع طرق النشر على المواقع الالكترونية. وإذ يعيد أنوال.نت نشر هذا الكتاب في حلقات، فإنه يسمح للمواقع الزميلة بإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وعدم التصرف في النص الأصلي ولا في العناوين، لأنها ليست مقالات صحفية بل هي فصول من كتاب منشور|.

محمد أمزيان: حول التجربة الريفية

(2)

وكمحاولة ضبابية للتقليل من أهمية التجربة الريفية، يعتقد آخرون أن الثورة لم تكن حالة وطنية بالمعنى الحديث، لأنها بدأت وانتهت كحركة قبلية، وأنها مثال ساطع على الانشقاق الأزلي للمجتمع الريفي، ودليل على عدم خضوع “البربر” للسلطة المركزية. وقد بُني هذا الحكم على أساس المجال الجغرافي الذي جرت فيه الأحداث، ولم يلتفت صاحبه إلى الفكر السياسي والبعد الاستراتيجي لدى قائدها. كما أنه سقط في النمطية حينما فسر طبيعة حرب الريف التحريرية بنظرية عدم خضوع الأمازيغ للسلطة المركزية. وردا على هذا الزعم نورد ما ذكره الأستاذ جاك بيرك حين أوضح أن عبد الكريم الخطابي “لم يكن مرابطا محليا يقود الجهاد ضد الكافر ويعد بالجنة، ولكنه قائد سياسي وسع طموحاته إلى الفكرة الوطنية بل وحتى اللعبة الدولية”.

“إن الريفيين كانوا يعيشون زمنهم وحاضرهم بكل ما يحملانه من تناقض وعنف وديناميكية”

وفي نفس السياق، سياق الأحكام المسبقة تشير الموسوعة العامة، أن عبد الكريم الخطابي رمز استنكار المسلمين لانتصار المادية الغربية، وأنه الرمز الأعلى للمقاوم التقليدي، وأن جمهوريته ’بربرية‘ الطابع ومحلية المضمون.

فبداهة لا يمكن التسليم بأن عبد الكريم الخطابي كان رمز استنكار المسلمين لانتصار المادية الغربية. والمادية يقصد بها هنا: الحضارة. فإذا وُجد من المسلمين من استنكرها واعتبرها من عمل الشيطان، فهو لم يكن رمزا له، وفي ذات الوقت لم يكن منبهرا بها ولا منقادا أمام قوتها وجاذبيتها. فقد وفر له احتكاكه الطويل نسبيا بالإسبان والأوروبيين عموما في مليلية، فرصة بلورة موقف واضح من الحضارة الغربية ومن الغرب إجمالا. عبد الكريم كان يميز بين نوعين من الحضارة الغربية: حضارة قائمة على التوسع العسكري هدفها إخضاع الشعوب المغلوبة على أمرها. وحضارة إنسانية ليست حكرا على أحد. ويقول الأمير في معرض حديثه عن سنوات إقامته في مليلية: “لم ألتفت يوما إلى الحضارة الغربية على أنها غاية السعادة أو الاستقرار (…) كنت كلما زاد احتكاكي بالإسبان والأوروبيين، زاد إيماني بأنهم يعيشون في حلم الاستعمار والاستغلال للغير واستعباده، فأزداد بعدا عن حضارتهم وكل ما يسمونه بالتقدم والرقي، مادام هذا التقدم والرقي يسخرونه لمصلحتهم دون بقية الإنسان”.

ويبدو أن تركيز عبد الكريم الخطابي هنا على الجانب السلبي من الحضارة الغربية، راجع إلى الجو الاستعماري الذي كان يجتاح المغرب بصفة عامة آنذاك. أما الجانب الإيجابي منها فقد حاول ترجمته عمليا حينما وضع أسس جمهورية عصرية، تسيرها طاقات شابة متطلعة نحو المستقبل ومصممة على مواكبة مسيرة التطور.

إن الريفيين كانوا يعيشون زمنهم وحاضرهم بكل ما يحملانه من تناقض وعنف وديناميكية. فإذا كانوا متخلفين قياسا مع المتربصين بهم في الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، فإنهم لم يشذوا عن القاعدة. ذلك أن العالم آنذاك، وما يزال، كان موزعا بين التقدم والتخلف. وليس عيبا أن ينتمي الإنسان إلى عالم متخلف، ولكن العيب كله في تبرير التخلف والاستسلام له، وفي ممالأة الأجنبي والركوع له. وهذا ما لم يفعله الريفيون.

ومما يلاحظ على تجربة عبد الكريم أنها زاوجت بين تحقيق الانتصار على جبهات القتال، وبين ضرورة بناء مشروع الدولة بجمعيتها التأسيسية وجيشها النظامي ومؤسساتها الاجتماعية. والسؤال الذي يطرحه المهتمون بتاريخ الريف هو: لماذا أعلن عبد الكريم الخطابي عن قيام الجمهورية في منطقة محدودة السكان والموارد؟ وهل كان يريدها محلية الطابع كما يردد البعض؟ هل كان فعلا يهدف إلى تجاوز سلطة السلاطين التقليدية؟ أم أن إعلان الجمهورية في الريف كان خطوة أولى في سبيل تحقيق مشروع أوسع؟

تعددت الأجوبة وانصب أغلبها على نزعة الاستقلال والانفصال التي يتميز بها الأمازيغ عموما، على الرغم من نفي عبد الكريم لهذه المزاعم. ويمكن محاولة تفسير خطوة الريفيين بعاملين:

فعلى المدى القريب جاء إعلان الجمهورية في جزء من الريف خطوة لابد منها اقتضتها ظروف حرب التحرير للاعتبارات التالية:

  • جعل حركة التحرير تتخذ صورة خاصة، وهي مقاومة الريف للاحتلال الإسباني. وبذلك لا تتدخل فرنسا ما دامت الحرب ليست موجهة ضدها.
  • لكي تتمكن المقاومة من تحديد العدو والميدان.
  • لتتاح الفرصة لجزء من الشعب في البلاد المحررة لإدارة شؤونه بنفسه.
  • لتتمكن المقاومة من إيجاد موطئ قدم في أرض ثابتة لمواجهة الغزاة في كل مكان.

أما الهدف البعيد، فهو محاولة تحقيق بديل سياسي يقدم الجواب عن إشكالية الدولة المغربية التي عرف تاريخها الحديث صراعات مزمنة بين المناطق الثائرة والسلطة المركزية. ويظهر أن مشروع عبد الكريم الخطابي السياسي كان يستنبط دعامته المركزية من روح الدولة الإسلامية في عهود الازدهار، ويؤسس لمقومات الدولة الحديثة بالمفهوم العصري. أما قضية الحكم في حد ذاتها وطموح عبد الكريم الشخصي فيه، فلم تكن مطروحة؛ لأن الهدف الأساسي كان يتمثل في إنهاء الاحتلال. وهذا ما جعله يرفض البيعة التي دعاه لقبولها أعيان وفقهاء الريف، مكتفيا بلقب أمير باعتباره أمير الجهاد دون أي مظهر من مظاهر الأبهة والعظمة.

“ومما يلاحظ على تجربة عبد الكريم أنها زاوجت بين تحقيق الانتصار على جبهات القتال، وبين ضرورة بناء مشروع الدولة بجمعيتها التأسيسية وجيشها النظامي ومؤسساتها الاجتماعية”

قامت جمهورية الريف وتكونت حكومتها من عناصر شابة متحمسة للتغيير، حرصت منذ البداية على إشاعة الأمن والنظام لإبطال حجج الاستعماريين وتبريراتهم للغزو. وتم إنشاء تنظيم جنيني لأجهزة الدولة، وتحددت المسؤوليات وفق مبادئ الدستور الذي لم يفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحيث خولهما للجمعية الوطنية. وجعل من الجمعية الوطنية جهاز مراقبة رئيس الدولة الذي هو في الوقت نفسه رئيسا للجمعية الوطنية، ويكون أعضاء الحكومة مسؤولين أمامه. وقد سعت الجمهورية الريفية إلى الانضمام إلى عصبة الأمم من أجل محاولة الحصول على الاعتراف الرسمي بوجودها، وتدويل النزاع في منطقة الريف. وكان الخطابي على بينة من صعوبة تحقيق هذا المسعى نظرا لسيطرة الدول الاستعمارية على أجهزة العصبة وخضوعها لتوجهات المنتصرين في الحرب العالمية الأولى.

وعلى مسار السياسة الخارجية، جمعت الجمهورية الريفية بين الضغط العسكري والعمل الديبلوماسي، مما ساعدها على التأثير الإيجابي على قسم مهم من الرأي العام الدولي، وبخاصة في الدول المعنية بحرب الريف مباشرة. فقد عبرت تنظيمات سياسية وعمالية مناهضة للإمبريالية عن تأييدها للقضية الريفية ومناصرتها لنضال الريفيين. غير أن مواقف هذه التنظيمات لم تكن موحدة. فعلى سبيل المثال اختلفت مواقف الأحزاب الاشتراكية عن مواقف الأحزاب الشيوعية والتنظيمات العمالية (النقابات).

يشكك البعض في وجود كيان اسمه جمهورية الريف، والبعض الآخر يتحاشى ذكرها باعتبارها سابقة لم تعهدها المجتمعات العربية والإسلامية إلا في زمن لاحق وبأشكال مغايرة تماما. ومن وجهة البحث التاريخي، نجد أن عبد الكريم الخطابي وضع فعلا لبنة لتأسيس جمهورية حديثة تستجيب لمتطلبات العصر. ونعتقد أن الدول الاستعمارية كانت قبل غيرها واعية ومدركة لطموحات عبد الكريم ولمشروعه السياسي. لذلك لم تترك له أدنى فرصة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ والبناء على واقع الأرض المحررة. ورغم المحاولات المتكررة، لم تفلح الحكومة الريفية في انتزاع أي اعتراف دولي رسمي بها.

كان هناك عطف وتعاطف وتفهم لإصرار الريفيين على التمسك بحريتهم، ولكن الدول الاستعمارية لم تكن لتسمح بوجود دولة مستقلة ذات سيادة. وعبد الكريم الخطابي من جهته كان يدرك أن الدول الاستعمارية مهما اختلفت مصالحها وتباينت مشاربها، فإنها تعارض بشدة فكرة حق الشعوب في تقرير مصيرها، ذلك أن الاستعمار ملة واحدة.

(يتبع)

بعض مصادر هذه المادة:

مذكرات الأمير عبد الكريم الخطابي، ج.2، مأساة وطني، (غير منشورة)

Damis, John. (1970).‘Developments in Morocco under the French Protectorate 1925-1943’, in, Middle East Journal, Vol. 24, N. 1. (74-86), p. 75.

Encyclopedia Universalis. (1980). Volume I, France S.A.Lettre A, Abd El- Krim (1882-1963). p.13

محمد سلام أمزيان، عبد الكريم وحرب الريف، مطبعة المدني، القاهرة، ط1، 1972، ص. 132.

 عبد الرحمن اليوسفي، ’مؤسسات جمهورية الريف‘، في، الخطابي وجمهورية الريف، المرجع السابق، صص. 63-65.

Pennell, C.R. (1986). A country with a government and a flag: the Rif war in Morocco 1921-1926. USA. MENAS. pp. 246-251.

Tahtah, Mohamed. (1995). Entre pragmatisme, réformisme et modernisme : le rôle politico-religieux des Khattabi dans le Rif jusqu’à 1926. Leyde : Thèse de doctorat (PhD). pp. 203-208.

Gabrielli, Léon. (1953). Abd-el-Krim et les événements du Riff (1924-1926). Casablanca : Eds. Atlantides. p. 42.

Oved, Georges. (1984). La gauche française et le nationalisme marocain 1905-1955, T. 1. Paris : L’Harmattan. pp. 200-315 ; Cremadeills, Jaques (1975). Le Parti Communiste Français et le Maroc : 1920-1938, 1e. partie. Université de Toulouse le –Mirail : Thèse pour le doctorat du 3e. cycle ;

ماريا روزا دي مادارياغا، ’الحزب الاشتراكي الإسباني والحزب الشيوعي الإسباني في مواجهة حرب الريف‘، في، الخطابي وجمهورية الريف، المرجع السابق، صص. 245-293؛ محمد أمزيان، ’موقف الحزب الاشتراكي الإسباني من حرب الريف (1921-1926)‘، مجلة أمل، ع.8، ط2، 1999، صص. 59-72.

 

 

 

Comments

comments