نجاة بقاش: مملكة الجنون.. فقيه حينا (11)

  • 0

مر شهر كامل على إقامتي الإجبارية المصنفة ضمن فئة خمسة نجوم… ثلاثون يوما مرت كومض البرق… لن تحتسب من عمري… لم أنعم فيها بطعم الأكل والشراب ولا النوم… رغم الأفرشة الناعمة… نعومة ريش النعام… والأكل الوافر… وموائد طعام ممتدة تسع لمئات الجياع…

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

 

بينما كنت تائهة في دهاليز وكواليس القصر صادفتني أحلام جدتي… مهملة في الأجنحة الفرعية… عثرت على لعب حلمت بتملكها… بتكسيرها يوم كنت في حاجة ماسة إليها… أشياء تفصل المسافات والرغبة بيننا… تفاصيل حكى عنها فقيه حينا باستفاضة… كلما أحس بضرورة الدفاع عن الرسالة… وتقديم أجوبة عن أسئلة مشاكسة… غير مرغوب فيها… تداهمه بين الفينة والأخرى… كان يجد لذة في أن يشكي أسئلتي المشروعة  لوالدي… الذي لم يكن يملك بدوره أجوبة مقنعة تشفي غليل أسئلتي البسيطة… هذا كان يسبب له إحراجا كبيرا… ويسبب لي متاعب وصعوبات تقف حاجزا أمام نيلي لإعجاب أبي… ورضا أمي… واحترام إخوتي…

أسباب كثيرة جعلتني أكره الذهاب إلى الكتاب الوحيد في مدينتي الصغيرة… المتواجد على بعد بضعة أمتار من بيت جدي… عكس باقي الأطفال… وعكس أسرتي التي كانت تكن للفقيه وللكتاب احتراما عظيما…

كان بديهيا أن يذهب أطفال الحي إلى الكتاب التقليدي… لحفظ القرآن وتعلم مبادئ الصلاة والوضوء… قبل الانخراط الرسمي في المدرسة العمومية… لم يكن يستهويني الكتاب في شكله قبل مضمونه… لأسباب ذاتية مرتبطة بشقاء طفلة متمردة… كثيرة الحركة والسؤال… تبحث عن فضاء يحتويها… محبة للحياة والمغامرة… للقناة الأولى الإسبانية… وبشخصيات الرسوم المتحركة… شخصيات مسلسل البيت الصغير… الذي نال إعجابي وأنا طفلة صغيرة… تفاعلت معه… تقمصت أدوار شخوصه… توقعت أحداثه ببراعة وبراءة أطفال الضفة الجنوبية… ولأسباب موضوعية تتجلى في بساطة ورتابة الكتاب… الذي كان يحبطني… ويأخذني بعيدا عن طموح وأحلام طفولة السبعينات… وتمثلي للعالم الخارجي وللحياة… إنه يفتقد، لأبسط شروط التعلم وحب الحياة… ولأبسط الشروط الصحية الضرورية كالإنارة والمرحاض… والكراسي والطاولات… فهو عبارة عن غرفة مغلقة مظلمة رمادية… لا أثر للرسومات والألوان المزركشة على جدرانها المتعرجة… عالم الكتاب نبض بالأسود والأبيض والرمادي… لا توجد به نوافذ ولا تهوية تذكر… رائحة الصلصال والتراب تخنق الأنفاس… توحي بالبؤس والقرف… حشرات صغيرة شدت انتباهي… كنت أسألها عن سبب وجودها في الكتاب البئيس… رغم إمكانية وجودها خارجا بعيدة عن الضوضاء… وشقاوة الأطفال وعن أنظار الفقيه… ثمة أشياء كثيرة كانت تزعجني في الكتاب وأنا طفلة صغيرة… من بينها عسر فهم اللغة العربية… وكتابة الحروف على اللوح الخشبي بالصمغ… ومحو ما كتب مباشرة بعد الانتهاء… لم أكن أفهم جيدا لماذا يأمر الفقيه بمحو ما كتبناه… ؟

“موائد الطعام الفخمة في القصر… جعلتني أسافر في الزمان… أقرن المكان بالجنة… التي حكى عنها فقيه الحي…”

تعذيب التلامذة من طرف الشيخ… بتذكيرهم بألم الختان… بالفلقة وحلق الرؤوس بمعية المساعد… كان يستفزني، ويسبب لي ألما وكوابيس في الليل… كانت البنات في الكتاب أكثر حظا من الفتيان… شكرت الله على نعمة ضفائري الطويلة التي كان يعجز الفقيه على قصها… ضفائري التي كانت تنمو بعناية فائقة تحت رعاية وأنظار أمي التي كانت توصيني بها خيرا… لكونها تميزني عن باقي البنات… وبفضلها سأكون أجمل عروس في الحي…

أمام الأوقات العصيبة التي كنت أعيشها في الكتاب… كنت أضع حب والدي لي في الميزان…  فقسوة الفقيه لم تكن تخيفني… بقدر ما كانت تزيدني عنادا  وتمردا ضد الشيخ… أحمل غضبي إلى البيت فأكسر لعب إخوتي… وأتبول ليلا في الفراش عقابا لأمي التي كانت تجبرني على الذهاب للكتاب رغما عن أنفي…

الختان والفلقة وحلاقة الرؤوس إذن للذكور… أما الغرفة المظلمة فهي لي… العذاب والإحباط واحد… رغم تعدد الوسائل والحيل… تلك محنة أخرى تضاف لأطفال الحي… عليهم تجاوزها كل يوم… ضريبة الأطفال لرغبتهم في تعلم الحياة…

إن رفضي المطلق للتعلم تحت طائلة التهديد… والانصياع الأعمى للأوامر… دفع الفقيه إلى تعذيبي… وحبسي في الغرفة المجاورة… الأكثر ظلمة وحلكة من الليل… امتناعي عن كتابة الحروف على اللوح الخشبي… ومحوها بعد الانتهاء… ربطه الشيخ بالمعصية والعصيان… بذهابي للنار بعد الموت… عقابا لمخالفتي للأوامر… الغريب في الأمر… أنني فهمت معنى عذاب النار بدون أي كلل… فالأمر لم يتطلب من الفقيه أي جهد أو شرح مستفيض… بفضل العصا الطويلة المطاطية… التي كان يستعملها كأداة للضبط وتعزيز السلوك وضمان الهدوء داخل الفصل… لم تكن تفارق يده طوال الوقت… حتى وهو غارق في سهاده عميق… عصا متعددة الاستعمالات… يتواصل بها مع الأطفال كلما دعت الضرورة… للزجر وللمدح أيضا… يستعملها تارة لفتح الباب أو جر بلغته… أو طرد القطط التائهة… أو تهديد كل من سولت له نفسه من الغرباء أن يدخل الفصل بدون استئذان… إلا أنني وجدت صعوبة كبيرة في استيعاب معنى “جنة الخلد”… التي كان الشيخ يقرنها دائما بالطعام الكثير واللذيذ… بالموائد الفخمة المشكلة بالأطعمة والفواكه… والتين والتمر والعسل… لإغراء وتشويق التلامذة… وزرع الحماس… لكي يضمن هدوء الفصل وبلوغ الغايات… فرغم الشرح والتفسير المطول… والمجهود الذي يبذله الشيخ في سبيل تقريب المعنى للتلامذة ومني… كان يغيب معناها عني… كنت أسأله كلما أتيحت لي فرصة طرح السؤال… حول ماهية الجنة؟… وهل يوجد في الجنة، حلوى والشوكولاتة ودمى وتلفاز وبرامج بدون انقطاع البث؟

ردة فعل الفقيه كانت قاسية للغاية… متعسفة لم أفهم سببها… اختلطت علي الأمور… هل أكل الشوكولاتة والحلوى ومشاهدة التلفاز هو سبب العقاب؟ أم السبب يعود للربط والاقتران؟… لماذا يسمح الفقيه بحلاوة التمر والعسل… ويرفض حلاوة الشوكولاتة والعلك؟

حتى لا يتكرر الإثم والخطأ… ويعطي للتلامذة المثل… كان يرغمني الشيخ على الوقوف مطولا على رجل واحدة دون أن أفقد التوازن… بالعصا الطويلة كان ينهال علي بالضرب المبرح… كلما حاولت تغيير الوضعية… رغم ذلك لم أستوعب حينها سبب ربط الفقيه الجنة بالطعام اللذيذ… كما لم يكف حبي الشديد للشوكولاتة ومشاهدة الرسوم المتحركة… رغم عقابه الشديد لي…

موائد الطعام الفخمة في القصر… جعلتني أسافر في الزمان… أقرن المكان بالجنة… التي حكى عنها فقيه الحي… أستحضر من خلالها لقطات من طفولتي… والكتاتيب المهترئة… والظروف الصعبة والحقوق المغتصبة… أطلب الرحمة والمغفرة للفقيه… الهداية للسيد… فموائد جنة الفردوس التي كان يحكي عنها الشيخ… ويحلم بها تلامذة الحي… وجدتها هنا قريبة مني في القصر…

(يتبع).

 

Comments

comments