سعيد العمراني: التعاون الأمني المغربي البلجيكي وحقوق الإنسان

  • 0

أثار إرشاد المخابرات المغربية نظيرتها الفرنسية حول مكان تواجد الإرهابي د عبد الحميد أبعوض ومن معه (حسب مصادر صحفية)، وكذا الاتصال الهاتفي بين العاهلين البلجيكي والمغربي حول نفس الموضوع، كثيرا من الكلام .

كما أن فشل الشرطتين البلجيكية والفرنسية ومعهما الأوروبية في تفادي انفجارات باريس، بالرغم من أنهما معا كانا يعرفان جيدا بعض الانتحاريين ك”عبد الحميد أبعوض” و”بلال حذفي”، يثير العديد من التساؤلات حول كفاءة وقدرة الأجهزة الأمنية الأوروبية لمواجهة هذا النوع من الإرهاب الأعمى الذي يعتمد على فرق صغيرة جدا ومنظمة تنظيما غير تقليدي وتتميز بضربات موجعة لا تفرق فيه بين المواطن العادي البريء (من نساء وأطفال وكهول وشيوخ) وبين الشرطة وقوات الجيش.

سعيد العمراني ناشط حقوقي مغربي

سعيد العمراني
ناشط حقوقي مغربي

الصحافة البلجيكية رحبت بهذا التعاون الأمني وهللت به، بل ذهب بعض الصحفيين إلى اعتبار المخابرات المغربية ك”وحي” قد يحل كل معضلات الإرهاب في بلجيكا. وفي هذا الصدد وصفت صحيفة “آخر ساعة ” المخابرات المغربية بأنها “أقوى أجهزة الاستخبارات بالعالم، فخلال أربعين سنة، تم إحباط المئات من العمليات الإرهابية، وتفكيك العديد من الخلايا، بفضل يقظة العنصر البشري”، وتضيف أن “الرقم الحقيقي للعاملين في الأجهزة المخابراتية المغربية غير معروف، لكن يقدرون بالآلاف”.

كما اعتبرت بأن جهاز المخابرات المغربية يتمتع بشبكة واسعة من المخبرين والعملاء، وأشارت إلى “أن حوالي 70 في المائة من المعلومات المحصل عليها من طرف الاستخبارات المغربية تأتي عن طريق العنصر البشري”، مستندة إلى تصريحات وصفتها ب “مصدر مسئول من داخل الجهاز.

وبما أن عدد البلجيكيين من أصل مغربي (المجنسين والغير مجنسين) يفوق عددهم 500 ألف بلجيكي حسب تصريحات رسمية، يجعل هذا البلد الأوروبي الذي لا يتعدى عدد سكانه 11 مليون نسمة، عنصر جذب للاستخبارات المغربية. لذلك تعتقد بعض الأوساط الرسمية أن المخابرات المغربية قادرة على مساعدة السلطات البلجيكية لاعتقال العدو رقم واحد للسلطات البلجيكية والفرنسية “المولانبيكي” صلاح عبد السلام ذو الأصول المغربية.

قد نتفق على أن كل الأجهزة الأمنية لها أساليبها المختلفة للحصول على المعلومة لتأكيد ونفي أي تهمة قد تكون موجهة ضد متهم ما، تسهل انتزاع الاعترافات منه من أجل ادانه أو تبرئته من التهم الموجهة إليه، وهي تستعمل كل الأساليب القانونية و”الغير قانونية” لانتزاع الاعترافات. وفي هذا الصدد فالفرق بين الأمن البلجيكي والمغربي شاسع جدا.

فإن قمنا بمقارنة مختصرة بين اشتغال الجهازين الأمنيين المغربي والبلجيكي فنجد الأمن المغربي يعتمد على مخبرين ومقدمين وشيوخ ومندسين، ويستعمل عمال النظافة وعمال الحراسة (العساسة) وبعض الباعة المتجولين وبعض عاملات وعمال العلب الليلية وبعض سائقي الطاكسيات الصغرى … الخ للحصول على المعلومة. بما يعني أن المغرب يعتمد على شبكات متعددة للمراقبة والحصول على المعلومة .

أما الشرطة البلجيكية فتشتعل تحث مراقبة القضاء. فتعتمد على تطبيق القانون والاثباتات والتكنولوجيا والكاميرات وحالات التلبس وتكنولوجيا التجسس المتطورة والمراقبة بالأقمار ألاصطناعية والمراقبة الإلكترونية… الخ.

“ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها الشرطة البلجيكية مع نظيرتها المغربية، فقد سبق للشرطة البلجيكية أن أجرت تكوينا في مدينة القنيطرة المغربية”

لا نجادل هنا في حق أي بلد من البلدان في حماية أراضيه ومواطنيه وحقه في مواجهة الجريمة المنظمة، بما فيها جرائم الإرهاب الذي يحرق الأخضر واليابس. لكن مهما كانت النجاحات التي تحققها السلطات الأمنية المغربية مثلا، فستظل صورتها سيئة ما دامت تعتمد على أساليب التعذيب والسب والشتم والقذف والإهانات والاحتجاز وطبخ الملفات. وهذا ما تشير إليه أكثر من منظمة حقوقية في الداخل والخارج وشهادات المعتقلين. وهذا النوع من الممارسات تسيء للأمن المغربي ويجعل انتزاع الاعترافات التي تحصل عليها المخابرات المغربية محل شك وتفتقد إلى المصداقية أحيانا وتجعل السلطات الأوروبية تشكك أحيانا في روايات السلطات المغربية. وما ملفي بلعيرج المدان مغربيا والمبرأ بلجيكيا لخير دليل على ذلك.

أما ما يعاب على السلطات البلجيكية، فهو استخفافها ببعض الملفات وعدم جديتها في فرض أساليب المراقبة والمتابعة في حق أشخاص خطيرين على الدولة والمجتمع حتى أضحت بلجيكا متهمة اليوم بقنطرة العبور لعديد من الإرهابيين شمالا وجنوبا، شرقا وغربا و”قاعدة خلفية للإرهابيين” على حد تعبير الصحافة الفرنسية.

ويتساءل البلجيكيون كيف تسمح شرطتهم بإطلاق سراح المتهمين بالإرهاب بعد مرور أقل من 24 ساعة فقط من اعتقالهم؟

وهل بإمكان من هو عازم على القتل وتفجير نفسه أن يعترف بمخططاته في أقل من 24 ساعة؟

ويتساءل آخرون أين كانت أعين المخابرات البلجيكية ومعها الأوروبية حتى تمكن “عبد الحميد أبعوض” العقل المدبر لاعتداءات باريس أن يقوم برحلتين إلى سوريا وأن يعبر كل الحدود لعدة مرات (ذهابا وايابا) دون أن ينتبه إليه أحد.

إن تقصير السلطات البلجيكية واضح وأن الإجراءات والمداهمات الأخيرة كانت مثيرة للسخرية. فمثلا نشرت وسائل الإعلام بأن فرقا أمنية خاصة اقتحمت بيتا مشبوها في بلدية “جيت” المجاورة ل”مولانبيك” عثرت على “اللبن” وبعض مواد التنظيف واعقدت أنها مواد كيماوية….

الحكومة البلجيكية ومعها الأجهزة الأمنية مطالبة اليوم لتوضيح قصورها البين أمام مجلس النواب بغرفتيه (الفدرالي ومجلس الشيوخ)، وفي هذا الصدد فالمجموعة النيابية لحزب العمل اليساري استدعت الوزير الأول لتوضيح كل الإجراءات والخطوات الأمنية التي اتخذتها في الفترة الأخيرة. كما طالب حزب الخضر في شخص رئيسته البرلمانية زكية الخطابي الوزير الأول للمثول أمام البرلمان “لأن خطاباته وتبريراته المتعلقة بحالة التأهب القصوى التي تعرفها بلجيكا تطرح الاسئلة أكثر من الأجوبة”، على حد تعبيرها.

خاتمة

إنها ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها الشرطة البلجيكية مع نظيرتها المغربية، فقد سبق للشرطة البلجيكية أن أجرت تكوينا في مدينة القنيطرة المغربية، كما تم الحديث عن زيارة لرجال الشرطة المغاربة إلى بلجيكا لتبادل التجارب، لكن أن تعتمد الأجهزة الأمنية البلجيكية على المخابرات المغربية لحل مشاكل الشباب من أصل مغربي وتطرفهم، فيطرح أكثر من سؤال لأن أغلب المتهمين في أحداث فرنسا، شباب ولدوا فوق الأراضي البلجيكية ودرسوا في مدارسها ويتكلمون لغاتها ويشربون من مياهها ونبيذها ويستنشقون هواءها.

لذلك فبالقدر الذي نؤكد فيه أن من حق أي دولة أن تتعاون مع دول أخرى لمواجهة الجريمة المنظمة، نطالب بنفس القدر من الدولة البلجيكية الاعتراف بفشل سياساتها المتبعة تجاه الهجرة وفشل نظرتها للشباب من أصل مهاجر. لأنه للأسف، لازال العديد من البلجيكيين بمن فيهم بعض من رجال التعليم يوجهون الشباب إلى مهن بلا قيمة، ويعتبرون أن الجيلين الثاني والثالث لن يكونوا إلا عمال نظافة وعمال الأشغال الشاقة، شأنهم شأن آبائهم.

Comments

comments