نجاة بقاش: مملكة الجنون.. السيدة الأولى /10

  • 0

الساعة تشير هنا إلى تمام الثالثة صباحا.. المكان يبدو فارغا.. مختلفا.. لم يتبق من العبث سوى ذكرى اسم حفل مر من هنا.. لم يخلف وراءه في نفسي سوى الحسرة والألم.. إكسسوارات باهظة الثمن.. تائهة هنا وهناك.. فوق وتحت الأريكات الفخمة.. تنتظر من يلتقطها.. تعود لسيدات أعجز عن تصنيفهن.. أهن من المتحررات أم هن من الجواري؟

فقدتها وقت كن يعبثن بوقتهن.. بأجساد منحوتة.. كسلع معروضة.. يبحثن عن الخلود.. عن لذة خارج دائرة الأنا.. عن حيل تقيهن من غدر الزمان.. والتربع فوق عرش الصدارة.. وتملك قلب الحبيب المتحجر.. بوجودهن الصوري.. بتأثيثهن للمكان.. بتزيينهن بأغلى الحلي والحلل أصبحن جزء لا يتجزأ من الثالوث المحرم.. بقايا طعام مشتت فوق سجادات إيرانية الصنع.. قنينات خمر فاخرة.. فارغة.. تسخر من شاربها.. أشياء كانت لها قيمتها.. أصبحت الآن مبعثرة  فقدت معناها..

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

بسبب القرارات الجائرة.. والجشع اللامنتهي.. تحسرت على حال المدينة.. على مصير الفقراء.. على شيء بعيد المنال.. على مجهود يبذله الخدم نهارا.. بمحوه تأثير الخمر ليلا.. وجدت نفسي أسبح في فوضى تعددت أسبابها ومصادرها.. وحيدة كعادتي.. وقفت أتأمل المكان البارد الذي لا يشبهني في شيء.. أبحث عن المكان الذي أصبح يعبر عن حقائق غير التي يحاول الحاجب تثبيتها.. أخذت ملامح وأبعاد.. لم أعد أعرف أيهما الوجه الحقيقي لها.. الأول المرتب في النهار أم الثاني المبعثر في الليل.. وقفت أتأمل الأشياء الجميلة التي لم تعد كذلك.. استرجع ذاكرتي التي لم تعد تحتمل وتيرة، وسرعة وقع الأحداث عليها.. أترقب مصيري كمذنبة لإثم لم أقترفه..

وأنا أتصفح صفحات ذكرياتي.. فوجئت بقدوم امرأة جميلة.. نحيفة.. بالمواصفات العالمية.. لم يسبق لي أن رأيتها في الحفل من قبل.. تبدو من خلال رشاقتها وحركاتها الخفيفة.. أميرة.. بل أسيرة قصدتني في الظلام.. لم تسألني عن اسمي ولا عن جنسيتي.. كما فعل الآخرون.. لم تستفسر عن سبب وجودي كما فعل سايلا قبلا.. لم تضع مسافة بيننا.. ولا مقدمة للعرض الذي تنوي تقديمه لي.. اقتحمت وحدتي.. حملت بين يديها طعاما يشبه في لذته وبساطته عشاء الفقراء.. اعتبرته إهانة يليق بمقامي.. اعتبرته اعترافا بي وتقربا مني.. بذكائها وبدهاء المرأة المتسلطة.. أدركت أن التهافت على حياة البذخ لم يكن يوما مطلبي.. جلسنا على الأرض.. صامتتين.. سوى الجوع والعطش بيننا.. فجرعنا الشاي.. وأكلنا الرغيف والزيتون بنهم.. أتبعتني بنظرات الأسف والتنهيدات العميقة.. بفضل المعاهدة التي جمعت بيننا منذ حين.. .تركت البرتوكول والألقاب مجبرة.. تركت العتاب بدوري جانبا..

لكن من تكون هذه السيدة؟.. أهي في النهاية هبة من السماء؟.. أم هو فخ نصبه لي سايلا بمباركة الحاجب؟.. تقدمت السيدة بعرضها المغري.. اعتبرته حلا نهائيا لمأساتي.. مضمونه اندثار الأثر والهروب من الباب الخلفي.. رأيت في عينيها خوفا لا مبرر له.. لمست من خلال عرضها جبنا وجهلا لشخصي.. وضعت يدي على سبب من أسباب  مأساة الإنسانية.. توجسها المفرط وغيرتها العمياء جعلتها ترى في وجودي تهديدا مباشرا لكيانها.. رغم مجاملتها لي، ومحاولة التأقلم والظهور بشخصية المتواضعة، الكريمة، المتفاعلة، المتعاطفة..

“غادرت السيدة الأولى المكان، مسرعة نحو الجناح المخصص لها.. خشية منها أن يضبطها الحرس متآمرة متلبسة.. بل خشية منها أن يرى نور الصباح جسدها فتحترق”

استغربت السيدة الأولى لموقفي الثابت.. الغير مألوف لديها.. لم تفهم سر رفضي المطلق للعرض الذي لم أكن له متحمسة.. فالأمر كان لدي محسوما منذ البداية.. إلا أنها لم تكن في مستوى التقاط الإشارة.. هذا ما زادها إصرارا وإلحاحا.. فالتخلص مني أصبح حتمية.. ومعركة لا بد من كسبها.. لا مجال لمناقشة أمر وجود منافسة أخرى.. هذا يشكل تهديدا لاستقرار توازنها.. ولترتيبها كسيدة أولى.. يا لها من صدفة عجيبة.. هي الأخرى، ترى المكان مناسبا لاحتضان جنوني.. بالضبط كما ادعى سايلا صديقي.. ناسيين أن الأسوار والحدود تخنقني.. كالركوع.. والخوف.. والفرار الذي لا يعرفني.. فتلك مصيبتي.. لا مناص لها إذن من الصبر والانتظار.. ولا مفر لي من المواجهة والصمود.. حتى النصر لإيجاد الحل النهائي لأطول قضية عرفتها الإنسانية.. حوار طويل دار بيننا.. يشبه إلى حد بعيد حديث مضطهدة مشتكية من حالها.. متباهية بجلادها.. رفضها للتغيير ونفض الغبار عليها كان واضحا.. في ذات السياق.. طلبت منها المصالحة مع الذات قبل الخوض في مواجهة المصير.. مادام هناك نهار.. وشمس.. وربيع.. أو حتى باب خلفي يمكن الفرار منه..

لماذا لم تعط لنفسها فرصة الوجود خارج الأسوار؟.. أليس في الحرية وقول كلمة “لا” شفاء للعالمين؟.. أجابت: “هذا أمر مستحيل الآن”.. كل شيء فيها يشهد على جمالها وذكائها.. إلا أنها عن الجمال تغيب.. أدرك أن مقاربتي لا تناسبها.. مهما حاولت معها.. سوف لن تغادر السجن الذي ألفها.. بل ألفته.. تكون بذلك قد اختارت لنفسها الذل والحياة بدل الموت والكرامة.. طواعية..

صياح الديك  

أنهى حديثنا العقيم صياح الديك مناديا للصلاة كعادته.. غادرت السيدة الأولى المكان، مسرعة نحو الجناح المخصص لها.. خشية منها أن يضبطها الحرس متآمرة متلبسة.. بل خشية منها أن يرى نور الصباح جسدها فتحترق.. ألم أقل لكم إنها للجمال والكرامة رافضة؟..

وجدت نفسي وحيدة كعادتي.. أما الديك المسكين فلم يستجب لندائه أحد.. عاد خاوي الوفاض لينام مجددا.. أضحكني موقف الديك.. فقلت له: “ما جدوى صياحك كل صباح يا ديك؟.. والغير غارق في سهاده العميق.. يحلم باحتساء مرقك اللذيذ؟”.. أغضب كلامي الصريح هذا  الديك المغرور بنفسه.. أدخله في حالة هيجان.. اعتبر كلامي هجوما واعتداء سافرا على شخصه.. سمعته يئن من شدة الألم.. في المقابل تمنى لي الشقاء مدى الحياة.. لم أتملك نفسي من الضحك حين رأيته يمشي كالمسعور يمينا وشمالا بدون توقف.. كأنني أشاهد مسرحية الغاضب تفاعلت معه فلم أتردد عن طرح سؤالي المستفز.. كيف لك أن تصر على إقناع من يتجاهل نداءك في الفجر؟.. ويسفك دمائك لإبعاد الشر عنه في اليوم الموالي؟.. تقربا وتبركا بالأضرحة في المواسم والأعياد؟.. بينما تتمنى الشقاء لمن يقدس حماسك وشجاعتك.. ويستيقظ باكرا ليستمتع بصياحك؟.. ما هذا الغراء وما هذا الجفاء منك أيها الديك المغرور؟.. ألا ترى أنه رغم صياحك العالي.. الشر باقي؟.. وأن صياحك مضيعة للجهد وإزعاج للنائم؟.. ما جدوى إلحاحك المستمر والمنادى عليه غائب عنك باستمرار؟..

أجابني الديك المجروح غاضبا.. “ليس لثرلي من دروس تعطيها للديك في الفجر.. يا لك من متمردة مجنونة.. لم يبق منك سوى اللسان والهذيان.. كيف لك أن تطلبي مني أن أكف عن الصياح صباحا، وأترك قضيتي جانبا؟.. وأنت عاجزة عن فعل ذلك مثلي تماما؟.. فأنا شاهد على صياحك الذي طال قرونا.. ألست أنت القائلة يوما  “إن الإنسان مقدس، يبقى أعظم قضية تستحق منا ألف تضحية؟”..

لأول مرة أدرك أن للديك قضية.. وأن لديه ذاكرة قوية.. فالديك لم يكن بالغباء والبراءة التي كنت أتصورها.. فلابد أن يتحمل فيما يقع، جزء كبيرا من المسؤولية.. لا مفر له إذن من نيل  العقاب.. كيف له أن يجعل كل القضايا في سلة واحدة، متساوية.. وتختلط بذلك الأمور؟.. ويقارن صياحه الرتيب.. بأعظم سيمفونية شهدها العصر.. من كان يظن يوما أن للديك دهاء مثله في ذلك مثل الذئب؟.. إن إزعاج الديك للنيام، أعطى لطباخ السيد شرعية تنفيذ الإعدام.. سرعة التنفيذ لم تمنح لي فرصة التماس ظروف التخفيف.. أو حتى طلب استعطاف الطباخ.. كم أحزنني حال الديك المذبوح.. وأغضبني ضعف حيلتي أمام القرار المتغطرس.. ذهب الديك ضحية غبائه.. عناده.. وغروره.. ما أصعب أن يعيش المرء متآمرا.. عن الحق ساكتا.. ويخدم سيدا ناكرا.. يا حسرتاه على الديك المغفل وصياحه في الفجر الباكر.. ويا حسرتاه على من نصحه العقلاء ولم ينتصح..

(يتبع)

 

Comments

comments