حول التجربة الريفية /1

  • 0

|يسر إدارة موقع أنوال.نت إعادة نشر كتاب: “الأمير محمد عبد الكريم الخطابي.. آراء ومواقف” في حلقات أسبوعية، بعدما نفدت نسخ الطبعات السابقة من المكتبات، وحتى يكون كذلك متاحا أمام أكبر عدد ممكن من القراء والمهتمين والطلبة. وقد آثرنا الاحتفاض بالنص الأصلي رغم ما يحويه من هوامش طويلة أحيانا، اقتضتها ظروف البحث والتوثيق إبان إنجازه أولا كأطروحة جامعية ثم ككتاب منشور. وبما أن الفصول طويلة نوعا ما، فإننا سنعمل على تقسيمها حتى تتواءم مع طرق النشر على المواقع الالكترونية. وإذ يعيد أنوال.نت نشر هذا الكتاب في حلقات، فإنه يسمح للمواقع الزميلة بإعادة النشر شريطة ذكر المصدر وعدم التصرف في النص الأصلي ولا في العناوين، لأنها ليست مقالات صحفية بل هي فصول من كتاب منشور|.

محمد أمزيان: حول التجربة الريفية

تمهيد 

(1)

عرف تاريخ التوسع الاستعماري صورا شتى من صور المقاومة الشعبية، تعبيرا عن رفض المستعمَرين لمشروعات المستعمِرين، ودفاعا عن حريتهم ونمط حياتهم الاجتماعية. فنجد من استخدم سلاح العصيان المدني، ومن التجأ إلى العنف غير المنظم، ومن اعتبر السياسة سبيلا إلى الحرية، ومن رأى في التفاهم مع المستعمر وسيلة لتحقيق المطالب. وهناك أخيرا من التجأ إلى العنف المنظم القائم على التعبئة الشاملة وتحريك الشعب نحو الهدف المحدد سلفا. وهذا ما فعله المغاربة في الريف بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي.

الأمير محمد عبد الكريم الخطابي مؤسس أول جمهورية في العالم الإسلامي

الأمير محمد عبد الكريم الخطابي
مؤسس أول جمهورية في العالم الإسلامي

فقد تمكن عبد الكريم الخطابي ورجاله من رفع هامة الريف والمغرب عاليا، ليصبح مثالا يُقتدى بين جميع الأمم التي ابتليت بظاهرة الاستعمار، واقترن اسم الريف بإحدى أروع الملاحم البطولية التي سجل صفحاتها شعب صغير لم يكن يتجاوز عدده ربع المليون نسمة برجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله، كان يقاتل على “جبهات” أربع: الجبهة الإسبانية، الجبهة الفرنسية، الحصار الدولي بحجة محاربة التهريب، فضلا عن الجفاف الذي ضرب الريف طيلة سنوات الحرب تقريبا.

وللدلالة على جبن الدول الاستعمارية، وبخاصة إسبانيا بالتواطؤ مع رجال أعمال ألمان، وتشجيع غير معلن من الحكومة الألمانية، أنها لجأت إلى استخدام الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا، ومنها الغازات السامة، على نطاق واسع ولأول مرة في التاريخ بواسطة الطائرات. ويرجع الفضل في كشف هذه الحقائق بالتدقيق والتوثيق إلى الباحثين الألمانيين Rudibert Kunz وزميله Rolf Dieter Muller اللذين أزاحا الستار عن الدور الحقيقي للسلاح الكميائي الألماني في حسم الحرب الريفية. وفي 26 يونيو 1926، وضع عبد الكريم سلاح المقاومة ليبدأ رحلة المنافي. فقد قضى 21 سنة في جزيرة “لاريونيون” (La Réunion) و16 سنة في القاهرة حيا. ومنذ 6 فبراير 1963، أي منذ تاريخ وفاته، ما يزال ينتظر فرصة عودته إلى وطنه الذي وهب حياته في سبيل حريته واستقلاله.

ولعل من يتأمل سجل هذا المنفي حيا وميتا سيجد أن صراعه ضد المتربصين بالوطن لم ينته بعد، وأنه ما يزال يقلق من مرقده في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة، ضعاف البصيرة. وعبد الكريم الخطابي الذي تنكر له الرسميون من أبناء وطنه، اعتبره غيرنا من عقلاء هذا العالم رائدا ومدرسة ثورية وفية للشعب، نهل من منابعها زعماء قادوا شعوبهم إلى الحرية والكرامة. وإذا كانت الأمم والشعوب تنقب عن أمجادها في مآثر أبطالها وقادتها، فعلى العكس من ذلك، تلقى مآثر عبد الكريم صدا عجيبا وإصرارا غريبا على العبث بها ومحاولة محوها من ذاكرة الوطن الجماعية.

ولقد تمخضت التجربة الريفية عن مضامين نضالية تخطت نطاق المحلية/الوطنية إلى ما هو عالمي/إنساني. فهي لم تكن هبّة عشوائية أو مغامرة طائشة قام بها قوم أداروا ظهورهم للقوانين والأعراف الدولية. بل كانت تحمل بين طياتها مشروعا لإقامة إطار سياسي يمنح للشعب حقه في التمتع بحريته كاملة غير منقوصة. وبهذا الاعتبار، تسرب إشعاعها خارج الحدود الجغرافية للريف والمغرب، ليعم سائر المجتمعات التي عانت أو كانت ما تزال تعاني من آثار وتبعات التوسع الإمبريالي. وأصبحت شخصية الأمير عبد الكريم الخطابي محل اهتمام واسع، سواء من قبل الدوائر الاستعمارية التي فاجأها بروز قائد من رحم شعب كانوا يعتبرونه بدائيا، أو داخل التنظيمات والقوى التقدمية في العالم، والتي رأت في نضال الريفيين البسطاء عونا لها على مجابهة البرجوازية في بلدانها، أو في أوساط المسلمين الذين لمسوا في جهاد الأمير بداية الطريق لعودة الخلافة الإسلامية. ولقد شعر عبد الكريم الخطابي منذ البداية أن الصراع ضد الغزاة هو في الأساس قضية مصيرية لا تقبل التجزئة أو المساومة، ولا يمكن فصلها عن حق الشعوب في اختيار النظام السياسي الملائم لها.

“ولعل من يتأمل سجل هذا المنفي حيا وميتا سيجد أن صراعه ضد المتربصين بالوطن لم ينته بعد، وأنه ما يزال يقلق من مرقده في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة، ضعاف البصيرة”

عبد الكريم كمخطط عسكري أيضا خلّف وراءه تراثا استفادت منه الشعوب المضطهَدة. فكانت له الريادة في تطبيق فنون قتالية لم تكن مألوفة؛ مثل استحداث فرق المهمات الصعبة (الكوماندوس) وحرب العصابات وتنظيم الجيش الشعبي القادر على خوض أطول المعارك بالاعتماد على التموين الذاتي. ولذلك فليس غريبا أن يقول الزعيم الفيتنامي هوشي منه لاحقا عن التجربة الريفية: إنها “بينت كيف يمكن محاصرة جيش منظم وقوي وإلحاق الهزيمة به، من شعب صغير يأخذ السلاح ويدافع عن وطنه … وللريفيين شرف إعطاء هذا الدرس إلى كل العالم. أما الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، فقد فاجأ وفدا فلسطينيا زار بكين (1971) لسؤاله عن أساليب الحرب الشعبية، بجواب لم يخطر لهم على بال: “رفاقي الأعزاء، جئتم تريدون أن أحدثكم عن حرب التحرير الشعبية، في حين أنه يوجد في تاريخكم القريب عبد الكريم الخطابي الذي هو أحد المصادر الأساسية التي تعلمت منها حرب التحرير الشعبية”.

إن الانتصارات العسكرية التي حققها الريفيون على أرض المعارك أثارت، وما تزال تثير، تساؤلات واستفسارات متباينة لدى المهتمين بظاهرة التوسع الإمبريالي. ولعل مقولة “العزلة” الريفية هي أكثر المقولات تداولا بين الباحثين الغربيين بوجه خاص. فهم يصورون الريف وكأنه آخر الدنيا، تحيط به جبال شاهقة وأودية عميقة عسيرة الاختراق، ويقطنه سكان “بدائيون”، “شبه متوحشين” لهم ميل طبيعي إلى إثارة الفتن بينهم لإشباع غريزتهم في التطاحن، ويحقدون على كل مظهر من مظاهر الحضارة الغربية التي اضطلعت أوروبا بإدخالها إلى بلادهم، فضلا عن كونهم “قراصنة” يهددون أمن وسلامة الملاحة الدولية.

وبدون أدنى شك، فإن هذه الدعاية أثرت في البداية على قطاعات عريضة من الرأي العام الغربي، فتحمست للمشروع الاستعماري كونه “رسالة” إنسانية وحضارية لابد من تبليغها! وعلى الرغم من أن التاريخ كفل بإبطال “نظرية” عزلة الريف، إلا أنها ما تزال تثير شهية بعض الدارسين والباحثين. يقول باحث إسباني: إن الباعث العميق ـ وأُصر على كلمة عميق ـ لوقوف الريف في وجه دول الحماية ومقاومتها، ما هو إلا تاريخ العزلة الطويلة التي عاشتها قبائل البربر منذ القرن السابع”. وبديهي أن يصدر هذا الكلام عن شخص ترسبت في ذاكرته آثار “أنوال” و”أعروي” و”الشاون”. غير أنه ليس طبيعيا من يصدقه؛ لأنه كلام يتجاهل عن قصد حق الشعوب في الدفاع عن نفسها، فضلا عن كونه ينم عن جهل صاحبه بتاريخ المنطقة جهلا تاما. ذلك أن العكس هو الثابت. فإذا كان أمازيغ الشمال منفتحين فقط على العالم القديم قبل القرن السابع، فإنهم بعده شاركوا في صنع أحداث العصور اللاحقة مشاركة إيجابية وفعالة. والأندلس شاهدة لا تحتاج إلى دليل إثبات. وإذا فرضنا جدلا أنهم انعزلوا وتقوقعوا على أنفسهم طيلة أربعة عشر قرنا، فما الذي دفعهم فجأة إلى الموقع الأول على مسرح الأحداث في بداية القرن العشرين؟ وقبل هذا وذاك، من كان يوقف حملات الغزو الإسبانية المنطلقة من سبتة ومليلية؟ ثم إن العزلة في أحد معانيها تدل على الجمود والسكون. ولو كان الريفيون كذلك، لكان مصيرهم كمصير الهنود الحمر، أو بعض التجمعات البشرية في إفريقيا السوداء السائرة الآن في طريق الانقراض.

(يتبع)

———————-

مصادر هذه الحلقة:

–  روديبرت كونز ورولف دييتر مولر، عبد الكريم الخطابي في مواجهة السلاح الكيميائي، ترجمة عبد العالي الأمراني، منشورات فيدباك، ط1، الرباط 1996.

– عن تأثير تجربة الريف داخليا وخارجيا، انظر، دوجلاس آي. آشفورد، التطورات السياسية في المملكة المغربية، ترجمة د. عائدة سليمان عارف & د. أحمد مصطفى أبو حاكمة، دار الكتاب، الدار البيضاء، ط1، 1964، ص. 44؛ جون واتربوري، الملكية والنخبة السياسية في المغرب، ترجمة ماجد نعمة وعبود عطية، بيروت، ط1، 1982، ص. 40.

 Claude COLLOT et Jean R. HENRY, Le mouvement national Algérien, Textes 1912-1954-

Jaques FAUVET, Histoire du Parti Communiste Français, I, de la guerre à la guerre, 1917-1939, Fayard, Paris, 1964

أشارت جريدة “الفيحاء” السورية بتاريخ 19/3/1926، إلى أن عبد الكريم رُشح لمنصب الخلافة الإسلامية. هذا، وسبق أن دُعي الأمير عبد الكريم لحضور مؤتمر القاهرة الإسلامي الذي انعقد أواخر 1925، وتلقى دعوة مماثلة من الملك سعود لحضور مؤتر مكة الإسلامي (1926)، في حين لم يتلق السلطان مولاي يوسف أية دعوة. راجع، مجموعة باحثين، الخطابي وجمهورية الريف، نقل إلى العربية بإشراف صالح بشير، دار ابن رشد، بيروت، ط1، 1980.

نشرت صحيفة “العراق” يوم 23 يوليو 1925 نقلا عن صحيفة “إقدام” التركية، مقتطفات من رسالة بعث بها الأمير عبد الكريم إلى جمعية الطلبة في بونس أيرس مما جاء فيه: “لا يوجد في هذه الدنيا حق للأمم أقدس وأرسخ من حقها في أن تحكم نفسها بنفسها”. كما خاطب الوطنيين الصينيين في نفس التاريخ بقوله: “أنتم في الشرق الأقصى ونحن في الغرب الأقصى نكافح معا ضد إمبريالية تستعبد شعوبنا”. ميكل مرتين، الاستعمار الإسباني في المغرب (1860-1956)، ترجمة عبد العزيز الوديي، منشورات التل، الرباط، ط1، 1988.

محمد زنيبر، ’دور عبد الكريم في حركة التحرر الوطني في المغرب‘، في، الخطابي وجمهورية الريف.

محمد أحمد أنيس، ’عبد الكريم ومصر‘، في، الخطابي وجمهورية الريف.

روبيرتو سانشيز دياز، ’السلم الإسباني‘، في، الخطابي وجمهورية الريف.

Comments

comments