محمد أمزيان: نعم.. أنا خائف

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

“هل أنت خائف”، سألني صحفي من هيئة تحرير “التلغراف” اليمينية بعدما لاحظ آثار محاولة الحرق على باب المسجد. “لكن الأضرار طفيفة”، أضاف الصحفي وهو يسجل ملاحظاته على عجل في كناش متهالك. حينما أدخلته إلى المسجد كنت منشغلا مع الشرطة وموظفين اثنين من البلدية لمناقشة كيفية حماية المسجد من الاعتداءات المحتملة عقب أحداث باريس.

صباح يوم السبت 14 نوفمبر 2015، وقبل وصول أول المصلين لصلاة الفجر، حاول شخص مجهول الهوية إحراق المسجد (المركز المغربي الإسلامي في روزندال). فشلت محاولته، غير أن الصور التي سجلتها كاميرات المراقبة توضح كيف أن المعتدي، الذي أخفى ملامحه ببراعة، كان عازما على إلحاق أكبر الضرر بالمركز، إلا أن الله ستر إذ سرعان ما خمدت ألسنة اللهب التي لم تجد منفذا إلى داخل بيت الصلاة حيث السجاد والخشب وعشرات الكتب والمصاحف.

حينما وصلت إلى عين المكان، كانت عناصر من الشرطة والمباحث الجنائية قد عاينت الحادث وأجرت بحثها وصادرت الشريط الذي يظهر فيه الجاني وهو منهمك في تنفيذ جريمته. وبحكم تحملي مسوولية رئاسة مجلس إدارة المركز، اتصل بي مسؤول من جهاز الشرطة، وطلب مني إن كانت لدي رغبة في اجتماع عاجل لتدارس الأمر، وأن عمدة المدينة بلغ بالحادث وعبر عن مدى انشغاله وقلقه. اتفقنا على موعد لاجتماع موسع في المركز مساء ذلك اليوم. وقبل أن يغلق الخط، سألني ما إذا كنت أرغب في إبلاغ الصحافة. قلت له: لست في حاجة إلى تحميل الموضوع أكثر مما يحتمل، ويستحسن إبعاد الإعلام ما أمكن حتى لا نثير مخاوف الجيران. لم يستحسن الفكرة وقال لي: سيصل الخبر لوسائل الإعلام وعلينا إبلاغها بأنفسنا حتى تبقى إدارة الأزمة في أيدينا. وافقته. عندئذ فقط بدأت أعي حجم ما حدث.

“خائف من ذلك الشاب الفاشل في حياته، ويعتقد أنه سينجح في آخرته بقتله الأبرياء في الأماكن العامة”

بعد العصر بقليل وصلت مراسلة لقناة SBS6 الخاصة لإجراء تقرير مصور ولقاء معي. قبلها كان صحفي من صحيفة جهوية قد اتصل بي وأخذ ما كان يريده مني، ثم محطة إذاعية وأخرى. وفي المساء وصل ذلك الصحفي من “التلغراف” دون موعد مسبق. السؤال المحوري في كل اللقاءات كان: “هل هناك علاقة سببية بين تفجيرات باريس وبين الاعتداء على مسجدكم؟ وهل أنت خائف”؟

نعم أنا خائف..

خائف من الذين حولوا الإسلام إلى آلة دمار وقتل.

خائف من الذين يحملون حضارة الأنوار في عبوات بنزين، ليقتلوا الآمنين في مساكنهم ودور عبادتهم.

خائف من أولئك السياسيين الذين يدعون إلى مقاومة الإسلام، وكأنهم على جبهات الحروب الصليبية.

خائف من ذلك “الداعية” الذي يدعو إلى الجهاد، بينما هو ينعم في قصره المكيف بزوجاته الأربع من كل الأعمار والجنسيات.

خائف من ذلك “الخطيب” الذي حول منبره إلى منصة لإنتاج الحقد والكراهية في النفوس.

خائف من ذلك الشاب الفاشل في حياته، ويعتقد أنه سينجح في آخرته بقتله الأبرياء في الأماكن العامة.

خائف من ذلك الحاكم الغربي الذي يشتري النفط من المتطرف القاتل ليلا، ويلعنه نهارا.

خائف من ذلك الحاكم العربي الذي حول طائفة من شعبه إلى وحوش مجردة من حس الآدمية.

خائف من هذا العمى الذي أصابنا وهذا الصمم الذي استحكم فينا، فلا نجرؤ على النظر في عللنا ونواقصنا وعاهاتنا.

خائف من نفسي.. فلم يعد لدي ما أجيب به ابني حينما يسألني: لماذا يخاف مني صديقي الهولندي؟

 

*نشر في صحيفة المساء، 18 نوفمبر 2015 (الصفحة الأولى)

 

Comments

comments