أحمد البلعيشي: الريف والهجرة.. مسارات وتحديات 2/2

  • 4

سياسات الاتحاد الأوربي اتجاه المهاجرين

حسب التدابير الأوربية وسياساتها تجاه ظاهرة الهجرة، نلاحظ أن دخول الاتفاق الأوربي القاضي بالتوحيد حيز التنفيذ، قد أدى إلى إعادة النظر في وضعية حوالي 10 ملايين مهاجر، انضاف إليهم اللاجئون والمهاجرون السريون. وقد كانت من نفس السياسة المعتمدة خلال سنوات 73-77، أي غلق الحدود خاصة في وجه دول الجنوب، كما أن هذه السياسة لم تعمل بأي شكل من الأشكال على الحد من موجة “الحقد نحو الأجانب” المهاجرين والمطالبين بالاستقرار داخل دول الاتحاد الأوربي هذه الموجة التي غذتها عودة التيارات اليمينية، والعنصرية والمتطرفة، وهو ما يتجسد في القوانين الجائرة التي عملت جارتنا اسبانيا على انتهاجها (قانون الأجانب العنصري الذي صادق عليه الكورتيس الأسباني).

الهجرة حق من حقوق الانسان

الهجرة حق من حقوق الإنسان

وهذا الموقف من السياسات الأوربية تجاه المهاجرين بدأت الحكومة المغربية بدورها تردده في السنوات الماضية، إذ صرح وزير الداخلية أحمد الميداوي في جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين يوم الثلاثاء 5 دجنبر 2000 بأن “مقاربة البلدان الأوربية لموضوع الهجرة مقاربة “كلاسيكية” وغير ملائمة، واعتبر الوزير أن هذه البلدان تتحمل مسؤولية كبيرة في تنامي ظاهرة الهجرة السرية من خلال تشددها في إجراءات تنقل الأشخاص وولوجهم العادي إلى أوربا وتشديد شروط الحصول على”الفيزا”، وأن شبكات الهجرة السرية على مستوى الاستقبال والتشغيل في شروط غير قانونية موجودة هناك بالبلاد الأوربية التي تستفيد بعض مقاولاتها من هذا النوع من المهاجرين بأجور زهيدة وأن الطلب المتزايد على مثل هذه اليد العاملة الرخيصة يشجع على الهجرة السرية”.

ونفى وزير الداخلية “أي تقصير من قبل السلطات المغربية في محاربة الهجرة السرية مؤكدا أن حوالي 100 ألف من عناصر الجيش والأمن يقومون بالحراسة الدائمة للشواطئ المغربية، معترفا بقصور كل المقاربات الأمنية في إنهاء هذه الظاهرة”.

“أول تحد حقيقي أمام الأوربيين هو إسقاط مقاربتهم الأمنية والكف عن تزويد أنظمة دول الجنوب بترسانة قمع شعوبها”

ومن دون استباق التعليق على هذا الموقف الرسمي نشير إلى تواصل “الحصار المؤسساتي” ضد المهاجرين من خلال اتفاقيات “شينغن” و”برشلونة”، وغيرهما، ناهيك عن أنواع أخرى من التمييز الرسمي في مجالات التنقل، والاستقرار، والعمل داخل المجموعة الأوربية. إضافة إلى المساس بحقوقهم الشخصية المرتبطة بالعلاقات الأسرية، والثقافية، والهوياتية والدينية…الخ.

وإذا كان من المنطقي جدا أن يسلم المرء، بحق المجموعة الأوربية كما أورد ذلك عبد العزيز النويضي في كتابه “الحق في التنمية بين القانون الدولي والعلاقات الدولية”، إذ يشير إلى حق المجموعة الأوربية، “في حماية رفاهية شعوبها وتقبل من تشاء فوق أقاليمها، فإن للمجموعة التزامات كذلك إزاء طالبي اللجوء السياسي… والتزامات إزاء شعوب دول العالم الثالث، ولاسيما إذا كانت علاقات المجموعة بدولهم من الأسباب التي تعمق البؤس والفقر وتدفع إلى الهجرة”.

إذ حسب رأي الباحث النويضي أن “رفاهية شعوب المجموعة لا يجب أن تتم على حساب رفاهية شعوب العالم الثالث، ولاسيما أن ثورة المواصلات والغزو الثقافي والإعلامي يصور لأغلبيتهم الساحقة مجتمعات الشمال كفردوس أرضي”.

الحروب هي السبب المباشر للنزوح والهجرة

الحروب هي السبب المباشر للنزوح والهجرة

ومن وجهة نظرنا، فإن التزامات الاتحاد الأوربي إزاء الشعوب، وما تعرضت له عبر التاريخ، من استعمار وقهر واستغلال وتشويه للبنيات والذهنيات، إضافة إلى مساهمة شعوبنا في بناء أوربا والمشاركة في جل حروبها ضد النازية والفاشية، بل استغلال شبابنا للزج بهم في حروب استعمارية (جنوب شرق آسيا) وصراعات داخلية (فرانكو)، كل ذلك يسفه المعالجات والمقاربات الأمنية لمشاكل الهجرة، واللجوء، ومن ثم ندعو إلى معالجة شاملة للأسباب التي تقوم عليها، والتي تؤكد على تحمل الاستعمار لدور أساسي في إنتاجها، ومن ثم ينطرح على دول الاتحاد الأوربي، دور تؤطره مبادئ حقوق الإنسان كالمساواة وعدم التمييز بين البشر، والتي طالما تشدق بها لأهداف انتهازية، وسياسية فاضحة.

ويمكن تلخيص الموقف الأوربي بجملة مركزة مفادها:

أن الاعتبارات السياسية والاقتصادية للاتحاد الأوربي، تتغلب على اعتبارات حقوق الإنسان، أما التدابير الجزئية التي تستهدف تشجيع ما يسمى بالحق في التنمية المستديمة، والبرامج الأوربية المشهورة في هذا الصدد، مثل برنامج “ميدا ديمقراطية” ما هي في اعتقادنا إلا تدابير جزئية وانتقائية وتتوخى ذر الرماد في العيون، والمساهمة في إيقاف نزوح المهاجرين نحو أوربا، وهو ما انساقت له العديد من الجمعيات خاصة منها التي تدعي الدفاع عن المهاجرين داخل دول الإتحاد الأوربي.

إن أول تحد حقيقي أمام الأوربيين هو إسقاط مقاربتهم الأمنية والكف عن تزويد أنظمة دول الجنوب بترسانة قمع شعوبها ومن ثم القبول بدفع مستحقات ومترتبات التخريب الذي مورس ضد بلداننا وشعوبنا، وهويتنا المتعددة والمتفتحة، وهذا المطلب طبعا لن يتحقق من دون تفعيل اشتراطاته وآلياته، داخل بلداننا وشعوبنا، وأحزابنا وجمعياتنا… بعيدا عن كل المقاربات الأمنية والإحسانية.

ممكنات وقف النزيف الهجروي بالمغرب

يبدو أن تصريح وزير الداخلية (السابق) المشار إليه، خاصة في الجانب المتعلق باتفاقه على فشل كل المقاربات الأمنية، في إيقاف نزيف الهجرة بشقيها السري والعلني، وهو ما لم يكن يشاطره فيه سلفه إدريس البصري حين أقدم على اعتقالي إثر مشاركتي في برنامج “لقاء” بالقناة التلفزية 2M وهو البرنامج الذي صرحت فيه شخصيا، ببؤس وفشل المقاربة الأمنية.

إذ حسب رأيي المتواضع، والذي عبرت عنه، وأديت ضريبة النضـال دفاعا عنه، وعن ضحايا “مراكب الموت”، فإن الحلول الممكنة لظاهرة الهجرة السرية وغيرها من مظاهر الفقر والبؤس والفساد السياسي والاجتماعي والأخلاقي الذي ينخر المجتمع والدولة المغربيين، تتمثل أساسا (أي الحلول) في معرفة، وتشخيص الأسباب الحقيقية التي أفرزت هذه الظواهر الشاذة، والتي تتجسد كما صرحت بذلك – وعلى الهواء – في فشل سياسات النظام المغربي والحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام ورسم سياسات وطنية وديمقراطية وشعبية، صالحة للشعب وللوطن، بل الأخطر من ذلك، ساهمت تلك السياسات الخرقاء في تخريب المناعة الذاتية للمجتمع، وحولت النخب السياسة إلى مجرد أدوات طيّعة في أيدي المخزن وحلفائه (الأحزاب)، وهو ما يترتب عنه بدوره، غياب قوة مجتمعية ناضجة ومسؤولة وقادرة على إيقاف نزيف الشعب والوطن.

ومن ثم فإذا كان التشخيص سليما وصحيحا للأوضاع ويقر صراحة بحجم الكارثة التي أصابت البلد خاصة في الجانب الاقتصادي، وما تولد عنه من فقر وتشريد للعمال، وحاملي الشهادات المعطلين والحرفيين والفلاحين الفقراء الذين هم في الأصل النسبة الأكبر من ضحايا “مراكب الموت” فإن الحلول ولا شك ستكون ممثلة أساسا في:

– تواضع المغاربة على دستور ديمقراطي ومتوافق على قضاياه الجوهرية للشعب المغربي ومن ضمنها الهوية المتعددة للشعب وللوطن.

– ضمان التوزيع العادل للثروات بين المواطنين من دون تمييز بين المناطق والجهات ومن دون نعرات عنصرية أو سياسية أو قبلية.

– سن سياسة للأجور عادلة وديمقراطية بحيث تلغى جميع المجالس، والمؤسسات الفارغة من أي مضمون وتحويل ميزانياتها الزائدة عن اللزوم وكذا مخصصات مجلس البرلمان ومجلس المستشارين، لفائدة العاطلين والفئات المحرومة، (ما معنى تقاعد الوزراء والبرلمانيين؟!)

–  نهج سياسة تنموية بديلة خاصة بالمناطق المستثناة من حقها في التنمية، مثل الريف يكون عمادها إشراك المواطن صاحب المصلحة الأساسية في التنمية، وإعطاء الأولوية للقطاعات المنتجة مثل الفلاحة والصيد البحري، والسياحة…

– سن سياسة تعليمية، تستجيب لتاريخ وهوية وطموحات الشعب المغربي، كبديل عن التعليم النخبوي واللاديمقراطي الجاري به العمل.

أي ممكنات في الأفق؟

إن الرهان الممكن بالنسبة لنا كفعاليات جمعوية ومدنية، وكمناضلين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، والكرامة الآدمية، هو أن نولي قضايا الهجرة ما تستحق من أهمية بالغة، وذلك من خلال إخراج المقترحات التالية إلى حيز الوجود وهي مقترحات منطقية، أوردها حسب الأولويات والإمكانيات المتاحة:

عادة ما تلجأ البلدان الأوروربية إلى اتخاذ إجراءات متشددة لمنع تدفق المهاجرين

عادة ما تلجأ البلدان الأوروربية إلى اتخاذ إجراءات متشددة لمنع تدفق المهاجرين

  1. تحمل المواطنين الأفراد، لمسؤولياتهم في توعية أبنائهم ومحيط أسرهم، وعائلاتهم… بخطورة الظاهرة “مراكب الموت” واستعمال الأساليب القانونية والشرعية للتنقل إلى أوروبا في حالة الضرورة القصوى.
  2. تشكيل لجن متخصصة في الهجرة داخل كل جمعية ونقابة وهيئة سياسية تهتم بالقضية، إن على مستوى المعطيات والتحسيس والترافع، أو على مستوى الضغط على الدولة لتراجع أوراقها في هذا الباب.
  3. تأسيس مراصد في كل جهات المغرب، يكون من مهامها رصد المعطيات المتعلقة بالظاهرة (الضحايا- المفقودين- واقع المهاجرين شروط الهجرة سياسات الدول الأوربية في المجال تتبع سياسات المغرب في المجال، واقتراح مقاربات أخرى- إعلام المواطنين بالمخاطر والأوضاع القانونية للمهاجرين- تنظيم وقفات احتجاجية ومسيرات للدفاع عن حقوق الضحايا في التعويض والحرية في التنقل، خلق صندوق خاص لتعويض ضحايا الظاهرة من مداخيل الغرامات الصادرة في حق تجار المخدرات).
  4. تفعيل التنسيق بين كافة الفاعلين السياسيين والحقوقيين والجمعويين والنقابيين ومراصد الهجرة للضغط من جهة:

“الرهان الممكن بالنسبة لنا كفعاليات جمعوية ومدنية، وكمناضلين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، والكرامة الآدمية، هو أن نولي قضايا الهجرة ما تستحق من أهمية بالغة”

1- على الدولة لتتحمل مسؤولياتها القانونية والدستورية في حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد السياسات العنصرية في بلاد الاستقبال، وكذا إيجاد الحلول الناجعة لتنمية مستديمة وبديلة قادرة على امتصاص مظاهر الفقر والبطالة والضياع، وهو أمر ممكن جدا إذا ما أحسنت الدولة تدبير الموارد المالية الضخمة والإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي يتوفر عليها المغرب، في كل جهاته التاريخية.

2- على الدول المستضيفة والمستقبلة للمهاجرين من أجل:

أ- إلغاء القوانين العنصرية الممارسة على إخواننا المهاجرين في بلدان الاستقبال وتمتيعهم بكافة حقوقهم الديمقراطية إسوة بكافة مواطنيها الأصليين، والمنحدرين من الدول أوربا الشرقية.

ب- رفع العراقيل على طالبي “الفيزا” واعتماد الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، المتعلقة بالهجرة وحرية تنقل الأشخاص، والكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وتفضيل السلع والبضائع على مواطني الجنوب!

خلاصة:

عرف الريف الكبير متوالية ظاهرة الهجرة بكل أصنافها العلنية والسرية، ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ارتباطا إما بالكوارث الطبيعية كالتصحر والمجاعات، أو بسيادة أنظمة التسلط والاستبداد، أو بنزوعات الترقي الاجتماعي والديمقراطي والبحث عن فضاءات أكثر إنسانية وحرية …

كما أن منطقة الريف تندرج ضمن خريطة المناطق الأكثر عرضة للظاهرة دون إغفال الانتباه إلى مفعولات ظاهرة الهجرة الدولية – سلبا وإيجابا – على النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي …

هكذا أشرنا في هذا الملف إلى كرونولوجيا انطلاق الظاهرة بالمنطقة، كما توقف المقال عند العوامل المختلفة لبروز الظاهرة، كالمجاعات المتكررة بالريف، وغياب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وطبيعة الدولة المخزنية، وتفشي منسوب البطالة … وعرجنا أيضا على التحولات التي طالت الأنماط الهجروية واللحظات الفارقة فيها، انطلاقا من بداية ستينيات القرن الماضي، حيث تناسلت عدة تعقيدات وتحديات جديدة… لتعرف منطقة الريف، بداية من التسعينيات، ميلاد ظاهرة الهجرة السرية بكل الآلام والكوارث التي كان البحر الأبيض المتوسط مسرحا لها، خاصة مع مهاجري دول الساحل والصحراء، وتحول غابات وأحراش الريـف الكبير، من الناظور إلى طنجة، إلى ميادين كر وفر بين المهاجرين الأفارقـة ومختلف القوات الأمنية، وما صاحب الموضوع من دوس متواتر على حقوق الانسان!

الأدهى من ذلك، أدى استفحال الظاهرة الهجروية إلى تأكيد مقولة “الدركي” التي حوكمت شخصيا بسنتين سجنا إثر التصريح بها سنة 1992 (حيث أعتبرت موقف الاتحاد الأوربي إذاك في تعاطيه مع المغرب بمحاولته لتحويل المغرب إلى دركي لحماية الضفة الشمالية للمتوسط)!

في هذا السياق يمكن فهم أبعاد التنسيق العالي مع الدولة الاسبانية، وتعيين “ضباط ارتباط” بين الجانبين … وكذا فشل الاتحاد الأوربي في قمته بتاريخ 23-04-2015، بشأن خطة جديدة في التعاطي مع الهاجرين.

إن سياسة الدولة المخزنية سواء في تعاملها مع المهاجرين داخل دول الاستقبال، والتي من عناوينها البارزة: الإقصاء من ممارسة الحقوق السياسية، والمراقبة اللصيقة من خلال الوداديات (سابقا) أو السياسة البهلوانية مع الآليات الجديدة (الوزارة المكلفة بالهجرة والمجلس الأعلى للمهاجرين)… تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على تواصل نهج التحكم في مصالح المهاجرين ومستقبل عائداتهم المالية ومجالات توظيفها داخل الوطن… ناهيك عن احتقار وإنكار المهاجرين واحتواء مطالبهم الديمقراطية. بله الإضرار بالريف موطنهم الأصلي، من خلال التهميش، وتوظيف عائدات الهجرة ضمن أجندة ” المتروبول المركزي”!

تحديات كبرى وكثيرة باتت مطروحة على كاهل الريفيين والمغاربة والعالم … أشرنا إلى بعضها في المقال/التقرير، من قبيل الأولويات المطروحة على كاهل حركة حقوق الإنسان في الخارج، دون الاستهانة بأهمية تفكير وتدبير المدخلات السياسية لمعالجة ذيول الظاهرة الهجروية، والتي هي في البدء والمنتهى نتيجة منطقية لفراغ سياسي قاتل، وظلم دولي جائر.

Comments

comments