محمد السقفاتي: ’موالين الدار‘ (قصة)

  • 0

عندما دخل الحاج أعْبسرام أمقران المدينة الفتية على صهوة بغلته الممشوقة القامة، الرشيقة، الهيفاء، البنية المائلة للحمرة، عدل جلسته على البردعة رافعا صدره وهو يستعين في هذا بطريقة تنفس محكمة، تضخم من صدره العريض وتعلي كتفيه وهامته وتجعل الأخيرة تظهر كمفخرة ما يعرف في التداول الشعبي ب “الشخصية”.

مسد الحاج أعبسرام ببطء وبحركات خفيفة على جلبابه الريفي الذي يظهر دوما وكأنه جديد. مرر عليه راحة يده بحركات يزينها التحضر والأناقة المرهفة التي تناسب رجل ’الشخصية‘.

عند مدخل الشارع المقصود بزيارته، رفع عينيه إلى نوافذ المنازل المصطفة بحثا عن شيء ما: وجه امرأة تطل من نافذة مفتوحة، شبح ظلال يتراءى كأثر للون قاتم يتحرك خافتا ببن فتحات قطع الخشبات الأفقية الموضوعة في توازي داخل إطار النافذة. يرفع الحاج بعدها ببصره إلى سطوح المنازل متمنيا رأسا منتصبا يراه فوق جدرانها أو بين فتحات الياجور المثبتة في أعلى السطح.

باصطناع يظهر طبيعيا جدا، أحدث كحة قوية، تلتها كحات أخرى أقوى. وضع لجام البغلة وثبته ببطء في المنطقة العليا بين رجليه، ثم رفع راحتي يديه إلى الأعلى وكأنه في مرسم لإتيان المعروف والصلاة لأجل الأعلى، منتبها في نفس الوقت لكل شيء يتحرك على بساط حيطان المنازل أمامه.

"وارتفعت أنفاس البغلة قبل أن يربت عن كفلها وذيلها"

“وارتفعت أنفاس البغلة قبل أن يربت على كفلها وذيلها”

عند اقتراب بغلته من منزل عائلته وعلى بعد عشرة أو عشرين مترا، أعاد الحاج كحته القوية وأرفع من صوته الشجي الرجولي:

– السلام عليكم يا ’موالين الدار‘.

بغتة فتحت نوافذ المنازل المصطفة في الشارع وطلت الرؤوس منها عليه، وهو يراقبها واحدة واحدة. يعيد الحاج أعبسرام إلقاء سلامه بفصاحة لسان وبلاغة حروف لا تجدها في الريف كله إلا عند أهل تمسمان.

في بدايات زياراته لعائلته، كان ما إن يلقي السلام، ويسمع ’موالين الدار‘ تحيته، حتى يسرع الأطفال لفتح “كراج” المنزل، فيدخل عمهم الدابة بشواريها بعد أن ينزل عليها. كان يزورهم مرة في أسبوعين موازاة مع مهمة التبضع من سوق ’السبث نيمزون‘ الأسبوعي.

لكن الأمور تغيرت…

*****

كم من مرة نبهه ’موالين الدار‘ الى أن تحيته لا تليق بالمدينة:

– أنت لست في القرية يا عمي. إنك تعرف منزلنا، اقترب من الباب ودق أو اضغط على الجرس. سنسمعه ونفتح لك. لا داعي أن يعرف كل سكان الشارع بمجيئك إلينا.

لم يعر الحاج اهتماما للكلام وانشغل في رمي نظراته المتفحصة في أرجاء المنزل وعقب بعد مرور وقت على كلامهم:

– من منا سافر أكثر ورأى هذا العالم الكبير أكثر؟ إلقاء السلام ليس محتكرا على القرية فقط. إن الله أوصانا أن نلقيها أينما حللنا. المسلم الحق يلقيها حتى على الكفار في بلاد الكفار، فما بالكم على أهل هذه المدينة الطيبين.

ولأن ’موالين الدار‘ يعرفون عناد عمهم وتعنته جيدا، اعتدلوا في كلامهم:

– نحن لا نحرم عليك إلقاء التحية يا عمي. فقط اقترب من الباب والقها كما تشاء.

غير الحاج جلسته ثم وقف. غادر بهو المنزل ودخل الغرفة المطلة على الشارع. فتح النافذة الكبيرة على مصراعيها وطل على النوافذ المفتوحة في طوابق المنازل المقابلة له.

– من هي تلك العائلة، من أي دوار ينحدر أفرادها؟ أي عمل يمتهن ’مول الدار‘ الصفراء؟

“ستشهد الأيام القادمة اختفاء السلال الممتلئة بالنعم. ستشهد أيضا تسللات الحاج الليلية الخفية إلى المدينة وتكف صيحته التي كانت تدوي مع كل زيارة”

استمع الحاج الى الأجوبة بينما لم يكف عن مبادلة نظرات خفية مع امرأة اعتراها الخجل في طابق مقابل. سأل الأطفال عن الكل وعن كل صغيرة وكبيرة سوى عن تلك المرأة التي ترمقه بنظرة إعجاب ومحبة ثم تختفي وتعود بعد ذلك الى النافذة. لكن حين رأى الحاج أن ’موالين الدار‘ انتبهوا لنظرته المركزة على تلك النافذة المفتوحة، سأل ببرودة دم وببراءة:

– ومن يسكن هناك؟

– إنها أرملة وتسكن بوحدها.

وغير مباشرة الموضوع عن الأرملة:

– ومن يسكن في ذلك المنزل؟

– وماذا يفعل زوج تلك المرأة التي هناك؟

حينما أنهى استنطاقاته واستفساراته، أغلق النافذة وراءه ووجهه تعتمره بسمة طفولية غريبة.

في زيارات الحاج أعبسرام التالية، كان يحمل معه أيضا سلة صغيرة إضافية:

– كل هذه السلال لكم سوى هذه السلة الصغيرة… احسبوها صدقة. صدقوا بها على جارتكم الأرملة المسكينة.

****

لم يغير الحاج في زياراته المنتظمة من طريقة القاء تحياته بصوت مرتفع ومن بعيد. لكنه بدأ في استطلاعاته الأولية يركز بصره أكثر فأكثر على نافذة الأرملة. زياراته بدأت تتضاعف ولم يعد يأتي يوم السوق في الصباح. إنه الآن يختار أياما أخرى وينزل على ’موالين الدار‘ مع بداية المساء حيث تبدأ الحياة تدب في أبواب منازل الشارع ونوافذها وتعرف أوج حركتها. فيقف الحاج أعْبسرام وقفة ’شخصية‘ أمام الباب ويترك بغلته خارج الكراج حيث يأمر ’موالين الدار‘ بإنزال الأثقال عنها، من سلال مليئة بما تزخر به تربة البادية من خضر وثمار ونعم أخرى، قبل أن تليها الشواري والبردعة.

يدخل الحاج يدا في قفة جلبابه ويخرج منها كومة يفتحها بتأن ويوزعها على أطفال الحي بدون تمييز. ثم يرفع جلبابه الثقيل ويدخل يده جهة صدره فيخرج منها كومة أوراق نقدية يتصفحها ورقة ورقة وكأنه يعدها، بينما نظرته مركزة على الأرملة التي حولت إطلالاتها من النافذة في طابق علوي الى السفلي، ثم إلى الباب الذي تفتحه وتطل من فتحة صغيرة فيه.

 

"ينظر الحاج نظرة أخيرة ويدير لها ظهره العريض"

“ينظر الحاج نظرة أخيرة ويدير لها ظهره العريض”

ربت الحاج على جلبابه الأنيق بيده وكأنه يربت على ظهر طفل بحنان. يعيد الأوراق النقدية إلى مكانها ويمسد بطنه وثوب سرواله بلطف كبير. يدخل يدا في جيبه ويخرج قطعا نقدية يوزعها على أطفال ’موالين الدار‘ دون غيرهم وهو يقول لهم بصوت رجولي، لكن حنون:

– أتعيزيم خافي أتعيزيم خافي. أمري اوفيخ أتيري أقاي دا أكاديوام كل انهار كل أدجيراث**.

يقولها مبتسما وهو يبادل نظرة مع الأرملة وكأنها هي من يكلم. وكأن كلمته الأخيرة موجهة إليه دون غيرها، فتبتسم في وجهه وتحاول في حركة وكأنها تغلق الباب، لكنها تقصر فقط فتحته ثم تحرك الباب ببطء لتتضخم الفتحة ويظهر جزء كبير من جسدها المكتنز الممشوق. ينظر الحاج نظرة أخيرة ويدير لها ظهره العريض ليتوجه الى ’موالين الدار‘.

لقد تغير الحاج كثيرا، حتى إنه لم يعد يلقي التحية من بعيد. ربما أدرك أخيرا أن المدينة ليست بالبادية وما عليه إلا أن يندمج في أخلاقياتها. لم يعد يجهر بزياراته وكلما أتى، إلا ووجد الأرملة وكأنها سعيدة برؤيته وبالنظر إليه، تنتظره. حتى بغلته لم يعد يصحبها في زياراته للمدينة. آخر مرة جاء ’موالين الدار‘ راكبا على بغلته وبعد أن وزع على الأطفال حلوياته وخلصت البغلة من أثقالها، اقترب منها وشد بعنف لجامها على مستوى قريب جدا من شفتيها الغليظتين ليجرها بقوة إليه، في حين أن الأرملة التي كانت تنظف أرضية منزلها بالماء، توقفت على وقع عنف حركته المفاجئة وقطعت أنفاسها. أوقفت أشغالها وتركت بدون وعي منها عصى ‘أجَفَّافْ’ الطويلة تركن في تمايل بين فخذيها وهي تمسك الباب بيد، وبالأخرى تداعب أذنها ممررة إياها صعودا وهبوطا في نصف دائرة مقتفية شكلها الأسطواني. أخذت خصلة شعر بين السبابة وإبهامها وبدأت تداعبها وهي تحاول أن تدثر بها خدها الذي بدأ يتغير في لونه ويكتسي لون الإثارة والخجل. تركت أصابعها خصلة الشعر لتتابع خطا على طول وجهها فترى أصبعا يلي الآخر في ملامسة ناعمة وحذرة لبشرتها الرقيقة.. وكأن رأس كل أصبع على حدة ريشة في يد فنان يحاول أن يضع على اللوحة خطوطا رقيقة، وكأنه يريد رسم شعر الرأس، خصلة خصلة.

الحاج أعْبسرام بدوره انشغل بمسد شعر البغلة على ناصية رأسها باهتمام فنان غيّر ريشته بأصبع الأرملة. نزّل أصابعه الغليظة في لمسة مداعبة حول جبهتها العريضة مارا الى مخطم رأسها. أخذ في راحة يديه العريضة شفتيها وفتحهما. قرب البغلة منه أكثر. ترك راحة يده اليمنى تمسد على قوس عرفها في حركات تعرف امتدادا وجزرا. دار بيده ومررها هذه المرة بظهرها على رقبتها وكأنه يريد التأكد في صبيب العرق وشدة الحرارة واشتداد عضلات رقبة البغلة. لامس العضلات القوية لكتفها. شدها بعنف وأرخى بعد ذلك وتر راحته.

تنورة الأرملة المرفوعة  تتقطر على قدميها العاريتين. قطرات أخرى تنساب على طول ساقيها لتتحد مع أرضية المنزل التي لم تجفف بعد. وضعت الأرملة ثقل جسدها على جنب الباب الرقيق الذي أسندت إليه صدرها ليجعل ثقلها الباب يتأرجح ببطء. فتحت الأرملة جفون عينيها وأغلقتهما وكأنها غارقة في استحلام. في حلم لا تريد أن يغادر جفونها. اقترب الحاج أعْبسرام أمقران من الدابة أكثر حتى أن بروز الكتف وصدرها المعضل المنتفخ ركن تحت بطنه. مسد ظهرها وغير من وضعيته كي يتمكن من أكثر.

تصببت الملابس السفلية للأرملة وعرق الحاج وارتفعت أنفاس البغلة قبل أن يربت على كفلها وذيلها ويتفحص ساقيها وفخذيها ويعطي بعدها صفعة قوية مدوية على أردافها الملساء، أيقظت الكل من شروده وأحدثت ارتعاشا في الجسد المكتنز للأرملة، أعادها الى الوعي بعدم اكتمال مهمة تنظيف المنزل وتجفيف أرضيته.

كانت هذه آخر مرة ترافق البغلة الحاج في زيارته للمدينة.. ستشهد الأيام القادمة اختفاء السلال الممتلئة بالنعم. ستشهد أيضا تسللات الحاج الليلية الخفية إلى المدينة وتكف صيحته التي كانت تدوي مع كل زيارة:

– السلام عليكم يا ’موالين الدار‘.

 

هامش:

* كل تشابه في الاسماء او الوقائع فهو محض صدفة ليس الا…

** أحبكم.. أنتم عزيزون علي، كم أود أن أكون هنا معكم كل يوم وكل ليلة.

Comments

comments