محمد أمزيان: موت الروح والضمير

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

ونحن طلبة في ثانوية أبي يعقوب البادسي بالحسيمة أواخر السبعينات، سألَنا الأستاذ القدير المرحوم “بروكلمان” (وهذا لقبه تيمنا بالمستشرق الألماني كارل بروكلمان) عن معنى “الروح”. أجابه أحد الطلبة بجواب لم أتذكر مضمونه، لكنني أتذكر جيدا تعقيب الأستاذ أحمد الطاهري (وهذا اسمه الحقيقي) بحزم وبعربية مُتبّلة بالريفية: ” قَا..  حتى الحيوان فيه الروح”!!

لعل جواب ذلك الطالب كان يخص “الروح” التي تعني الحياة مقابل الموت وهي لا تخص الإنسان وحده، بينما الأستاذ الطاهري كان يبحث عن شيء آخر. كان يبحث عن المعنى الفلسفي للكلمة؛ تلك الروح القائمة بذاتها، والتي يتأسس عليها الشعور والإدراك بجوهر الأشياء وقيمتها المادية والمعنوية، وهذا في اعتقادي ما نفتقده اليوم في تعاملنا مع بعض القضايا التي تؤلم ما بقي فينا من ضمير، وتشل قدراتنا على التفكير الهادئ والسليم.

قضية الباحث والناشط الحقوقي المعطي منجب، في صراعه من أجل ما بقي له من رئة يتنفس منها حرا حتى ولو فقد حياته (وليس روحه)، تخاطب غياب الروح وموت الشهامة. قد يذهب الأستاذ المعطي إلى أبعد مدى ويفارق الحياة، عندئذ ستبقى صيحته موجعة وتتحول إلى لعنة متوارثة. وكأننا لا نتوارث إلا اللعنات.

قضية أخرى لا علاقة لها في الظاهر بصراع المعطي منجب، إلا أنها تتشابه معها في كونها ضحية موت “روح” المسؤولية، وغياب الإحساس الجماعي بحجم الجريمة التي ترتكب أمام أعيننا ونحن صامتون. إنها جريمة تدمير رئة المزمة (الحسيمة) بإعدام غابتها الوحيدة التي تحدت عاديات الزمن، وها هي الآن تُقدم قربانا لسماسرة العقار، كما كان المصريون القدامى يقدمون أجمل نسائهم قربانا للنيل الجائع تقربا لسماسرة الدين. غابة السواني هي أجمل ما بقي على ذلك الساحل المُحجّر القاحل.

“استغاثة غابة السواني تشبه استغاثة المعطي.. جاءتا في زمن موت الروح والضمير”

وللتذكير فقط، فإن المزمَة كانت حاضرة مزدهرة في فترة من فترات تاريخ الريف، وميناء نشطا كان يعد بوابة إمارة النكور (تأسست النكور أواخر القرن الهجري الأول) التي استقل بها مؤسسوها عن المشرق، مثلما استقل الأدارسة والمدراريون السجلماسيون والرستميون. إمارة النكور وبوابتها البحرية المزمة، تعرضتا لهجمات خارجية متتالية لكنها صمدت بعناد، إلا أن نهايتهما جاءت، ويا لسخرية الأقدار، على يد المرابطين في عهد قائدها المشهور يوسف بن تاشفين، أواسط القرن الخامس الهجري. وفي العصر الحديث تعرض مجال إمارة النكور للطمس حينما أنشيء مشروع سد الأمير عبد الكريم الخطابي على جانب منها (ذاندا حوا، بِرْكة حواء)، كما تعرضت المزمة بدورها للتخريب حينما أقدمت شركة “نادي البحر الأبيض المتوسط” على إقامة منتجع سياحي فوقها خلال بداية الستينات من القرن الماضي. بيد أن تلك الشركة الفرنسية العالمية حافظت، على الأقل، على الحزام الغابوي الوحيد الذي يمتد بضع كيلومترات على مرمى حجر من جزيرة النكور المحتلة من قبل الإسبان منذ القرن السابع عشر حتى الآن.

أشعر اليوم وكأن تلك “الروح” التي حدثنا عنها المرحوم “بروكلمان”، هي التي يتم ذبحها على مسلخ العبث.

لست ضد الاستثمار في الريف، أو ضد النهوض بالقطاع السياحي وما إلى ذلك من مبادرات لا ينكر عاقل أن الريف في حاجة إليها، تماما مثلما تحتاج إليها المناطق المنسية الأخرى من المغرب “غير النافع”، إلا أنني أتساءل فقط: هل المشاريع التنموية لا يكتمل نموها إلا باستئصال الرئة التي تتنفس منها المدينة وسكانها؟ هل كُتب للريف أن يفقد ذاكرته (المزمة، النكور، قيادة الأمير الخطابي…) أولا، قبل أن يحصل على حصته من التنمية؟

استغاثة غابة السواني تشبه استغاثة المعطي.. جاءتا في زمن موت الروح والضمير.

 

*نشر في المساء (الورقية)، 27 أكتوبر 2015

Comments

comments