حسيميات جمال أمزيان: فاطمة جاب الله.. جدة فاضلة وشخصية نسوية من قريتي

  • 0

المشهد التاسع 2/1

الطبيعة، وعطفا على ما سبق في المشهد السالف، كانت وما تزال قاسية جدا في قريتي. قرية النكبات والآمال المكبوتة والمقتولة في مهدها بسبب ماضيها وحاضرها، ولم لا مستقبلها. فهل هذا من مشيئة القدر أم من فعل فاعل ظاهر أو مستتر؟

صحيح أن المناخ، وكما تشير إلى ذلك مختلف الدراسات العالمية والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية وناشيونال جيوغرافيك وغرين بيس في هذا المجال، قد تغير. إلا أن تغيره كان بمثابة وبال على قريتي. شح الأرض وجفافها الطويل صيفا أو الثلوج الشتوية والرياح القارسة ساهموا في هجرة وتهجير ابن بلدتي كلما سنحت له فرصة ذلك. وهكذا تجده رحل وارتحل وغادر إلى رثنين ن أيث بوعياش، أو الحسيمة أو إلى أبعد من ذلك (طنجة، تطوان، الناظور، القنيطرة، سيدي قاسم….) أملا في ظروف عيش أفضل.

شتاءات قريتي كانت طويلة، أو ربما هكذا كنا نعتقد، ذلك أن الوقت زمنذاك لم يكن يقاس بالساعات السويسرية، بل بطلوع الشمس وبغروبها، وبآذان الفقيه الداعي إلى الصلوات الخمس، أو بساعات من نوع “دوغما” التي لم تكن إلا لدى القلة القليلة من أبناء قريتي. وحينما يقترب فصل الصيف وتلبس الطبيعة فستانا آخر يغلب عليه اللون الأصفر مع قليل من الاخضرار الربيعي، يحدث العكس، يطول النهار ويقصر الليل. وهكذا تتغير عادات وتقاليد وأعمال واهتمامات وأولويات سكان قريتي تبعا لتعاقب الفصول. غير أن هذا تغير مع الكهربة والسيارة والصحون المقعرة والجوال وتغير المناخ.

هذا البيت في قرية آيث بوخلف كان مقر قيادة انتفاضة الريف 59/58

هذا البيت في قرية آيث بوخلف
كان مقر قيادة انتفاضة الريف 59/58

لما كنا صغارا، لم يكن للترانزستور ولصحون البارابول ولا للكهرباء وجود. بل لم يكن حتى الحديث عن هذه التكنولوجيا واردا في أماسي تلك الشتاءات الباردة لتلك السنين. ومع ذلك فقد كانت لتلك الليالي نكهة قل نظيرها، على الأقل بالنسبة لي. لقد كنا، نحن الأطفال، وعقب إيابنا إلى المنزل بعد أن يكون اللعب والسير قد هد أجسامنا الغضة ونحن عائدون من مدرسة أربعاء توريرت، وبعد إنجاز بعض التمارين وإعادة قراءة نصوص تلاوة أحمد بوكماخ وحفظها عن ظهر قلب، نتجمع حول النار الموقدة وسط فناء المنزل، أو في بيت تعلو سطحه فتحة للتهوية تجنبا للاختناق، نتسامر ونحن نحكي حكايات السندباد البحري وعيشة قنديشة وبوخَبَّاس وثَامْزا وجَحَّا، نسرد ثِنْفَاسْ، أي ثِيحُوجَا،  أو نلعب ثْوَافِيتْ التي هي عبارة عن ألغاز يتوجب حلها. وكمثال على ذلك أذكر ثوَافِيتْ التالية: “ثَزْوأ آغْزَا أُوذْحِذِي أَمَانْ”. هكذا كنا نقضي أماسينا الشتوية ونحن متدثرون بما توفر من أغطية حتى تغلق جفوننا ونغوص في أحلامنا اللذيذة أحيانا والمزعجة أحيانا أخرى إلى أن ينبلج الصباح لتبدأ الحياة تدب من جديد سواء في المنزل أو خارجه.

حينما يحل الصيف ويحين وقت جمع الغلة من شعير وقمح ولوز وعنب، لا وقت للراحة أو اللعب. الكل كان يشتغل، كخلية نحل. هناك من يجمع حبات الشعير قبل نضجها النهائي لصنع ما يعرف بالريفية “إِوْزَانْ”، وهناك من يتكلف بطبخ خبز الشعير في الفرن التقليدي، وما ألذه. وفي هذا السياق كان يقال لنا “كلوا خبز الشعير الذي يربي الأكتاف والركبتين ويقويهما، وابتعدوا عن خبز القمح الذي يضعف أجسادكم ويجعلكم غير قادرين عن العمل، هذا الخبز الذي لا تراه أعيننا، وبالأحرى تناوله، إلا في المواسم والأعياد، أو يوم “العنصرة”،

بعد نهاية كل موسم دراسي، لما كنت أدرس بمدرسة أربعاء توريرت، كنت دوما، أنا “الصبي المدلل” أرافق الحاجَّة التي جعلتني محل ابنها “الرئيس” الغائب الحاضر.

جمال محمد سلام أمزيان صورة مدرسية - قسم الشهادة الابتدائية

جمال محمد سلام أمزيان
صورة مدرسية – الشهادة الابتدائية

كانت الحاجة فاطمة، وهي من النساء القلائل، إن لم أقل الأولى في قريتي التي زارت الأماكن المقدسة امرأة مكافحة، مجدة ومثابرة، مناضلة بالمفهوم الواسع لهذه اللفظة دون إيديولوجية ما، سواء أكانت شرقية اشتراكية شيوعية أو غربية رأسمالية إمبريالية.  كانت آخر من يأوي إلى الفراش والأولى التي تستقبل اليوم الموالي مع صياح الديك وانبلاج الصبح. متواجدة في كل مكان، بالمنزل، بالحقول، بالبيدر، بالسوق. تعيش على الكفاف وببساطة. لا يهمها مظهرها بعدما فارقها زوجها سنة 1954، ورحل ابنها البكر مجبرا بعد انتفاضة العزة والكرامة. لمسة الحزن دائما تعلو محياها وقلما تبتسم. همها الوحيد هو تأمين العيش والمعيشة لأهل الدار، تلك الدار التي كانت قبل سنوات قليلة مقر قيادة انتفاضة الريف.

ما زالت ذكرى هذه الواقعة التاريخية تخيم في أذهاننا وتسكن عقولنا وتسدل بظلالها في كل بيوت المنزل. فأينما وليت وجهك، وألقيت بنظرة على أسواره، تتذكرها وتحس وكأن روح الرئيس ما زالت هناك، تتماهي في كل شيء من هذا المسكن الذي أعيد بناؤه بعد أن دمرته الآلة العسكرية الجهنمية لحاكمي البلد.

الحاجة فاطمة امرأة عادية في كل شيء. وفي اعتقادي، يندر مثيلها في هذا الريف الأبي العنيد مع الطبيعية. هي ليست خريجة الهارفارد ولا جامعة كامبريدج ولا ليدن ولا يال، إنها خريجة مدرسة الحياة. تعايشت مع أحداث القرن العشرين كلها حتى وإن كانت لم تتفاعل إلا مع التي مستها بشكل مباشر بدءا من فرارها، وعلى ظهرها ابنها، قائد انتفاضة الريف، من غارات الطائرات الإسبانية سنة 1926 التي كانت قنابلها لا تبقي ولا تذر. غادرت مكرهة قريتها أيث بوخرف في اتجاه أعالي جبال الريف ولم تصل إلى إهارونن إلا وهي منهوكة القوى. في الطريق، وفي لحظة ضعف، وأمام شدة القصف الجوي، وخوفا على فلذة كبدها، راودتها فكرة إخفاء ولدها البكر لعله ينجو من الغارات الجوية الإسبانية العنيفة. وفعلا، وهو لم يتجاوز بعد سنته الأولى من عمره، تركته يستظل بشجرة تخفيه أغصانها عن القصف في تيزمورين. سارت بضعة أمتار، رجلاها إلى الأمام، لكن عيناها إلى الوراء وإلى السماء وأنينه يتناهى إلى أذنيها، غير أن القدرة الإلهية وغريزة الأمومة كانتا أقوى وجعلتاها تعدل عن قرارها، فعادت أدراجها نحوه والتقطته بيديها واحتضنه بين ذراعيها بقوة وكأن هتافا هتف في أذنيها وأعماقها أن ذلك الرضيع، ذو العينين الوقادتين، لربما سيكون له شأن عظيم في المستقبل.

عاشت الحاجة أهوال الحرب العالمية الأولى والحرب التحريرية بقيادة الخطابي، ثم الثانية وما ترتب عنها من مجاعات في الريف بصفة عامة. إلا أنها آنذاك لم تبرح قريتها، بل كافحت بعدما تمكن زوجها من تأمين حاجيات الأسرة

الحاجة فاطمة جاب الله والدة قائد انتفاضة الريف

الحاجة فاطمة جاب الله
والدة قائد انتفاضة الريف

بممارسته للتجارة واقتناء الأراضي، وهو ابن أخ القائد حدو موح أمزيان الذي كان أمغارا عن القرية وقائدا أيام جهاد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي على الجبهة الجنوبية بإشَاِويّا ن إكَزناين. ويقول أزرقان في كتابه الظل الوريف، إنه لما وصل الإسبان إلى بُوعَلْمَة، ثم أيث بوعياش، وبعد اعتقالهم لمجموعة من المجاهدين واقتيادهم إلى سوق رَثْنَيْنْ ثَابَارِيثْ، صاح فيهم الضابط الإسباني متسائلا عمن يكون قائدهم في هذه الناحية. وجم الجميع ولم ينبس أحد منهم بكلمة خوفا من القمع والانتقام بكل أشكاله. غير أن القائد حدو تقدم إليه وقال له: “هؤلاء كلهم كانوا تحت إمرتي وأنا المسؤول عنهم”. نظر إليه الجندي الإسباني وفكر مليا ثم قال له: “لقد عينتك من الآن قائدا عليهم”. وهكذا أصبح حدو موح أمزيان قائدا على فرقة أيث بوعياش وأيث ثوريث، وهو المنصب الذي ظل يزاوله حتى سنة 1954. وبالطبع فهذه السياسة، أي سياسة الاعتماد على قواد الأمير زمن الحرب، هي التي ستمكن الإسبان من السيطرة على المنطقة وتجنب ردود فعل ما. لقد كان القائد مهاب الجانب، لا يخاف في الحق لومة لائم، وكان الإسبان يحترمونه جدا. ويذكر هارت أنه لما أراد الإسبان عزله في السنة الواردة أعلاه، لم يستطع الحاكم العسكري أن يبلغه الخبر لما كان يكن له من احترام. أما حكاية عزله فيمكن الرجوع إلى كتاب أيث ورياغر حيث ورد فيه أن بعض معارضي القائد، زاروا المندوب السامي بتطوان وألقوا عليه “العار” مع ذبح خروف أمام مقر المندوبية. وأمام هذا السلوك الذي كان سائدا في الريف عندما يراد تحقيق مراد ما، سواء عند شخص أو لعقد صلح بين المتخاصمين، فما كان على المندوب سوى إصدار الأمر بالعزل، والقائد آنذاك كان متقدما في السن ومريضا، إذ لم تمر سوى بضعة أشهر فقط حتى غادر هذه العاجلة ملتحقا بابن أخيه الحاج سلام الذي سبقه بشهور قليلة.

صورة نادرة تجمع القائد حدو موح أمزيان مع ابن أخيه سلام أزرقان موح أمزيان التقطت الصورة في أربعاء تاوريرت أواسط الخمسينات

عادات وتقاليد عديدة تربى عليها أهل قريتي وكانوا متشبثين بها إلى درجة كبيرة راحت وانتهت ولم تعد الآن سوى ذكرى لدى المعمرين القلائل، بل يمكن القول إنه حتى هؤلاء نسوها أو تناسوها لما غزاهم من مظاهر جديدة مع الهجرة والصحون المقعرة وشاشات البلازما والثلاجات.

التآزر بين أبناء قريتي كما كان لم يعد. ومن الأمثلة على ذلك “ثويزا” أثناء عمليتي الحرث والحصاد وجمع التبن على شكل أكوام تعرف بأمازيغيتنا “أثمون” وتجمع على “إِثُومَّا”، أو حتى إصلاح طريق أو شق أخرى جديدة، أو إصلاح قناة مائية أو بناء حاجز مائي أثناء الصيف لحجز الماء في الأودية لقلته. لم تكن هذه الأعمال الجماعية الاجتماعية مجرد تعاون فيما بين أبناء قريتي، لقد كانت أيضا فرصة للمسامرة والحكي والسرد وإبداء المهارات والتنافس الشريف. كما كانت مظهرا من مظاهر التآخي والاعتزاز بالانتماء إلى الجماعة. الجميع كان يشارك، سواء الصغار أو الكبار أو الشباب. …. أما في وقتنا الحاضر، فكل شيء غدا بالمقابل. غاب التآخي وحلت الفردانية.

“إزران”، وهي الأبيات الشعرية التي تتغنى بها بنات القرية الصغيرات أو العازبات، سواء في الحقول أثناء جمع الحشائش أو الغلة، أو في الأعراس، أو حتى أثناء الذهاب إلى البئر لجلب الماء، أو إلى أراضي الجموع للاحتطاب أو لرعي الماشية، لم تعد قائمة اليوم، ذلك أن كل ما ذكر من تلك الأشغال ذهبت هي أيضا كما ذهبت تلك الأيام السعيدة البسيطة. ف “إم. بي 4″ والهواتف النقالة والواتساب وروتانا، غيرت كل شيء. لم تعد في قريتي دجاجة ولا بيضة “بَلْدِية” ولا بقرة ولا شاة ولا عنزة ولا خبزة شعير. كل شيء مستورد من سوق إثنين ن أيث بوعياش أو من سوق أربعاء توريرت. وبذلك فقدت بنات قريتي ملكة الإبداع في الشعر الأمازيغي، سواء منه المدح أو الهجو المسمى “رَمْعَانِي”. بصراحة، لقد كنا نطرب معهن ونحن صغارا، وهن يُبْدعن بالفِطرة دون أن يسمعن لا على مدرسة الديوان أو غيرها.

بعد جمع الغلة يتم خزن جزء منها في المطامر (ذاسرافث) تحسبا لآفات الزمن وعواديه، والجزء الآخر يودع في سلال كبرى للاستهلاك. أما غلة اللوز والتين والعنب فتباع في الأسواق القريبة من قريتي: قرية ايث بوخرف. فما هي هذه الأسواق؟ وما هو الدور الذي كانت تلعبه في حياة أهل قريتي وأهالي القرى المجاورة؟

ذلك ما سنقرأه في الحلقة القادمة

المضيق 17 أكتوبر 2015

Comments

comments