محمد أمزيان: اللجوء إلى أوروبا.. صقيع ما بعد حرارة الترحيب

  • 0

في مدينة كولن الألمانية تلقت هينرييته ريكر، وهي مرشحة غير منتمية حزبيا لمنصب العمدة، طعنة بخنجر أدخلتها المستشفى. في مدينة روتردام الهولندية تعرض عمدتها أحمد أبو طالب لوابل من الشتائم من قبل مواطنين غاضبين. في استقراء الرأي العام الأسبوعية ظهر أن حزب الحرية الشعبوي لزعيمه خيرت فيلدرز قد يحصل على أكثر من ثلاثين مقعدا لو أجريت الانتخابات التشريعية الآن. في فرنسا اتهم رئيسها فرانسوا أولاند خصومه السياسيين بالترويج لأرقام مغشوشة لزرع الخوف في النفوس. فما الذي يجمع بين هذه العينة من الأحداث المتفرقة؟

محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

ما يجمع بينها هو خيط رفيع يفصل مأساة اللاجئين القادمين من مناطق الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، عن تراجيديا السياسية الأوروبية “الواقعية”، والتي لا تخلو من حسابات الربح والخسارة. وما دمنا أتينا على ذكر الربح، فلا حرج أن نشير إلى ما جنته تركيا من أموال وامتيازات. تركيا عرفت كيف تفاوض وكيف تجعل القادة الأوروبيين يذعنون بسرعة البرق.

ففي غضون الأسبوع المنصرم توصلت دول الاتحاد الأوروبي المجتمعة في بروكسيل، إلى اتفاق مبدئي مع تركيا يقضي بمساعدتها على إيواء مزيد من اللاجئين السوريين فوق أراضيها وقرب حدودها مع سوريا. إلا أن تركيا التي خبرت العقلية الأوروبية عن تجربة، تمكنت من “استغلال” قضية تدفق اللاجئين على بلدان أوربا برا عبر رومانيا وكرواتيا والتشيك، أو عبر البحر المتوسط واليونان، لتطلب ما تشاء. حصلت تركيا دون عناء على ثلاثة مليارات من اليوروهات نقدا، فضلا عن إلغاء العمل بتأشيرة دخول الموطنين الأتراك إلى دول الاتحاد الأوربي، زيادة على تسريع مباحثات احتمال انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهو مبتغى بعيد المنال على المديين القريب والمتوسط على الأقل. حتى الرئيس التركي أردوغان فوجئ بسرعة قبول الزعماء الأوروربيين لسلة المطالب التركية، ولو طلب أكثر لحصل عليه دون نقاش. الساسة الأوروبيون على استعداد للدفع مقابل الحفاظ على وزنهم الانتخابي. هذا هو واقع الحال.. فبعد “حرارة” الاستقبال حل “صقيع” الواقعية السياسية.

“في تعليق له بعد أن تعرض للشتم، تمنى أحمد أبو طالب لو يعتذر الشاتمون عن فعلتهم”

رئيس الحكومة الهولندية مارك روته الذي يرى كيف “يلجأ” أتباعه بالمئات للحزب المنافس؛ حزب الحرية، أوضح للرأي العام أن إعادة نشر اللاجئين السوريين على الحدود التركية، لا بد لها من ثمن. كل القادة الأوروبيين وافقوا على التسديد.

هل تخلت أوروبا عن وجهها “الإنساني” وعادت إلى حقيقتها القائمة على معاداتها لكل ما هو غريب؟ لا أعتقد أن أوروبا فقدت إنسانيتها، إلا أن حكوماتها وجدت نفسها أمام مأساة فاقت كل حساباتها. فألمانيا التي رحبت على لسان زعيمتها القوية أنجيلا ميركل باللاجئين، وردت بما يليق من حزم على المعارضين، عادت لتخفف من لهجة الترحيب وتسوق خطابا وسطيا يرضي المرحبين ولا يغضب المعارضين. كما أبدى عدد من الحكومات الأوروبية “تفهما” لقلق مواطنيها وغضبهم وخروجهم للاحتجاج الذي بلغ في بعض الحالات مستوى المواجهات بين الشرطة والمحتجين، مثلما حدث في بلدة “أورانيه” الصغيرة الواقعة في شمال البلاد، والتي ارتأت السلطات إيواء عدد من اللاجئين يفوق سكان البلدة! زعيم الحزب الاشتراكي إيميل رومر (معارضة) اتهم الحزب الليبرالي الحاكم بتعمد إرسال اللاجئين لهذه القرية الصغيرة بهدف خلق نقاش يؤدي إلى مزيد من الإجراءات المشددة ذات الصلة بالهجرة واللجوء.

في تعليق له بعد أن تعرض للشتم، تمنى أحمد أبو طالب لو يعتذر الشاتمون عن فعلتهم. في كولن الألمانية أوقف خصوم هيرنييته ريكر حملتهم الانتخابية. ومن أوستراليا حيث يقوم خيرت فيلدز بزيارة عمل، حث هذا الأخير أتباعه في تغريدة، على مواصلة “المقاومة”؛ مقاومة “تسونامي” اللاجئين على حد وصفه.

*فازت هينرييته ريكر بمنصب العمودية في الانتخابات التي جرت الأحد..

** نشر في المساء (النسخة الورقية)، 20 أكتوبر 2015

 

Comments

comments