نجاة بقاش: مملكة الجنون “كلارا…مرافقة الأمير” – 7

  • 0

لكنة إسبانية أندلسية، حدثتني مرافقة الأمير قائلة: أنا اسمي كلارا…وأنت؟

مدت يدها لمصافحتي… بل لتكسير الجدار الذي كان واضحا بيننا… لم أدر بالضبط ما سبب توجهها لي بالسؤال؟ ربما درجة الفضول لديها عالية… ربما حدسها الثاقب هو من ساقها نحوي صدفة… ربما ملامح وجهي التي لا تشبه ملامح غيري… ربما لباسي الذي لم يعتده جسدي… أو ألوان قوس قزح الملطخة فوق جفوني… كانت وراء الاهتمام…

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

هي فرضيات كثيرة تتسابق لتنال الصواب… إنها تعمل جاهدة حتى تعرف كل شيء عني…من تكون السيدة التي اهتم بها الأمير؟…كيف لي أن أغيب عن قاعدة المعلومات الدقيقة ؟…اهتمامها لم يكن لذاتي…بل لاهتمام الأمير بي…تلك الرغبة الجانحة في تملك المعلومة….بل تملكي…كانت الصفة الوحيدة التي تجمعها بالحاجب…

أحرجتني كلارا بتلقائيتها النابعة عن الذات المنسجمة… بل أحرجتني بسؤالها الغير متوقع… اهتمامها الكبير بي كاد يسيل دمعي… ماذا سأقول لها؟… ماذا سأقول لكلارا السعيدة باسمها، بعملها، بأميرها، بل بانتمائها؟… كل شيء فيها يتحدث عن سعادة كلارا… وعظمة اسبانيا… ماذا سأقول عن اسم كادت تمحي حروفه، دموع غزيرة ذرفتها عيوني؟… هل سأحدثها عن الأجنحة المكسورة… أم عن الذات المجروحة… أم عن اسمي الأسطورة… أم عن سبب وجودي في المأزق هنا؟ هل سأنسحب من الحوار كالجبانة… وأترك المكان فارغا يملأه غيري؟… هل سأكذب وأتجمل؟… وأكون بذلك في وضع ليس أفضل حال من الأول… أم سأقول الحقيقة وأبدو بذلك ضعيفة… في وضعية غريب يبحث عن وطن يؤويه؟… سؤال ينتظر مني الإجابة الفورية… قرار صعب علي اتخاذه وحدي ككل مرة…

سمعت صوتا هاتفا نابعا من أعماقي يملأ السماء، يجيبها ” نش ثرلي”… أسيرة الأمير… أغني الحرية في الشمال والجنوب… أنشر الحقيقة في كل مكان… أبحث عن أم  وأب يعرفني… عن مكان أرسو فيه بظلالي… أكتب عليه اسمي، حتى لا ينسى من بعدي…

“تشرفت بمعرفتك…سيدتي”… ابتسمت لي كلارا مستغربة… ربما لم تفهم بذلك قصدي… ربما اعتبرتها مزحة مني…”كم هو رائع أن يلتقي الشمال بالجنوب… في مثل هذا اليوم…. أليس كذلك يا سيدتي؟”… بهذه الجملة المركزة استرسلت حديثها… كلارا مرافقة الأمير… نظارتها لي ليست ككل النظرات… أسئلتها الصعبة كانت تحاصرني… لا أجد منها مفرا… كل شيء يدل على أن المرافقة بدأت تحقيقها معي… فجهاز التشريح الدقيق بدأ يركز أشعته على كياني… لا مجال لي للفرار، فكلارا أمامي والحاجب ورائي على تعبير المقولة… وليس لدي اختيار آخر إلا المواجهة… فراسة كلارا وحدسها الثاقب يقيها من ارتكاب الخطأ… وتفويت الفرصة الثمينة كهذه… فمعرفة خبايا الذاكرة المنسية… والغوص في أغوار المملكة السعيدة… يبقى ضمن شغلها الشاغل…

قبل أن أجيبها، توجه النادل نحوها: “ماذا تفضل أن تشرب سيدتي…أصب لها الشاي أم المدام؟”… أوقف النادل الحديث… بفعل فاعل… يريد إبعادها عني بأي ثمن… حتى لا يأخذنا الحديث بعيدا ويفضح أمر الحاجب… ويقع السيد في المأزق… أمام الضيف المخدوع… وتعمل ” ثرلي” على كشف المستور… وفضح الكذبة الكبيرة بعد كل هذا العمر… ككل مرة يجد الحاجب نفسه ضعيفا في الموقف… مضطرا أن يبقيني بعيدة عن الأنظار… ألم يقل يوما إن لساني طويل؟… ألم أدعي وجود حقيقة غير الحقيقة؟… ألم أر الأشياء مجردة بلا ألوان؟ يخشى أن تشرق الشمس من المغرب… وتؤمن الطيور بقضيتي… وتصبح في الوفاء مثل قطتي…

“أفضل كأسا من الشاي المنعنع رجاء”، أجابت المرافقة بدون تردد… “أفضل شرب الشاي على طريقتكم حتى لا أنسى أبدا من قابلتهم… زرت بلادكم عدة مرات، إلا أن هذه المرة سوف يكون لها طعم مختلف…” أضافت كلارا مرافقة الأمير…

أدركت حينها أن الأمير لم يكن مخطئا في تقديم وتقدير مرافقته… ذكاؤها يكاد يجعل المرء يصدق أن الشمال والجنوب توأم… وأن طعم الحياة فيهما واحد… إن ذكاء كلارا يفوق كل تصور… تفوق لا مثيل له عندنا… في الحكمة والتبصير… في المصالحة مع الذات…. قمة الانسجام بين الفعل والفاعل… بين الظاهر والباطن… بين الحقيقة والخيال… بين الجودة والحياة…

حدثتني كلارا السعيدة عن شموخ الجبال…وعن جمال الصحراء…إلا أنها تفادت أن تحدثني عن الشمس والإنسان…كيف لكلارا أن تميز بين الجغرافية والتاريخ؟!!…بين المجال والإنسان؟!!…أظن أن رفيقة الأمير مارست رياضة القفز على القيم، لأسباب…اعتبرتني  عنها غافلة…

“ماذا سأقول لكلارا السعيدة باسمها، بعملها، بأميرها، بل بانتمائها؟”

بدوري لم أفوت فرصة الحديث عن الثغور والبحار… عن جبل طارق… والحكم الذاتي والإقليم الباسكي… وعن مدى الألم الذي تسببه الكوريدا للثيران… وعن العداء الذي قد يسببه السكوت عن الحيف في الجنوب… ولامبالاة الجارة في الشمال… احمرت وجنتا مرافقة الأمير… أحست بالخزي والعار… ذكرتها… في لحظة حاولت فيه النسيان… احمرار وجنتيها أضاءت المكان… اعتبرها الحاجب إشارة منها للتدخل السريع… قمت مقامه بكل تلقائية… شرعت بالتخفيف عن وطأتها… حدثتها عن إعجابي بالقصر الأحمر… وحدائقه البديعة… عن نظافة المدينتين… وعن رقصة الفلامينكو وترحال الغجر… توقفت كلارا دقيقة عن الكلام… تبحث عن أفكارها… عن بوصلتها لتدلها… عن كلبها حتى يحميها… قبل أن تسألني مجددا عن رياضتي وهوياتي المفضلة… محاولة منها تلطيف الأجواء… بل تريد إعادة رسم الحدود… بأحمر الشفاه… نسيت أنني بوهمية في الأصل، أكره الحدود… أرفض القيود في التعبير… أكره المتآمر على الغير… كما أكره التباهي بالمظاهر… والخضوع للمتسلط….

جهلها للجنوب ولي، جعلها تختارني وجهة… شريكة غير مناسبة…. لإبراز تفوقها عبر لعبة “التباهي” ذو الطعم الشمالي… ردا عن الإهانة… تأسفت للجرح الذي سببته لمرافقة الأمير… إلا أن للتفوق لدي معنى آخر… غير المعنى الذي تعرضه كلارا… تجنبت الحديث عنه لأسباب ثقافية…

لم أجد أفضل من الحديث عن قطتي لإخراجي من هذا المأزق المتشنج… حدثتها عن الهامش… عن كوخي… وحياتي البسيطة… عن الخبز الحافي والشمس الحارقة… عن جدتي التي ماتت قبل أن تحكي لي قصتي… عن الأمير الذي لم أجد له قبرا في حيي…

دعوتها لزيارة عالمي… ستسر برؤيتها قطتي… هناك سوف تعرف كل شيء عنهم وعني… تلبية الدعوة تتطلب منها شجاعة الشمال… اعتبرتني فيلسوفه… قلت:  لا سيدتي بل أنا مجنونة…حالمة بغد أفضل…بوطن أرحم…

إيقاع حديثنا المتميز، جعل الحاجب يمشي على أصابعه كراقصات البالي… يرقص فضولا… غيضا… خوفا… وتوجسا… حالته النفسية لم تعشها كلارا قبلا… من حسن حظه لم تنتبه لحماقاته… لجعلت منه موضوع اهتمامها بدلا مني… وتسبب بذلك في أزمة ديبلوماسية يضيع معه مجهود التملق…

“حبك الكبير للقطط يذكرني بالملوك الفرنسية وبالقديس Léon XII والقطة Micétto..إن اختياركم سيدتي لهذا الصنف من الحيوانات الأليفة لم يكن محض الصدفة… فالقطط ذكية وراقية ومؤنسة أيضا… إلا أنها تجعل من سيدها عبدا يخدمها… هذا ما يزعجني فيها… بينما الكلاب ترى في صاحبها إلها تعبده… لهذا السبب أفضل دائما مرافقتها”…

بدأ الغموض ينجلي شيئا فشيئا… وبدأت المسافات الطبيعية تأخذ مكانها بيننا… والتباين يأخذ نصيبه… فشتان بين “كلارا السعيدة التي تتحدث بلغتها” و”ثرلي الأسيرة المجبرة على أن تتحدث بلسان غيرها”…بين “الضفة الشمالية” والضفة الجنوبية”… بين “القطط اللئيمة” و”الكلاب الوفية”…  بين من يرى في الوجود إسعاد غيره … ومن يرى عكس ذلك تماما… هنا يكمن التفاوت والتباين…

سألتها بدوري عن حرارة الشمس في إسبانيا… عن كلبها… الذي لم تخبرني عن اسمه… قلت ربما كانت إليه مشتاقة… ابتسمت كلارا ابتسامة عريضة… قالت أشكرك لاهتمامك بهابي Happy… كلبي الذي لا يفارقني… منه استمد سعادتي… يتقن لغات العالم… يمتثل لأوامري…و…و…

حديث كلارا عن Happy بإعجاب واعتزاز كبيرين… لساعات طويلة… خيل لي أن هابي Happy مواطن من النبلاء… جعلني أراجع أوراقي… حديثها عن الكلب أنساها الإهانة… جعلها تحس بالأمان… بعثت من خلاله أكثر من رسالة حب لإسبانيا… فهمت في سياق حديثها… أن الشمس لديها تشرق من إسبانيا… وأن الكلاب فيها سعيدة… وأن الإنسان في إسبانيا إله… أدركت مع كلارا أشياء كثيرة… زادتني حبا لقضيتي… وتمسكا بقطتي… وافتخارا بجنوني…

(يتبع).

Comments

comments