أحمد البلعيشي: الريف والهجر..  مسارات وتحديات  (2/1)

  • 0

/استهـلال لابد منــه

شكل موضوع الهجرة بكل عناوينها وتفاصيلها، خاصة هجرة الريفيين (وسواهم من المغاربة) نحو ”أرض الله الواسعة “، إحدى اهتماماتي المركزية، وذلك منذ بلاء الاعتقال السياسي إثر فقدان أفراد أعزاء على قلوبنا سنة 1992… وهو الحدث الأليم الذي خلدته مؤخرا من خلال إصدار ملف متكامل حول الموضوع وتم نشره في مواقع إلكترونية مختلفة …

الخلفية ذاتها كانت وراء تحفيزي على تحيين هذا البحث خاصة واللحظة التاريخية تتميز بالتطور اللافت لظاهرة النزوح الجماعي من سوريا وغيرها من بلدان ما يسمى “بالربيع العربي“ إضافة إلى الأبعاد الدولية الخطيرة لغرق حوالي 800 شخص من الأفارقة قبالة الشواطئ الليبية والتطورات الكارثية ذات الصلة… كل ذلك وغيره حفزني على الإسراع في استكمال هذه الدراسة كمقاربة شخصية حول ظاهرة الهجرة، على اعتبار أن ما يميز الظاهرة الكونية في هذه اللحظات التاريخية، هو المسار التصاعدي لظاهرة “الهروب الجماعي“ من أتون الحروب والمجاعة وانسداد الآفاق الديموقراطية داخل بلدان الجنوب، وكذا خطورة المقاربات التي شرعت بلدان الشمال في صياغة ملامحها في تعاملها مع ذيول الظاهرة خاصة المتوسطية منها … وفاء لأرواح كل ضحايا الظاهرة خاصة بالريف الكبير، ودقا لخزان التحذير من الحرب القادمة، وحتى لا ننسى شهداء “مراكب الموت“، نستعيد المقال.

تمهيد

من أكثر الظواهر الإنسانية ترسخا في تاريخ البشرية، هي ظاهرة الهجرة، إذ كيفما كانت دوافعها (الحروب- الاحتلال- الإستقرار- التبشير- التجارة-المثاقفة…) فإنها لعبت دورا أساسيا في تشكيل الكثير من المجتمعات، وبالتالي تبقى ظاهرة إنسانية، تندرج في إطار التحركات السكانية، والتي أعطت حاليـا المجتمعات العصرية والمستقرة نسبيا.

“الهجرة السرية أصبحت أحد العناصر الهيكلية للاقتصاد الأوربي، الشيء الذي يدفع إلى التساؤل حول صحة أسس السياسة الأوربية المتعلقة بالهجرة”

ولعل أكبر المناطق التي شهدت حركة مكثفة لسكانها هي منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بضفتيها، إذ عرفت على امتداد التاريخ مجموعة من الهجرات من الجهتين، وذلك حسب موازين القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية والحضارية. حاليا تطورت الهجرة لتأخذ منحى واتجاها واحدا، وذلك انطلاقا من الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط وخاصة بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، كما تعززت صيغ الهجرة العلنية بصيغة الهجرة السرية بداية من عقد التسعينات (تقريبا)وذلك لأسباب سنأتي على تحديدها.

"الهجرة السرية أصبحت أحد العناصر الهيكلية للاقتصاد الأوربي، الشيء الذي يدفع إلى التساؤل حول صحة أسس السياسة الأوربية المتعلقة بالهجرة"

“الهجرة السرية أصبحت أحد العناصر الهيكلية للاقتصاد الأوربي، الشيء الذي يدفع إلى التساؤل حول صحة أسس السياسة الأوربية المتعلقة بالهجرة”

ونظرا لما تشكله الظاهرة بالنسبة لمنطقة ريفنا العزيز، وللمغرب والمنطقة عموما، واعتبارا للعلاقة الخاصة مع تداعيات الهجرة السرية، والتي بسببها اعتقلت لسنوات، لا لشيء إلا لكوني حاولت ملامسة الأسباب الحقيقية للهجرة، وحيث إنني لازلت وفيا لأرواح شهداء “مراكب الموت” أعيد مقاربة موضوعة الهجرة، خاصة وأن ثمة جديد في هذا المجال ومستجدات قمينة بالنقاش، والنقد الموضوعيين.

تعتبر قضية الهجرة، إحدى القضايا الملحة المطروحة على المستوى العالمي، حيث تعرف المناطق الغنية هجرة اليد العاملة، وضحايا النزاعات الإقليمية والحروب الأهليةـ وانتهاكات حقوق الإنسان، من المناطق الفقيرة والمتوترة في العالم. وتشكل أوربا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دول الخليج واليابان، أهم الدول المستقطبة لليد العاملة الأجنبية.

وتمثل ظاهرة الهجرة أحد أهم العناصر الإشكالية المطروحة على شعوب ودول البحر الأبيض المتوسط، خاصة لجهة العلاقة بين دول الشمال والجنوب في شأن قضية الهجرة، على اعتبار أن ما يميز هذه العلاقة هو كون دول الشمال عملت على غلق حدودها أمام إمكانية الهجرة للحد من دخول هذه الأخيرة إليها، ولم تترك الباب مفتوحا إلا أمام إمكانية “التجمع العائلي”، الشيء الذي أفرز نوعا من الهجرة الدائمة والتي أعطت بدورها فئة جديدة من المهاجرين هم مهاجرو الجيل الثاني والثالث والذين لا يعتبرون في الحقيقة مهاجرين بالمعنى الدقيق للكلمة.

وقد ساهمت سياسة إغلاق الحدود أمام الباحثين عن الشغل في دفع العديد منهم إلى طلب اللجوء السياسي بحثا عن الاستقرار في دول الشمال، الشيء الذي أفرز صعوبة التمييز بين وضعيتي الهجرة واللجوء! بل إنه يمكن الإقرار أن المهاجر بالمعنى الدقيق للكلمة أصبح يمثل أقلية داخل جمهور المواطنين الأجانب المستقرين في دول الاتحاد الأوربي.

إن ظاهرة الهجرة من الجنوب إلى الشمال ظاهرة ناتجة عن عدة معطيات من أهمها المعطى الاقتصادي والسياسي، إذ أن التعاون الاقتصادي بين دول شمال البحر الأبيض المتوسط، وبين دول جنوبه، ازداد عمقا وتجذرا. فإذا كان الناتج الداخلي الإجمالي للفرد في دول المغرب الكبير لا يمثل سنة 2000سوى 10.74% فإنه كان يمثل سنة 1985 18.28 % بمعنى أن عناصر العلاقة تخدم الشمال ولا تخدم الجنوب، بما في ذلك عنصر الهجرة.

ويشكل النمو السريع للسكان النشيطين الذي يتجاوز3% سنويا أهم عرقلة للدول “النامية” التي تحتاج إلى نسبة نمو اقتصادي مرتفعة متى تستطيع أن تستوعب مثل هذا الحجم من التدفق أي أنها تحتاج إلى نسبة نمو تقترب من 10%سنويا وهو أمر يكاد يكون مستحيلا قياسا إلى حجم التحديات والإكراهات السياسية الداخلية لهذه الدول، واعتبارا أيضا لتبعيتها القاتلة للمؤسسات المالية الدولية.

لاجئون سوريون يصلون إلى هولندا

لاجئون سوريون يصلون إلى هولندا

ومهما يكن من أمر فإن معدل النمو الاقتصادي لدول الجنوب، لن يتمكن من خلق الثروة الكافية والقادرة على حث مواطنيها على عدم مغادرة أوطانها والهجرة نحو دول الشمال التي يعتبرونها الملاذ الأخير والجنة الموعودة.

إن الحديث عن الهجرة إلى دول أوروبا الغربية، يدفعنا إلى التذكير بعدد من الفترات الهامة التي أثرت في سياسات الهجرة المتبعة في تلك الدول. ففي سنة 1974 قررت الدول الأوروبية الحد من دخول اليد العاملة إليها، ثم في سنة 1977 انطلقت سياسة مساعدة المهاجرين على العودة إلى بلداهم، إذ أن اندماجهم فيها هي سياسة باءت بالفشل الذريع.

وبعيد انهيار جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي، انضافت اليد العاملة القادمة من أوروبا الشرقية إلى ضعف الهجرة القادمة من دول الجنوب.

في المقابل، وبالموازاة معه، تطور ما يعرف بالهجرة السرية التي تستجيب لحاجة الدول الأوربية إلى اليد العاملة المتحركة، أي التي تتحمل الأعمال الشاقة دون أن تكون لها مطالب وحقوق كثيرة.

إن الهجرة السرية أصبحت أحد العناصر الهيكلية للاقتصاد الأوربي، الشيء الذي يدفع إلى التساؤل حول صحة أسس السياسة الأوربية المتعلقة بالهجرة، والتي تتفق كلها على غلق الحدود أمام اليد العاملة، ومن أجل ذلك فان الهجرة السرية تخدم متطلبات أسواق الشغل الأوربية، إذ أن الدول الأوربية تعاني من الشيخوخة حيث بلغت نسبة المواطنين الذين تجاوزوا سن الــ 65 سنة 12.6% 1990 وسوف تتجاوز15%سنة 2010، بينما لا تتجاوز هذه الفئة من المواطنين في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط نسبة 3.4%سنة 1990و3.9% سنة2010 حسب إحصائيات مؤكدة.

تعتبر هجرة الأفارقة نحو دول الشمال وبالخصوص شمال البحر الأبيض المتوسط، أحد العناصر التقليدية المكونة لحركة الهجرة في المنطقة الغربية للحوض المتوسطي، مع تسجيل ملاحظة طارئة على المشهد الهجروي خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد فرنسا القبلة المركزية للقادمين من جنوب الصحراء، إذ أصبحوا يتوجهون وبكثافة إلى دول أخرى كإيطاليا وإسبانيا، كما أن عددا من مواطني المغرب الكبير استقروا في دول أخرى خارج حوض البحر الأبيض المتوسط ككندا وأمريكا وغيرهما.

كما أنه من بين العناصر الجديدة التي لابد من أخذها بعين الاعتبار، دخول مواطني دول المعسكر الشرقي سابقا ضمن معادلة تحرك السكان في المنطقة.

كما أن مواطني بعض الدول الذين كانوا يتوجهون في أغلب الأحيان، نحو ألمانيا غيروا وجهتهم على إثر التغييرات التي حصلت في هذا البلد، خصوصا بعد صعود موجة كراهية الأجانب، نحو دول أخرى مثل فرنسا وإيطاليا… وبذلك تكون التحولات التي عرفتها أوروبا بداية من سنة 1989 مؤثرة بشكل مباشر في حركة التدفق الهجروي في المنطقة المتوسطية.

ومن هذا المنطلق نتبين أن ظاهرة الهجرة كظاهرة سوسيولوجية واقتصادية، تنبني على العديد من المعايير الجغرافية، والاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالدرجة الأولى.

يستدعي الإمساك بالأسباب والعوامل الكامنة وراء النزوح البشري في الداخل والخارج في المجتمع المغربي تسجيل الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى

إن الإلمام بهذه المؤثرات والدوافع يقتضي مقاربة الهجرة في إطارها وشروطها الملموسة، وهذا ما يفضي إلى القول بتعدد الهجرة واختلافها، ومغايرة طبيعتها ومداها من وضعية إلى أخرى، وهوما يقتضي الحديث عن الهجرات بصيغة الجمع، وليس الهجرة بصيغة المفرد، وبشكل عام يمكن إجمال هذه العوامل في محددات، سياسية، واقتصادية واجتماعية.

الملاحظة الثانية

ضرورة التحديد الزماني والمكاني، لما لذلك من أهمية كبرى في إدراك ظاهرة الهجرة، وتسليط الضوء على مؤثراتها، ووضعياتها المختلفة، وفي هذا السياق يمكن الكلام عن تمرحل ظاهرة الهجرة بشقيها العلني والسري، وفق مراحل زمنية ومن ثم اختلاف متغيراتها وفق هذه المراحل.

  • دوافع الهجرة في المجتمع المغربي

مراهنة المسؤولين على حل مجموعة من المشاكل وعلى رأسها الحصول على العملة الصعبة، وحل معضلة البطالة كانت من أهم العوامل الكامنة وراء ظاهرة الهجرة.

وفي هذا السياق يسجل باولودي ماس بأنه    “على المستوى الوطني (أي المغرب) تعطي السلطات المغربية أهمية كبرى للهجرة العمالية، وذلك لحل مشكلة البطالة التي ترتفع نسبيا، وحل مشكلة ميزان الأداءات السلبي”.

وفي هذا الباب تشير الإحصائيات إلى أن المبلغ الإجمالي لتحويلات العمال المهاجرين سنة 1976 تجاوز موارد الفوسفاط، وقد تأكدت مراهنة المسؤولين بوضوح من خلال المخطط الخماسي (68-72) حيث قـدر “أن توسيع الهجرة نحو أوربا…سيكون لها نتائج هامة، ومنها أنها ستسمح بتنمية الموارد من العملة الصعبة، وأنها ستشغل جزءا من السكان العاطلين، وأخيرا تأهيل مجموعة من المواطنين اكتسبوا مهارات مهنية في الخارج، وفي ذلك دعم لروح المقاولة والتنمية الاقتصادية”.

  • ملمح تاريخي حول الظاهرة (الهجرة بالمغرب)

ترجع بداية بروز ظاهرة الهجرة إلى أوائل القرن الماضي أي حوالي سنة 1900، إذ بلغ عدد المهاجرين إلى فرنسا سنة 1914 حوالي 35,506 مواطنا، وارتفع العدد بعيد الحرب العالمية الثانية (45) ليصل حوالي 200.000 مواطنا. ومن العوامل المساهمة في تصاعد وتيرة الهجرة نشير إلى: حاجة أوربا إلى اليد العاملة بعد الخراب الذي عمها جراء الحرب العالمية الثانية، واضطرار المواطنين للهجرة بعد استيلاء المعمرين على أجود الأراضي في المغرب.

ويؤكد هذا المعطى الباحث عبد الله البارودي في كتابه: “المغرب الإمبريالية والهجرة” إذ يقول:   ” إن مجموعة الوسائل والأدوات التي استخدمت في نهب الأراضي الزراعية، كانت في مستوى المساحات التي اغتصبها الاستعمار: مائة ألف هكتار عام 1913 مليون ومائة ألف هكتار تقريبا عام 1956″

ويضيف البارودي قائلا:    ” بعد استقلال المغرب بلغت نسبة الأراضي المستغلة 27,5./. من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة والتي قدرت مساحتها بعد الحرب العالمية الثانية بأربعة ملايين هكتار”.

أضف إلى هذا عامل الجفاف وقلة التساقطات . وفي هذا الباب يقول عبد الله البارودي:   ” عندما تزداد نسبة هطول الأمطار يقل الرحيل والعكس بالعكس، إن هذا الشح العرضي للتساقطات يؤدي إلى الجفاف الذي قد يولد بدوره المجاعات كالتي خيمت على المغرب في الأعوام :1904-1905-1909-1910-1913-و1921-1928-1937و1945″.

ج- الاستقلال وظاهرة الهجرة

تضافرت غداة الاستقلال عديد من الأسباب والتفاعلات الداخلية والخارجية سرعت من وتيرة تدفق الهجرة إلى الخارج، وخاصة إلى الأقطاب الصناعية الغربية وفي القلب منها دول الاتحاد الأوربي حاليا. وما من شك أن أزمة التنمية واحتكار الأراضي من قبل المعمرين الجدد، وإغلاق المناجم وعوامل اقتصادية وسياسية كقمع الانتفاضات، ومصادرة الملكيات الخاصة، كلها عوامل ساهمت في تأزيم الوضع الاقتصادي المغربي.

مهاجرون مغارية في هولندا (أرشيف متحف الصور - هولندا)

مهاجرون مغارية في هولندا
(أرشيف متحف الصور – هولندا)

ونشير في هذا الصدد إلى أن عدد العاطلين سنة 1979 بلغ حوالي 550 ألفــا أي حوالي42% من السكان النشيطين على اعتبار أن التزايد السكاني المهول فاقم بدوره أزمة المجتمع المغربي.

إضافة إلى هذه العوامل هناك أيضا دوافع “الترقي” الاجتماعي، ثم آثار ثورة الحضارة الغربية في أذهان الأجيال خاصة في ضل أجواء سياسية اقتصادية تتسم بكثير من الدوس على كرامة الناس، وأبسط حقوقهم في الشغل والتعليم والسكن واحترام الكرامة الآدمية.

ونخلص من هذا المحور لنذكر بأن الهجرة قد تكثفت غداة الاستقلال لعوامل أشرنا إلى البعض منها، وهكذا سيبلغ عدد المغاربة المتمركزين في أوروبا سنة 77 حوالي: 553000 مهاجرا، ليتجاوز هذا الرقم حدود المليونين في السنوات الأخيرة خاصة مع بروز معطى الهجرة السرية، كما نود أن نذكر بأن نفس ميكانيزمات ودوافع الهجرة، كما أوردناها سلفا، هي ما أفرز ظاهرة الهجرة بإقليم الحسيمة، والتي يقول بصددها الباحث امحمد لزعر، أحد أبناء المنطقة والمتخصص في الهجرة بأن “إقليم الحسيمة هو منذ مدة مكان لتنقل الساكنة، والهجرة التي انطلقت منذ 1960 نحوالأقطاب الصناعية في أوربا كانت في الواقع مسبوقة بمتوالية من الحركات الهجروية التي كانت تحدث فيما سبق داخل جبال الريف في التراب الوطني، وأيضا نحو الخارج وخاصة إلى الجزائر”. أما بالنسبة لأهمية الهجرة، وانعكاساتها على ساكنة المنطقة فالباحث لزعر أشار في بحثه حول الهجرة إلى “أن المهاجرين يوفرون حاجات العيش لحوالي 180.000 شخصا في إقليم الحسيمة أي حوالي 50 % من سكان الإقليم”(سنة88).

مع التذكير والإشارة إلى أن كل هذه المعطيات أصبحت الآن محل مراجعة جراء التدفق الواسع للمهاجرين السريين وانعكاس ذلك على المعطيات والإحصائيات.

وإذا شئنا اختصار أهم المراحل التي ميزت الهجرة المغربية نحو أوربا خلال فترة الاستقلال يمكن اختزالها في أربعة مراحل مهمة.

  • المرحلة الأولى (56-68)

وقد تميزت هذه المرحلة بوضع الإطار القانوني والمؤسساتي لتنظيم الهجرة وذلك بإبرام المغرب لمجموعة من الاتفاقيات بهذا الشأن مع الدول الأوربية.

  • المرحلة الثانية (69-74 )

وتميزت هذه المرحلة بالهجرة المكثفة لليد العاملة نحو أوربا الغربية، تحت تأثير الدعاية الرسمية، وكذا العمال المهاجرين في محيط أسرهم وعائلاتهم.

  • المرحلة الثالثة (مابعد-75)

وقد عرفت تحولا هاما في المد الهجروي، إذ صادفت بداية الأزمة الاقتصادية، الشيء الذي استدعى إيقاف الهجرة بالنسبة إلى كل الدول الأوربية، مع تشجيع المهاجرين على العودة إلى بلدانهم، وازدياد شعور العنصرية والكراهية اتجاه المهاجرين.

“هناك أيضا دوافع “الترقي” الاجتماعي، ثم آثار ثورة الحضارة الغربية في أذهان الأجيال خاصة في ضل أجواء سياسية اقتصادية تتسم بكثير من الدوس على كرامة الناس”

وستأخذ الهجرة المغربية مسارا جديدا مع دخول سياسة “التجمع العائلي” وهي السياسة التي سمحت للمهاجرين باستقدام أسرهم داخل بلدان الاستقبال، وهو العنصر الذي أفرز كما أشرنا سابقا، تحول الهجرة من ظاهرة ظرفية تشمل الأفراد فقط إلى عملية استقرار دائمة مع ظهور ما سمي بالجيل الثاني.

ولقد ظهرت في هذه المرحلة منطقة استقطاب جديدة للهجرة المغربية تمثلت في الدول العربية خاصة المنتجة منها للبترول.

إضافة إلى ذلك نشير إلى كون الهجرة المغربية لم تعد مقتصرة فقط في هذه المرحلة على اليد العاملة، بل بدأت الجالية المغربية بالخارج تعرف تنوعا ديموغرافيا وثقافيا واجتماعيا، بحيث تشمل اليوم إلى جانب اليد العاملة الطلبة مجموعة من المثقفين والأطر ورجال الأعمال، بالإضافة إلى أفراد الجيل الثاني وبداية تشكل الجيل الثالث.

وتجدر الإشارة إلى انتشار الهجرة المغربية في كل القارات ولو بكثافة قليلة ومتفاوتة مقارنة مع مثيلتها في دول الاتحاد الأوربي.

  • المرحلة الرابعة (من 90 إلى الآن)

وقد تميزت هذه المرحلة بتداعيات سقوط المعسكر الشرقي واندلاع الحروب العرقية، والطائفية، والعديد من الصراعات الإقليمية خاصة بعد ما سمي بثورات “الربيع العربي”، مما فتح جبهات هجروية كثيفة (دول المعسكر الشرقي سابقا- ألبانيا- كوسوفو- العراق-دول الساحل الإفريقي- سوريا- ليبيا وسواها من مصادر الهجرة).

أبناء الهجرة المغربية من الجيل الثاني في أوروبا

أبناء الهجرة المغربية من الجيل الثاني في أوروبا

كما تميزت هذه المرحلة بصدور العديد من الاتفاقيات الكابحة لموجات الهجرة (شينغن-ماستريخت … برشلونة)..

إلا أن أهم ظاهرة ميزت هذه المرحة هي ظاهرة انفجار الهجرة السرية لأسباب نلخصها بإيجاز في:

– استمرار نفس الأوضاع اللاديمقراطية واللاإنسانية في الدول المصدرة للهجرة وفي مقدمتها المغرب.

– إقدام الدول المستقبلة للهجرة على إغلاق حدودها في وجه القادمين من دول جنوب الضفة المتوسطية وممارسة ضغوطات قانونية واقتصادية وسياسية على الدول المصدرة للمهاجرين، مع تقديم فتات دعمها للبعض، لإنجاز ما يسمى بالتنمية المستديمة تحت املاءات، وشروط الصناديق الدولية: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، بغية الحد من ظاهرة الهجرة المنظمة والمقننة وإطلاق العنان، لمافيات الهجرة السرية واللوبيات الأوروبية المستفيدة من سياسة الهجرة السرية، والتي أشرنا إلى بعضها سابقا.

“ستأخذ الهجرة المغربية مسارا جديدا مع دخول سياسة “التجمع العائلي” وهي السياسة التي سمحت للمهاجرين باستقدام أسرهم داخل بلدان الاستقبال”

وأهم ظاهرة مرتبطة بمرحلة ما بعد عقد التسعينات هو سقوط آلاف ضحايا مراكب الموت، وأغلبهم من المناطق المهمشة بالمغرب خاصة في منطقة الشمال (الريف الكبير) حيث ساهمت عدة عوامل في ركوب أبنائنا لمخاطر “مراكب الموت” ومن ثم تعريض أنفسهم للغرق في عرض البوغاز بحثا عن لقمة عيش جديرة بالاستساغة، أو نسمة حرية لن تهب على سماء المغرب، مادامت نفس السياسات تطبق على الواجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يتبع : سياسات الاتحاد الأوروبي اتجاه المهاجرين

Comments

comments