نجاة بقاش: مملكة الجنون: “الأمير الإسباني”-6

  • 0

الساعة تشير إلى الثالثة زوالا… عندما جاءني “الأمير الدنمركي” المزيف بحلته الجديدة… يطلب مني مرافقته مرة أخرى نحو العبث… نحو البعد الثالث… حيث الخدم تشبه بعضها البعض… تشتغل بدون انقطاع… لا تكل ولا تمل ذهابا وإيابا كأمواج البحر… لا ترى ولا تسمع… ولا يسمح لها بالتحرك إلا في الحدود الضيقة… تقوم بتنفيذ الأوامر بدون مناقشة… يملكها السيد كباقي الأشياء… مثلها مثل الدمى الصينية التي تنتهي صلاحيتها… تمر من هنا دون أن تترك أثرا أو يحس بها أحد… لا مجال لديها للحديث عن الحريات الفردية أو الجماعية… ولا تعرف نعمة التعبير والجنون… الحياة هنا لها اتجاه ومعنى واحد هو: خدمة السيد، المحور الرئيسي للكون بدون منازع… والامتثال الحتمي لأوامر الحاجب… يوحي للمرء هنا أنه خارج الأزمنة والتاريخ… وبعد التغيير يتجه نحو الثقب الأسود…

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

تتغير تعابير وجهه كما تتغير ملابسه وتسريحة شعره… نظراته لي هذه المرة ملأها الإعجاب والاحترام… ماذا تغير يا ترى في مكان كهذا كل شيء فيه يبدو ساكنا جامدا؟… بكلمات رقيقة يحاول من خلالها ودي ومجاملتي:  Vous êtes ravissante Madame ، خانه التعبير ككل مرة… يريد أن يقول لي: هكذا تبدين أجمل… أدركت أنه وقع فريسة المظاهر… عالم أجوف، مزيف عديم المعنى… لم أبال بمجاملاته لي… لأنها لا تهمني في شيء… ولا يهمني عرض الأمراء سواء كانوا أصليين أم مزيفين…

أخذ يدي برفق ليرافقني كأميرة نحو الفضاء المخصص للاستقبالات الرسمية… فهمت بدون أن أسأله أن ضيفا كبيرا ينتظر قدومه… بسبب كعبي العالي المفروض علي، لم تكن لخطواتي أن تكون أسرع كالعادة… استغربت لتأثير الحذاء العالي على القوام والمشي… كيف للكعب العالي أن يغير زاوية البراديكم… كيف للكعب العالي أن يغير مصير الأشياء… ويعطي الأقزام علوا في مرتبة الأسياد…

لم يكن يهمني من سيكون الضيف المنتظر، ولا مضمون زيارته… بقدر ما كان يحيرني مظهري المضحك للغاية… ألوان قوس قزح فوق الجفون، واحمرار الوجنة تحكي قصة التائهة عن المكان… شعري القصير الذي أصبح بقدرة قادر طويلا جدا، حريريا يتطاير يمينا وشمالا، كمنديل يشير معلنا توديع الحرب… أظافري الممتدة أصبحت تشبه أظافر قطتي المتوحشة… بالكعب الطويل والقفطان الأسود المطرز بالحرير الفضي، أبدو منخرطة بدون شرط… التاج المرصع بالأحجار الكريمة يبدو غالي الثمن… إلا أنه لم يكن أجمل ولا أروع من تلك السنابل الذهبية التي كنت أضعها فوق رأسي… وأنا طفلة صغيرة… يصرون أن أكون شيئا مثلهم… والسيد يصر أن أكون إلى جانبه حاضرة… وأنا أصر على أن أكون أنا، ثائرة…

إصرار السيد على حضوري إلى جانبه… يزيدني حيرة من أمري… ربما كان يقصد به إهانة لي وللضيف الكبير… ربما كان يريد من خلاله تصفية الحساب على طريقة الحاجب… أي ضرب عصفورين بحجر واحد… ورد الصفعة للأمير الإسباني… لسبب ربما أجهله… وإحراجي أمام الجميع… هذا ما كنت أعرفه… عالم غريب حقا… حيز الغموض والمرموز فيه مهما… هل سيتركني الحاجب أستمتع بالفرجة المضمونة؟… وينساني لبعض الوقت، ليهتم بغيري؟ أم سيفوت علي فرصة تدوين الحدث الأسطوري؟… أسئلة كثيرة كانت تراودني، تزيد لذة فضولي… وشوقا لمعرفة ما سيكون عليه  موقف الحاجب…

“حالة الطوارئ في القاعة الفسيحة أربكتني…تلاه صمت رهيب، ثم تصفيقات الحضور تحت وتيرة واحدة، ثم موسيقى وتبادل التحيات”

أصوات موسيقى الأعراس السعيدة تملأ المكان حبورا… ورود بيضاء اللون منتشرة هنا وهناك… تضفي على المكان لمسة خاصة… شموع كبيرة الحجم، تذكرني بأزمة دوار أنفكو… شموعها البخيلة بنورها والكريمة بدخانها الأسود…محافظة كعادتها…أسمعها تردد بصوت منسجم مع الأجواء العامة: اللهم لا حسد يا سيدتي…دعينا نمرح…دعي الهم والغم خارجا…إننا خلقنا لنضيء أسوار القصور، ونكون في كل الأفراح…

قهقهات تملأ القصر حبورا بقدوم الضيف الغريب…المثير للجدل…الاستقبال يختلف كثيرا عما كان عليه استقبالي…رغم أنني لا أختلف كثيرا عن الضيف في غرابته…الكل كان يترقب قدومه كالبدر…ما عدا أنا…حيث كنت أترقب حلول الحاجب أكثر من غيره…آه من الحاجب ومن قدوم البؤس معه…كان يحاول أن يبدو سعيدا…خدوما لسيده…كتوما لأسراره…بل كان مرتبكا كلما وقعت عيناه علي…خشية منه أن تفضحه وأكشف ما يضمره للسيد…منزعجا من نظراتي التي كانت ترصده…لا تفارقه…حتى أوحى للغبي أنني ربما كنت ضمن معجباته…

ذكرتني أجواء الاستقبال بتلك الأعراس التي كانت تقام في حينا Barrio… تحييها الفرقة الفلكلورية الوحيدة برئاسة المايسترو الشيخ موحند…حينها لم أكن أتملك نفسي وأنا طفلة صغيرة…أجد نفسي ضعيفة أمامها…تستهويني نغمات الناي والدفوف “أدجون ذ تامجا ” وأغاني  “إزران“…تجرني وراءها في كل مكان…رغم ما كان ينتظرني من عقاب…أذهب وراء الموكب كالمجنونة حافية القدمين حتى النهاية…”لا لا بويا” تناديني، تغني لي…أتنفسها كالأكسيجين…هذا ما كان يزعج أسرتي…الجوقة أصبحت عنواني…كلما غبت عن بيتي…كنت أحرج أخي الصغير ككل مرة…لم يكن يحب أن يراني ضعيفة رغم اختلافنا الدائم…ولم يكن يتمنى أن يراني مخيرة بين قسوة الفلقة وسلطة الهذيان…لم يكن يعلم حينها أن الحياة لا يمكن أن تكون لنا إلا إذا عشناها…كيف لي أن أدرك معنى الثابت والمتحرك…سر الظاهر والباطن…عمق السعادة والشقاء…إن لم أكون فيها…؟

مجيئه كان يحبس أنفاسي لما ينتظرني من العقاب الذي لا أجد له مفرا ولا مبررا قويا يقيني شره…يخبرني أخي متأسفا أنني تجاوزت حدودي…بعدم امتثالي للتعليمات…مجلس العائلة ينتظرني لأخذ أقصى العقوبات في حقي…هو منعي من الخروج من البيت…أي منعي من الذهاب وراء الموكب…لأنني أخلفت الوعد الذي قطعته مع والدي..الامتثال للأوامر والالتزام بالخطوط الحمراء…ميثاق شرف لا بد الالتزام به لدينا مهما كانت الظروف…

حالة الطوارئ في القاعة الفسيحة أربكتني…تلاه صمت رهيب، ثم تصفيقات الحضور تحت وتيرة واحدة، ثم موسيقى وتبادل التحيات…شيء معتاد هنا…مكتسب بفعل عامل التكرار…لماذا لم أستقبل بالحفاوة نفسها ؟…يبقى طرح السؤال هنا خير من تقديم الجواب…كم كان وقع الصدمة على السيد قويا، حينما توجه الأمير الإسباني نحوي ليحييني بطريقته المعتادة، تاركا البرتوكول جانبا…كانت فرحته كبيرة عندما التقى بي هنا، في “مكاني الطبيعي” هكذا قال لي…وكيف له ألا يقبل يدي احتراما؟ وهو الذي يعرفني جيدا أكثر من غيره…كيف له ألا يعترف بالمسافات والقرب، بالتاريخ والجغرافية…وألا يعتذر لي ألف مرة…ألست أنا صاحبة قصة الأسد… وليلى المهجورة…والمدن الجريحة…كيف له ألا ينزع قبعته احتراما واعتذارا لما اقترفه السلف؟…الكل كان يترقبنا دون أن يفهموا ما كان يدور بيننا…إحراج كبير سببته للسيد الغير مستعد لتقبل الوضع المفروض عليه…خذلته مرة أخرى…انقلب بذلك السحر على الساحر…وأصبحت الأمور في صالحي…

بدون أن أعقب على كلامه…فضلت أن أسأله من يكون حاجبه الذي لم أر له أثرا… فرد علي قائلا: لا حاجة لي لسيد آت من القرون الوسطى ليخدمني…فلندع موتانا ترقد بسلام…أنا محتاج إلى مرافق (ة) أتشاور معه (ها)…لاتخاذ القرار الصائب…حتى لا أقع في ورطة الغازات السامة…لن أجد أحسن من كلارا لمرافقتي…إنها دقيقة، ذكية وحاذقة…نسبة موضوعيتها في التعامل مع القضايا عالية…لا تعرف مجاملتي إطلاقا، إخلاصها الكبير لإسبانيا  أكثر ما يهمني…بالإضافة إلى أنها عازفة ماهرة على آلتي المندولين والبيانو، عادة ما تكون متفوقة عني في لعبة الشطرنج…عجز حينها لساني عن الكلام…تمنيت لو أغيب لحظة عن الأنظار…حتى لا يحس الأمير الإسباني بتذمري…ويفهم قصدي…إعلان صريح عن الرغبة في تغيير انتمائي…

(يتبع).

Comments

comments