حسيميات جمال أمزيان: قريتي الجريحة ومسقط رأسي المنسي

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة قريته ومحيطه، وعن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد الثامن

عقود من الزمن مرت وراحت في رمشة عين دون رجعة ودون أن نشعر بها، وقع فيها ما وقع، إما إيجابا أو سلبا، سواء هنا، في هذا البلد أو في هذه المنطقة، أو هنالك في أرض الله الشاسعة من هذا العالم ، بشرقه وبغربه، أو بشماله وبجنوبه. كل شيء تغير على هذه البسيطة وحتى في طبقاتها الجوية.

هكذا انتقل الإنسان على هذا الكون، وحتى في قريتي في بعض الجوانب، من الكانون إلى المطبخ والفرن الإلكتروني، وارتقى الإعلام من البراح والرقاص إلى البريد والصحافة الورقية والترانزستورن ثم إلى الفضائيات الرقمية والأيفون والأيباد والنقال والواتساب. من الحساب بالأصابع أو الحجارة إلى المعالجات الإلكترونية. من الغاسول إلى أنواع لا تعد من المواد المنظفة والتي لها ما لها وعليها ما عليها. من استعمال حيوانات الجر إلى التي جي في والأيرباص والبوينغ وديسكوفر والمحطات الفضائية. من العمامة والجلباب وحذاء الدوم إلى آخر صيحات الموضة من نايك وأديداس وكرستيان ديور….. من القناعة بما قسم الله من أرزاق والعيش البسيط إلى النهم والجشع، من الأسرة الممتدة إلى النووية، بل الفردية في بعض الأحيان. من التكافل الأسري والتضامن القبلي والمجتمعي إلى الفردانية المتوحشة الخاضعة لمقولة “ومن بعدي الطوفان”. من المسيد إلى أحمد بوكماخ ثم إلى ما لا وصف له ولا نعت. من البساطة والتبسيط إلى التعقد والتعقيد في كل شيء. فأين أنت من هذا يا قريتي الحبيبة؟ وهل حتى أنت جرفتك سيول التغيير والتغير حتى غدوت مجهولة الهوية. أيمكن الحديث عن أزمنة مختلفة في تطورك؟

مدشر ثومريتش وهو أحد المداشر المكونة لآيث بوخلف (ت) جمال أمزيان

مدشر ثومريتش وهو أحد المداشر المكونة لآيث بوخلف
عدسة: جمال أمزيان

كنه الشيء وقيمته، مهما كان، لا يدركه المرء إلا بعد فقدانه وفوات الأوان. هكذا أنا، عشت سنوات في أحضانك، أغادرك لأعود لك ثانية من جديد، ومع ذلك لم أتوقف يوما لألاحظ ماذا تغير فيك. كنت أسمع الكثير من الحكايات من أفواه رواة هاجروا إلى تلك البلدان البعيدة بعد إيابهم إليك في انتظار الرحيل مرة أخرى، لكنني لم أكن ألحظ ما يحدث فيك من تغيرات، وكم من عادات وتقاليد وموروثات هي عماد هويتك قد بدأت في التبدل معتبرا إياها بمثابة مسألة عادية. كانت الأسئلة تطرح، لكن لم أكن أبحث عن أجوبة لها. هل كنت أعبر أن الأمر لا يعنيني حينذاك؟ ربما.

“هذه المعطيات تبقى أولية، اعتمدت فيها على الرواية الشفوية بشكل أساسي”

لكن الآن، سأعود إليك من جديد لأحاول البحث عن تلك الأسئلة التي ظلت عالقة منذ صباي. سأعود إليك ولو من بعيد لأكتشفك من جديد باحثا عما أصابك، برضاك أو عدمه، من تحولات، سواء أمست هذه التغيرات مجالك أو إنسانك. فاعذريني إذا اقتحمت عليك سكونك وسكينتك. واصفحي عني إذا نبشت في ماضيك وبحت بأسرارك للغير، أنت التي يسكنك الصمت دوما كأن في إحدى جيناتك استقرت هذه الخاصية. ومع ذلك فمقولة “رب ضارة نافعة” هي التي دفعتني إلى هذا، إذ مذ رأيت نور الحياة في إحدى دورك وإلى الآن ما زلت مجهولة أو مُتَجَاهلة عن قصد، كما غدا اسمك، على ما يبدو، لا زال غير متداول إلا في كنانيش الأحوال الشخصية ومحاضر الدرك، وذلك بالرغم من أن إنسانك ومجالك كانت لهما جولات وأدوار في صنع وقائع مغرب ما قبل الاستقلال وبعده، كما أنجبت شخصيات كان لها من الصيت والحضور السياسي والعلمي ما تجاوز الآفاق رغم كيد الحاقدين والحانقين والمتزلفين والمتربصين والانتهازيين، القدامى والجدد.

من أين جاءت تسميتك “أيث بوخرف”؟ وما هي المداشر التي تتكونين منها؟ وهل جميع أسرك تنتسب إلى جد واحد؟ أم أنها وفدت على مجالك في فترات تاريخية مختلفة ولظروف متباينة؟ ماذا تعني أسماء الأماكن التي تؤثث فضاءك الجغرافي؟ كيف كانت طبيعة العلاقات الاجتماعية بين مختلف مكوناتك؟ ماذا فقدت من خصائص اجتماعية مع التحولات التي طرأت على إنسانك بعدما جرفته ظاهرة الهجرة، سواء أكانت طوعية أو قسرية؟

لا أجزم بأنني سأجيب عن هذه التساؤلات الكبرى التي كان بعضها يطرح حينما كان يجتمع كبار القرية، ونحن صغارا، في منزلنا، لاسيما أثناء احتفالات عيد الأضحى أو بعد العودة من الحقول في إطار عملية “تويزا”، أو لما كان سكانك يرومون تقسيم الأراضي الجماعية، كما حدث يوما في “ثغرمنت أومرابظ”. لقد كان التساؤل حول الأصول دائما مطروحا، لكن دون إجابات وافية شافية ما عدا الإشارة إلى القسمات الكبرى.

كبرت وكبرت الأسئلة أيضا وغابت الإجابات رغم البحث المضني أحيانا حتى كان اليأس رفيقي في هذا الدرب. ومع ذلك، قريتي العزيزة، دوار أو فرقة أيث بوخرف/أيث بوخلف تعتبرين من دواوير قبيلة أيث ورياغر. وحسب دافيد مونتغمري هارت في كتابه عن أيث ورياغر، يعد من أكبر دواوير القبيلة حيث كان خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي يضم أزيد من 400  “نوبة”، أي كانون أو الأسرة التي تؤدي حقوق المسجد المسمى “الشرط”. كما يعتبر من الدواوير الأصلية الأصيلة للقبيلة، والذي انضمت إليه بعض الأسر الدخيلة التي غدت تشكل في الوقت الراهن مداشر من الدوار. وتجدر الإشارة إلى أن لفظة دخيل هنا لا تأخذ معنى قدحيا، بل يراد بذلك أنها أسر وافدة على مجال القرية واستقرت فيه منذ قرون حتى غدت الآن جزءا لا يتجزأ منه.

فاقذ - جبل فرقد المطل كالطود الشامخ على آيث بوخلف (ت) جمال أمزيان

فاقذ – جبل فرقد المطل كالطود الشامخ على آيث بوخلف
عدسة: جمال أمزيان

يقولون إنك تتكونين من الأسر الكبرى، أي “إجاجكَوثن”، التالية:

أولا: أيث وزغار الذين يعدهم هارت كسكان أصليين، ينقسمون إلى أولاد محند أوبراهيم، أولاد محند أقشار وإهباضن وألاد موح ن ارعابي، من أب واحد وأم مختلفة، ثم إقدورن ومنهم أولاد الحاج الطيب وموح أكوح، وهم أولاد عبد الله أوبراهيم، وفي الأخير إمحوثن، وهم من إوسُّورا المنتسبين إلى أولاد أحمد إبراهيم.

ثانيا: أولاد مسعوذ أوبراهيم القاطنين بالرواضي الذين انضموا إداريا في الوقت الراهن إلى جماعة أربعاء توريرت، وهم إعلوشن وإطاهريون وإدحمانن. هذا إلى جانب بعض الأسر من سلالة أيث يونس. وهذه التسمية، أي الرواضي، ربما قد تكون لها دلالة جغرافية، على اعتبار وجود هذا الاسم أيضا بقبيلة بقيوة.

ثالثا: إوَسُّورا، ومنهم إعماروشن وأولاد صديق أكوح وأولاد صديق أمقران، وهم من أولاد أحمد أوبراهيم، كما ورد سلفا.

رابعا: إقدورن ومنهم أولاد الهادي الحاج أشهبار، ثم إجابلهيون، وكلهم أولاد مسعود أوبراهيم.

خامسا: أيث وعري وإكُار أُوزْرُو وأولاد شعيب ن عيسى وأشن أحمد عيسى، وكلهم ينتسبون إلى إسَبْعِيَّنْ، ويقال إنهم هم السكان الأصليون في أيث بوخرف.

سادسا: أولاد موح أمزيان، ومنهم: القايد حدو وأزرقان، جد قائد انتفاضة الريف، وعبد السلام، ثم أبناء العمومة: حبالو وموح أورياغار وأولاد سي موحند وأولاد امحند أوموسى.

سابعا: إمرابضن، ومنهم إيازضن (أولاد صديق ن صديق، أولاد موح ن صديق، إبوقاروعن وإبوضان وهما إخوة). يليهم أيث تومريش، يعتبرون أنفسهم بمثابة إمرابظن.

تاسعا: أيث تيزا ، وهم دخلاء أيضا، ومنهم أولاد أفقير صديق وأولاد حمو وأولاد عبد الله. ويعتبر هؤلاء أنفسهم شرفاء ينتسبون إلى الولي الصالح المدفون بمسجد القرية سيدي مسعود وابنه سيدي عمر اللذين، وحسب الرواية الشفوية دائما، ينتسبان إلى الشرفاء الأدارسة، لكني لم أعثر لحد الآن عن أي وثيقة تثب ذلك. ويحكى أن هذا الولي وفد على القرية من عين زورا على هيئة راعي ليكتسب ود الناس.

وتجدر الإشارة إلى أن إيزيضين وأيث تومريش، وقد يكون حتى أيت تيزا، يشتركون في النسب حسب شجرة عائلية كان المولى يوسف آخر الملوك الذين وقعوا عليها على ما قيل لي، والتي اختفت عن الأنظار ولم يعد لها أثر رغم محاولاتي الكثيرة للإطلاع عليها.

عاشرا: أيث يونس وهم دخلاء أيضا على القرية ولربما تعود أصولهم إلى إبضرسن أو كَزناية بالقرب من قسيطة، وينقسمون إلى إحومادن وأولاد مسعود موح أكوح وإزُهْرين القاطنين بجوار سوق ـأربعاء توريرت وأولاد موح أقشار وإميطاحن وسي دحمان وإشحشاحن….

أحدى عشر: إعديين، ويقال إن أصولهم تعود إلى أيث توزين.

ومن زاوية أخرى، فإن دافيد منتغمري هارت، في إطار بحثه عن التقسيمات الكبرى لأيث ورياغر، أضاف إلى أيث بوخرف مدشر أيث بوستة بالرغم من أن الأول لا تجمعه مع الثاني سوى قرابة الجوار. كما يشير إلى انتمائه إلى المرينيين. وفعلا فحسب الرواية الشفوية، وبعض الشواهد التاريخية، قد يكون الطرح قريبا من الصواب على اعتبار أن المرينيين انطلقوا في مشروعهم السياسي من أحواز هذا الدوار.

محمد سلام أزرقان موح أمزيان البوخلوفي - قائد انتفاضة الريف (أرشيف صحيفة المشاهد)

محمد سلام أزرقان موح أمزيان البوخلوفي – قائد انتفاضة الريف (أرشيف صحيفة المشاهد)

هذه هي أهم القسمات الصغرى التي تكون دوار أو فرقة أيث بوخرف المنتمية دائما حسب نفس الباحث، إلى فرقة أيث بوعياش الحقيقييين، وهم مختلفين في ذلك عن أيث طاعا وإصوفيين المنتمين لأيث عظية. وفعلا فحسب رواية القايد حدو الذي اعتبره هارت من الملمين بالتقسيمات القبلية لقبيلة أيث ورياغر، هناك عدة أسر بوخلوفية تنتمي إلى هؤلاء، أي المرينيين. وأود أن أشير، وحسب بعض الروايات المتواترة، إلى أن بعض الأسر أيضا قد تكون من بقايا ساكنة مدينة النكور المندرسة، على اعتبار أن هذه المدينة لما كانت تتعرض لمختلف الغزوات على يد الأدارسة والفيكينغ وأمويي الأندلس وفاطميي إفريقية وأزداجيي الجزائر، غالبا ما كانوا يلجأون إلى الأعالي هربا من بطشهم. كما يضم هذا الدوار أيضا مدشر أولاد حدو، نسبة إلى الولي المدفون هناك والمعروف بسيدي حدو.

ومن زاوية أخرى، إذا عدنا إلى بعض المصادر التاريخية للإخباريين نجد أن الريف بقسميه الشرقي والأوسط قد شكل مسرحا لظهور المرينيين الزناتيين سياسيا حيث انتصروا على الموحدين في معركة المشعلة في أعالي قمم جبال الريف الأوسط وعلى ضفاف واد النكور. ولما كنا صغارا، وكنا نسأل عن بعض الدور المهجورة والآيلة للسقوط أو المنهارة التي أثثت فضاء أيث بوخرف، كان يقال لنا إنها تعود إلى بني مرين.

من أين جاءت تسمية أيث بوخرف/أيث بوخلف؟هذا السؤال طرحته مرارا وتكرارا دون إجابة مقنعة أو علمية. لكن أحد الأساتذة الزملاء المهتمين بتاريخ الريف حاول إعطاء تفسير لسني لهذه التسمية إذ يشير إلى ظاهرة كانت سائدة في الريف، وهي انتشار أسماء مداشر أو دواوير في قبائل أخرى من الريف الكبير، ومنها أيث بوخرف التي تأخذ تحريفات وأسماء محلية من قبيل أيث يخلف وأيث بويخلف. وحسب نفس الأستاذ، فإن هذه الظاهرة تعود إلى كون بعض الأسر التي يتوفى لها الإبن الأول غالبا ما كانت تسمي الذي يولد بعده بيخلف المشتق من فعل خلف، أي عوّض، أو جعل مكان الفقيد. وقد ترجع أيضا إلى تسمية الوليد الذي يولد بعد وفاة والده بهذه التسمية. وأضيف هنا دون تأكيد إلى أن هذه التسمية قد تكون نعتا أو لقبا للفلاح الذي يقوم بإزالة النباتات الضارة بالمزروعات قبل بداية موسم الحرث، وهي النباتات التي تسمى محليا  “أَخْرُوف” مثل مَكَرَمَان وأَفَزَّازْ وأَسَنَّاْن… وعموما تبقى هذه التفسيرات عبارة عن قراءات وتأويلات تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص. وهو أمر صعب لغياب وثائق يمكن الاعتماد عليها في ذلك. وحتى الرواية الشفوية، وأمام قدم الاستقرار في هذا الدوار والذي كشفت الأمطار الغزيرة التي تساقطت قبل أربع أو خمس سنوات على بقايا عظام بشرية موغلة في القدم وبعيدا عن المقبرة الجماعية، في أرض زراعية خصبة تدعى “ثْسَامّاثْ”، وربما تعود خصوبتها إلى كون تربتها مختلطة بالرماد والفضلات المنزلية، أي أنها كانت موضع مسكن أو مساكن قديمة جدا. هذه الأطروحة قد تتناقض مع ما يورده  دافيد منتغمري هارت، وفي إطار حديثه عن خصوصيات اللغة الأمازيغية بقبيلة أيث ورياغر إذ يقول: “الخصوصية الأولى التي تتمثل في تحويل حرف اللام في العربية أو اللغات الأمازيغية الأخرى إلى راء. ويلاحظ هذا الأمر بوضوح عند تغيير أداة التعريف “أل”. وهكذا تتحول كلمة “الحاج” إلى “ارحاج” و “أيث بوخلف” إلى ” أيث بوخرف” (ص XCI)

يقع الدوار على سلسلة متصلة من التلال على علو حوالي 700 متر فوق سطح البحر. يحده شمالا دوار أيث بوستة وثازوراخت، وجنوبا واد النكور حيث سوق أربعاء توريرت، وتِزَمُّورين. وشرقا مجرى نفس الواد السابق الذي يفصل المجال الحيوي للدوار عن أراضي أيث توزين ودواويرهم مثل ثَغْزُويْثْ نْتَاسَا وأيث زِيَّانْ وإعَزُّوزن. أما غربا فالدوار يقع عند قدم جبل فَرْقَدْ الذي يفصله عن دوار أولاد حدو وإكَارْوَانُو وإرَيَّانْنْ.

“إذا عدنا إلى بعض المصادر التاريخية للإخباريين نجد أن الريف بقسميه الشرقي والأوسط قد شكل مسرحا لظهور المرينيين الزناتيين سياسيا حيث انتصروا على الموحدين في معركة المشعلة في أعالي قمم جبال الريف الأوسط وعلى ضفاف واد النكور”

ويعتبر دوار أيث بوخرف من الفرق الكبرى من قبيلة أيث ورياغر وله مجال حيوي ترابي كبير بالمقارنة مع الفرق الأخرى. وفي هذا الإطار، ولما كنت مدرسا أواخر سبعينيات القرن الناضي بمدرسة الدوار، سألت أحد الجيران عن السبب الذي يمنعه من تسجيل ابنه في المدرسة حتى يكتسب من العلم مالا يستطيع أن يعينه في حياته المستقبلية. فأجابني: “أنظر، كم يلزم من سنوات الدراسة حتى يغدو معلما مثلا؟ “قلت: “على الأقل خمس عشرة سنة أو أكثر”. ضحك واستلقى على ظهره وهو يقول: وهل تعتقد أنني سأنتظر هذه المدة الكاملة حتى يعينني للتغلب على مصاريف الحياة. أنت أحمق. أنا سأشتري له معزة أو اثنتين هذه السنة لرعيهما في الحقول. وفي السنة المقبلة ستلد المعزتان، ونفس الشيء في السنوات القادمة. وبعد مدة سيصبح لدي قطيع من الماعز. أبيع منه جزءا، وأدع الباقي ليتكاثر. وهكذا دواليك. أما أن أنتظر خمس عشرة سنة أو أكثر لأرى درهم ابني فهذا من باب المستحيلات.”وهذا فعلا ما فعله. لكن بعد سنوات، وبعد رحيلي عن القرية، صادفته فأقر بخطأه.

إن سكان قريتي يأخذون نفس خصائص باقي قسمات أيث ورياغر، ومنها مثلا، حسب هارت الذي يقول: “ناهيك عن أن الورياغليين لا المرتابين دائما من الغرب….”. كما يضيف: “[إنهم] متمردون عنيدون رافضون للانصياع والخضوع.” ( ص. LXXXII)

كما يقول: “تتصف هذه القبيلة [أيث ورياغر] وعموم منطقة الريف الناطقة باللغة الأمازيغية بفقر أراضيها الفلاحية وكثافتها السكانية المرتفعة مما ترتب عنها بروز ظاهرتين ثقافيتين أولاهما الهجرة التي كانت في البداية تتم نحو غرب الجزائر، ثم تحولت في الوقت الحاضر صوب دول اوربا الغربية.” (LXXXIII)

من الناحية الإدارية، لقد كان الدوار خلال الحقبة الاستعمارية تابعا لقيادة أيث بوعياش، وحتى في مرحلة الاستقلال وصولا إلى إعادة التقسيم الإداري الأخير بعد جعل المركز الحضري لبني بوعياش بلدية مستقلة إداريا، وإنشاء مجموعة من الجماعات القروية منها جماعة النكور التي غدا دوار أيث بوخلف ينتمي إليها في الوقت الراهن. والمسافة التي تفصل عن مدينة الحسيمة التي يقع جنوبها تقدر بحوالي 30 كلم، نصل إليها عبر الطريق الرئيسية رقم 2 الرابطة بالناظور إلى حدود مدشر تملاحت، ومن هناك على الطريق الجماعية التي تربط بتماسينت، غير أننا ننحرف يسارا ابتداء من مدشر إيزيضن. وبعد حوالي ثلاث كيلومترات نكون وسط الدوار حيث المسجد وما تبقى من دور أسرة أو جاجغو أولاد موح أمزيان التي ينتمي إليها قائد انتفاضة الريف 1958-1959.

 

يقول هارت: “لأن الورياغليين كانوا قد عاشوا أحداثا واحدة من بين ثلاث ثورات قبلية بارزة وأكثرها دلالة وأهمية ضد الحكومة المركزية بالرباط. هذه الثورة التي قد انتهت شهورا قليلة فقط قبل عودتي إلى الريف في يوليوز 1955. ” (ص. LXXXVI )

لماذا هذا الكلام عن قريتي الذي قد لا ينسجم إلى حد ما مع عنوان هذه الحلقة؟ إن ضرورة التأثيث والتأسيس لما سيأتي من سرد ونصوص عن عادات وتقاليد ووقائع تاريخية هو مبعث ذلك. زد على ذلك أن هذه المعطيات تبقى أولية، اعتمدت فيها على الرواية الشفوية بشكل أساسي. لذا أطلب من الذين لهم ما يمكن أن ينير طريقنا في هذا المضمار أكثر أن يمدنا بيد العون.

مدينة النوارس، المضيق، 07 أكتوبر 2015

Comments

comments