محمد السقفاتي: اللاجئون إلى أوروبا.. إيلان والسحر الذي انقلب على الساحر

  • 0

نحن لا نريد ضيافتكم.. طعامكم سنرميه وملابسكم سنحرقها. نحن اللاجئون السوريون لا حاجة لنا لأية مساعدة أتت منكم. بقي لنا الآن فقط مسافة 350 كيلومترا لنلتحق بميركل العظيمة وندخل أرض ألمانيا. سنقطع هذه المسافة راجلين، وأنتم، فقط افسحوا لنا الطريق وابتعدوا عنا. نحن لا نريد أي شيء منكم. فقط ابتعدوا عن وجوهنا”.

محمد السقفاتي قاص وشاعر مغربي مقيم في هولندا

 

هكذا صرخ لاجئ في عقده الثالث أو الرابع بإنجليزية فصيحة جيدة، ضد الشرطة الهنغارية، وقد تحول في قلب هذا الحدث، إلى شبه متحدث رسمي باسم المئات من اللاجئين السوريين وهم يستعملون في مسيرتهم إلى ألمانيا، طريقا سيارا قطعوه على السيارات وعلى المناطق.

الرجل نفسه صار في الأيام التي تلت، قبلة ومحطة إنزال إعلامي من مختلف البلدان، قصد التقاط شيء من سخطه وشيء من البلاغة في كلامه، مباشرة من أرض دولة هنغاريا.

لم أجد وقتذاك وأنا أتابع نشرة الأخبار أحدا أتقاسم معه ذهولي الساخط، غير زميلة هولندية:

–  يا له من طفل مدلل! يا لها من إساءة لصورة اللاجئيين! أهذه هي الصورة التي نريد حقا نقلها عنهم وعن مآسيهم؟

جحضت الزميلة عينيها وقالت وكأن كلامي قد استفزها:

–  كدت أن أقول إنك إنسان عنصري. ألم تر صورة إيلان؟ ألم تثر عواطفك وتصنع فيك شيئا؟ كيف لك أن تقول هذا وأنت تعرف أحسن مني ماذا عايشه هؤلاء من ويلات وكوارث ومآسي!

سنتكلم في الموضوع بعد أسابيع أو بعد شهور، قلت في نفسي، وحينذاك سأراك وقد غيرت وجهة نظرك، وقت أكون أنا فيه لا أزال أدافع عن حق اللاجئ.

نعم.. لقد حقق إيلان، الطفل حنظلة، ذلك الطفل السوري الذي لفظه البحر، حقق بصورته التي تداولناها كثيرا، أكثر من الأشياء التي لم تكن ممكنة من قبل، في ظل تحكم وسيادة لسياسة وثقافة تقشفية يمينية، جعلت من “كفاية من الأجنبي”، عنوانا لها.

لقد تغيرت بغتة لهجة الصحافيين ونبرة الإعلام، بعدما شهدت الساحات حشد الجموع في مظاهرات ترحيب باللاجئين وازدياد وتعدد كيفيات التضامن معهم. فهناك من وهب من ماله، وهناك من تبرع بأشيائه أو بيده (متطوع)، وهناك من عرض بيته وغرفه.

لكن لم تمر أسابيع، ومع تواصل تدفق لاجئين جدد من جهة، واستفحال الاعتداءات وأعمال العنف والشغب من جهة أخرى، ترى تزايد الاحتجاجات ضد تواجدهم، وعودة اليمين إلى الساحة مستغلا عناوين انتشرت في الإعلام كما تنتشر النار في الهشيم، من قبيل:

مأوى اللاجئين يشهد حريقا أضرمه اللاجئون لعدم رضاهم عن أوضاعهم. مأوى اللاجئين يشهد لأيام متتالية أعمال عنف بين السوريين والأريتريين بسبب تناول الأخيرين للكحول، اعتداء جسدي للسوريين على لاجئ تفوه بكلام في حق القرآن، نشوب مناوشات ليلية بين رجال الأمن واللاجئين. تفريق الشرطة لجموع من الباكستانيين في معركة ضد جموع العراقيين والسوريين. الأكرانيون ضد الصوماليين، اغتصابات وعنف في صفوف اللاجئين من قبل اللاجئين واستفحال كبير للدعارة. إلقاء القبض على اللاجئين المتهمين بمحاولات اغتصاب والتحرش بقاصرات هولانديات… فروا من الاستبداد الديني في دولتهم، وهاهم يتعرضون لأبشع استبداد ديني من قبل لاجئين مسلمين في مأواهم…

“تغيرت بغتة لهجة الصحافيين ونبرة الإعلام، بعدما شهدت الساحات حشد الجموع في مظاهرات ترحيب باللاجئين”

أترى. بعد كل هذه العناوين،  قد بدأ الآن العد العكسي وصار اللاجئون ، هم أنفسهم من يجهزون بأيديهم وأنفسهم على مكتسبات حققت لهم بفضل الطفل إيلان، ونحن نعرف مسبقا بأن الدول المستضيفة لن تستطيع أبدا توزيع اللاجئين حسب الدين والجنسيات أو القبائل والطوائف داخل الجنسية الواحدة التي ينتمون اليها، فما بالك أن تزود هذه البلدان وفي وقت سريع، كل لاجئ أو اسرة لاجئ بمنزل خاص به أو بها؟

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر موقع أنوال.نت

Comments

comments