علي أنوزلا: لماذا تبتلع الحكومة لسانها ويصمت السياسيون في المغرب عندما يحتاج الناس إلى سماع أصواتهم؟

  • 0

حدثان كبيران هزا المغرب مؤخرا، شغلا الرأي العام، وأعاد معهما المواطن اكتشاف العجز الكبير الذي يشل لسان حكومة بلاده ويجعل ساسته يدخلون في سبات شتوي، حتى وإن كان الفصل هو بداية خريف.

الحدث الأول يتعلق بحادث منى، والذي ذهب ضحيته عدد من الحجاج المغاربة مازال عددهم النهائي لم يُعرف بعد. ففي آخر بيان صادر عن وزارة الخارجية تحدث عن مقتل عشرة حجاج وإصابة ثمانية وفقدان أكثر من عشرين. لكن وسائل إعلام بما فيها وكالة الأنباء الفرنسية مازالت تحصي عدد الضحايا من الحجاج المغاربة بنحو 87 قتيلا.

طيلة يوم الحادث، 24 سبتمبر المصادف ليوم عيد الأضحى، لم يصدر أي خبر عن أية جهة رسمية في المغرب حول الحادث، مع العلم أن عشرات الآلاف من المغاربة كانوا ضمن حجاج هذا الموسم. وأول بيان رسمي صادر عن سفارة المغرب في الرياض نفى بنبرة قطعية وجود مغاربة ضمن الضحايا، مع إشارة متوارية إلى وجود مفقودين. وكان على المغاربة وأسر الحجاج في المغرب أن ينتظروا نحو 48 ساعة على وقوع الحادث ليصدر بيان رسمي، وهذه المرة عن الديوان الملكي، ينعى وفاة ثلاثة حجاج، ويشير هو الآخر إلى مفقودين ودائما دون أن يحدد عددهم، لتتوالى بعدها البيانات مرة من سفارة المغرب في الرياض ومرة من الخارجية المغربية، وفي كل مرة يرتفع عدد الضحايا ويزداد مصير المفقودين غموضا، وكأن الأمر يتعلق بأشخاص ابتلعهم البحر. وبعد مرور سبعة أيام على الحادث، سيقرر الديوان الملكي إيفاد بعثة إلى السعودية للتحري حول مصير المفقودين. ومسلسل التشويق المرعب مازال مستمرا.

هل نجح بنكيران في نهج سياسة براغماتية عبر بها أزمات الحكم في البلاد العربية؟

عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية

الحادث الثاني يتعلق بالتوتر الدبلوماسي بين الرباط وستوكهولم. القصة بدأت عندما تم تداول خبر انعقاد اجتماع عاجل يوم الاثنين  28 سبتمبر (أيلول) تحت رئاسة رئيس الحكومة وبحضور ثمانية من قادة أحزاب من المولاة والمعارضة البرلمانية. وبعد ذلك تم تسريب خبر أن الأمر يتعلق بقضية الصحراء وبأن الاجتماع جاء بتعليمات من الملك محمد السادس. وتوالت التسريبات مرة تقول بأن الاجتماع قرر إيقاف مشاريع شركة سويدية في المغرب عقابا لحكومة بلادها على عزمها الاعتراف بجبهة “البوليساريو” التي تطالب باستقلال إقليم الصحراء عن المغرب، ومرة تفيد بأن المجتمعين قرروا إرسال وفود حزبية إلى السويد لإقناع قادتها بالتراجع عن قرارهم، ومرة أخرى  تفيد بأن سفر الوفد المغربي إلى السويد تأجل إلى أجل غير مسمى.. وحتى بعد مرور أربعة أيام مازال لم يصدر أي بيان عن فحوى هذا الاجتماع الطارئ، يقول للرأي العام لماذا انعقد وماهي القرارات التي اتخذها المجتمعون!

في كلا الحادثين عاش المغرب وكأنه بلا حكومة وبلا برلمان وبلا أحزاب. وطيلة أسبوع تقريبا، غابت كل الوجوه الرسمية وغير الرسمية التي ألفت أن تؤثث الشاشات الصغيرة الرسمية المغربية بجدالاتها البيزنطية وتحليلاتها المعدة سلفا في المكاتب المغلقة لتوجيه الرأي العام.

الأمر لا يتعلق بعجز في التواصل أو عسر في الخطابة، خاصة لدى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، الذي اشتهر بأنه ظاهرة صوتية، قبل أن يكون زعيما سياسيا، أو لدى بعض الزعماء الحزبيين من معارضة البرلمان الذين يرفعون عقيرتهم كلما تعلق الأمر بانتقاد رئيس الحكومة أو للتنابز فيما بينهم بالألقاب.

المفارقة تتمثل في أن كل هؤلاء ومن يدور في فلكهم من سياسيين وإعلاميين ومحللين، يصمون آذان الناس عندما لا يأبه أحد بصراخهم، ويخرسون فجأة عندما يريد الناس أن يسمعوا أصواتهم ويعرفون آراءهم ومواقفهم.

شرح هذه المفارقة ليس بالأمر الصعب في المغرب، فعندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تصنف بأنها “حساسة”، يلتزم الجميع الصمت في انتظار صاحب القرار الأول والأخير، أي القصر ، وما سيصدر عنه من بيانات وتعليمات..

وإذا كانت من فائدة تُجنى من هذين الحدثين، عملا بالمثل المأثور “رب نقمة في طيها نعمة”، فهي أنهما جاءا ليُعيدا التأكيد بأن المغرب مازال يعيش في ظل ملكية تنفيذية مطلقة. أما الحكومة ورئيسها، والبرلمان بغرفتيه، والتعددية بأحزابها الثلاثين ونيف، والإعلام بوسائله المتعددة المنابر والمتشابهة الصوت، والإصلاحات الدستورية والسياسية والقانونية.. وهَلُمَّ جَرّا، والحملات الانتخابية وصراعاتها المصلحية وجدالاتها السفسطائية.. كل هذه المُؤثثات ليست سوى جُزء من ديكور الواجهة الكبيرة المعروضة للاستهلاك الخارجي.

*المصدر: “هنا صوتك” – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments