حسيميات جمال أمزيان: إياب وحكايات

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد السابع

يقول المثل الفرنسي: “الوافد من بعيد كذاب جيد”. هذا ما يمكن أن ينطبق على العائد من بعيد، المغترب في حالتنا، سواء لدى الجارة الشرقية لما كانت حقول الحوامض والكروم بـ”اللانكدوك” الجزائري تمتص مهاجري الريف المؤقتين الموسميين، أو العائدين من الضفة الشمالية للبحر الأبيض في السنوات الأولى للهجرة، قبل أن تنتقل هذه الظاهرة إلى مرحلة جمع الشمل ولمّ الحقائب للاستقرار هنالك نهائيا وزيارة البلد الذي، كما المؤسسات المالية، فضلهم على الباقين فيه بشعارات تبرز أهميتهم الاقتصادية وإيهامهم أنه بدونهم يمكن أن يصلى عليه صلاة الجنازة. هو فعلا كذلك، إذ غدت تحويلاتهم تحتل المراكز الأولى في مداخيل هذا البلد السعيد، لكن السلبي في هذا أنه خلق لدى الأغلبية منهم سيما الجيل الثاني وما تلاه عقدة التفوق على الباقين هنا، والذين أضحوا مواطنين من الدرجات السفلى، ونسوا الأهل والخلان.

“بما أن الحمولة التاريخية والثقل الأسري كان على عاتقي بعد رحيل “الرئيس”، اخترت إتمام تعليمي وتخليت عن فكرة الهجرة نهائيا”

سبب نزول هذا المثل الوارد أعلاه الذي لا نسعى من ورائه إلى الإساءة أو القدح، هو تلك الحكايات التي كان هؤلاء العائدون يروونها عن معيشهم اليومي، وعن طبيعة الأعمال التي كانوا يزاولونها في تلك المجتمعات، وكذا عن علاقاتهم وطبيعتها بأهل البلد هناك.

كنا صغارا، وبدكان قريب من منزلنا في قريتنا، وعلى حصائر الدوم، نتحلق حول مجلس الكبار وهم يلعبون الداما أو الورق/الكارطا ويرتشفون كؤوس الشاي المنعنعة. كنا نسترق السمع ونصغي لرواياتهم وحكاياتهم الكثيرة عن الهجرة. حكايات شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة لما فيها من عجائبية وغرائبية تتجاوز حدود إدراكنا آنذاك للأشياء وفهمنا لها، بل كانت تتخطى حتى الواقع والمعقول، وهذا ما كان يجعل مخيلتنا تسبح في تلك العوالم المُحكى عنها وحولها. كانت عوالم بعيدة.. بعيدة جدا، فيها أقوام وأناس تكاد تشبه ما كنا نراه في أحلامنا ككوابيس أو أضغاث أحلامنا. مرويات من الممكن أنها هي التي تترسخ في ذاكرتنا بشكل يجعلها تحيى معنا في أحلامنا سيما في الليالي الطويلة والباردة لشتاءات تلك السنين، خصوصا إذا كان ساردها يملك ناصية السرد والحكي.

حكوا كثيرا عن نهر ملوية، أغْزار نْ مَرْويثْ، وكم من شخص انتهت رحلته وحياته على ضفافه. تفننوا في الحديث عن عين بورجة بالدار البيضاء حيث كانت تُجرى للعمال الفحوص الطبية قبل المصادقة على عقود عملهم. وكانت هذه الفحوص الطبية تشمل جميع أجزاء الجسم دون استثناء، وبالطبع بعد نزع الملابس للتعرف على فتوة الشخص وقوة عضلاته وخشونة يديه. كما حكوا عن الجنس ونساء أوربا الزرقاوات العيون والشقراوات الشعر، وعن اللواتي وجدن في بعض هؤلاء ملاذ إشباع رغباتهن أمام برودة أزواجهن. حكوا عن القطار الذي ينطلق من الجزيرة الخضراء، وعن محطة أتوشا بمدريد، وعن هنداي، الممر الحدودي بين إسبانيا وفرنسا، وعن باريس وليون ومارسيليا، وعن المعامل والمناجم.. حكوا عن هولندا وألمانيا. عوالم كثيرة ومعلومات غزيرة كانت تتراكم في عقولنا الغضة، وتتغذى منها مخيلتنا لنبني ونحن صغارا عوالمنا الخاصة، الآنية أو المستقبلية.

قرية آيث بوخلف وفي الخلفية جبال بوعلمة واكزناية (ت) ج. أ.

قرية آيث بوخلف
وفي الخلفية جبال بوعلمة واكزناية
(ت) ج. أ.

الهجرة أضحت مكونا من مكونات حياتنا. لا كلام ولا حديث بين النسوة والكبار والصغار والفتيات اللائي ينتظرن عودة المهاجرين للبحث عن عريس، إلا عن “الخارج”. مواضيع “الإيزران” بدأت تتغير حيث أضحى موضوع الهجرة في الواجهة مزيحا تدريجيا مواضيع الحب والعذرية وممتهني المهن الأخرى ليقذف بها إلى الخلف.

لا حديث في مقاهي سوق رابع ن توريث أو رثناين ن أيث بوعياش إلا عن الهجرة، وعن عقود العمل، أي كونطراطو، وعن أثمنتها وكيفية الحصول عليها. لا حديث إلا عن جواز السفر، الباسبور الأخضر وما يتطلب من وثائق إدارية وكلفتها، ومن يمكن الاعتماد على مساعدته للحصول عليه. الهم الوحيد والشغل الشاغل للكل وموضوع الساعة، كما يقال، هو الكونطراطو والباسبور. كم من واحد باع كل ما يملك للحصول عليهما.

ظاهرة الهجرة أفرزت مهنا جديدة لم تكن في المجتمع الريفي خاصة أو المغربي عموما، منها مثلا سماسرة عقود العمل، هنا في البلد أو هنالك في بلد الهجرة، وكذا سماسرة الإدارة للحصول على مختلف الوثائق، الإدارة التي اغتنى موظفوها وغدوا من الأثرياء. كما تحلق حول بنايتها، أكانت مقر القيادة أو الباشوية أو حتى بالقرب من العمالة، كتبة الرسائل والطلبات والتوسلات والشكايات عرفوا بالكتاب العموميين، أي كتاب تحت الطلب.

كنت خلال سنوات الستينيات هذه من القرن الماضي أتابع دراستي الابتدائية في مدرسة رابع ن توريث، وكنت أنتقل يوميا في رحلة سيزيفية يومية من منزل العائلة في قرية أيث بوخرف إلى المدرسة صباحا لأعود مساء. وكانت رحلة الصباح والمساء هذه تمتد من شهر أكتوبر إلى شهر يونيو من كل سنة من السنوات الأربع التي قضيتها في هذه المرحلة. كان يوم السوق، يوم الأربعاء من كل أسبوع، يوما استثنائيا، إذ كنا، أنا وزملائي في المدرسة من الدوار، وأغلبهم كان كبيرا في السن وفيما بعد سيتخلون عن الدراسة لينضافوا إلى ذلك الجيش العرمرم من المهاجرين، نرافق المتسوقين الكبار من الدوار والذين غالبا ما كانوا يسألوننا عن تمدرسنا في تلك المدرسة “العصرية” التي بنيت سنة 1961 عقب انتفاضة العز والكرامة. كنا نجيب عن أسئلتهم وببراءة الطفولة أننا نقرأ الفرنسية والحساب على يد معلمين “ذغابيين”، والأخلاق والعربية على يد معلمين “ذريفيين”، فيستهزؤون بنا قائلين بأن هذا علم الكفار، أما العلم الحقيقي فهو في المسيد والكتاب القرآني. ما تقرؤونه سيخرجكم من الدين الإسلامي وسيجعلكم من الملحدين الكفرة. كفاكم من قراءة حكايات القطط والفئران وعبدة الشيطان. ومن زاوية أخرى وبشكل مستفز ودائم ينهون كلامهم معنا باللازمة التالية: “لم يقرأ السابقون وبالأحرى أنتم اللاحقون.”

كان هذا الحديث/الاستهزاء لا يروقني قطعا، وكان يولد لدي حينذاك مجموعة من التساؤلات، بل الشك حتى في نفسي. من جهة ذكريات الوالد، عالِم زمانه في الرياضيات والفلك والفقه والتاريخ، السياسي الثائر، الرئيس، وما أسمعه عنه من لدن الأهل والجيران، يجعل التعلم لدي من أولى أولوياتي. ومن جهة ثانية ما يذكره هؤلاء القوم من مهاترات يحيرني، بل يغيظني ويستفزني في مجمل الأوقات. كما أن جل زملائي من التلاميذ، إن لم نقل كلهم، وجهوا تفكيرهم نحو “الخارج” وما يمكن أن يحققه لهم هذا “الخارج” من رفاهية في حياتهم هنا وهناك، سيما وأنهم كانوا يلاحظون التغيرات التي طرأت على العائدين في المأكل والملبس والسلوك. هذا ما سيحدث فعلا. كلهم غادروا المدرسة والتحقوا بصفوف المهاجرين ليشكلوا الجيل الأول منهم من قريتي.

حقيقة، كان الأمر صعبا والتوفيق بين الوضعيتين غير ممكن. لكن كان علي أن أختار بينهما. وبما أن الحمولة التاريخية والثقل الأسري كان على عاتقي بعد رحيل “الرئيس”، اخترت إتمام تعليمي وتخليت عن فكرة الهجرة نهائيا، وما زلت إلى الآن عند هذا الموقف رغم إحساسي في بعض الأوقات بأنني قد أخطأت. لكن في ذاك الزمان، وفي تلك الظروف التي أعقبت انتفاضة الكرامة، كان من الصعب، بل من سابع المستحيلات، أن أحصل أنا، ابن الرئيس وبحكم سني أيضا، على الباسبور الأخضر.

مدينة الحسيمة الحديثة أموال الهجرة أسهمت في توسع عمرانها وغلاء اسعار عقارها

مدينة الحسيمة الحديثة
أموال الهجرة أسهمت في توسع عمرانها وغلاء اسعار عقارها

وللربط ما بين بداية هذا النص وما أذكره عن تعلمي ودراستي التي بدأت أتقدم فيها رغم كل الصعوبات، أنني في بعض الأحيان كنت أعيد “الصرف” لأولئك الذي كانوا يستهزؤون من تعلمنا “الكافر”. ذلك أن أبناءهم المهاجرين إلى بلاد الكفار كانوا يرسلون لهم الرسائل من “الخارج الكافر”، وحتى ما إذا تمكن فقيه المسجد من قراءة محتواها المكتوب بالعربية، لغة الإسلام، فإن كتابة عنوان المرسل إليه يكون بالفرنسية، لغة الكفار التي يجهلونها، فكانوا يلجؤون إلي، أنا متعلم المدرسة العصرية، لكتابة ذلك العنوان، أو كان عليهم انتظار يوم سوق الأربعاء، للبحث عن بعض التلاميذ “العصريين” هنالك. وكنت من باب الضحك، أجيبهم بأن هذا هو ذلك التعليم الذي تعلمناه في تلك المدرسة “الكافرة” التي يدَرس فيها أولئك “الكفار” قصص القطط والفئران “الكافرة”. إن هذه الرسالة وردت إليك من بلاد “الكفار” التي يشتغل فيها ابنك لدى “الكفار” ويرسل إليك منها النقود “الكافرة” لتشتري بها تلك السلع الجديدة “الكافرة” التي بدأت تغزو السوق والمصنوعة في معامل بلاد “الكفار”. فيا ترى ماذا صنعت البلدان الإسلامية يا سادة.

كانت الرسائل هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين المهاجرين وذويهم في المراحل الأولى، أي في عقد الستينات من القرن الماضي. وبالطبع غالبا ما كانت تلك الرسائل تتضمن بعضا من العتاب عن الأهل لكثرة طلباتهم. كما كانت تتضمن بعض التلميحات الموجهة إلى الزوجة التي بعدت بينهما المسافات وطال بينهما الفراق. وبما أنني كنت صغير السن، فكانت بعض النسوة يأتين إلى منزلنا لأقرأ لهن تلك الرسائل بعيدا عن رقابة والد الزوج المهاجر. لكنني غالبا ما كنت أتحاشى ذكر عبارات الاشتياق والحنين وتمني الاتصال والوصال بالزوجة العزيزة. ومن باب الاستحياء، أُجمل كل ذلك في العبارة/اللازمة التي كانت تتكرر في كل الرسائل بدون استثناء، وهي عبارة ” ولا ينقصنا سوى النظر في وجهكم العزيز”. أما الرسائل التي كانت في الاتجاه المعاكس فغالبا ما كانت تتضمن عبارة ” الجميع يسلم عليك ويطلب منك أن تبعث لنا شيئا من النقود”.

"الباصبور لخضر" غنىت به الحناجر في الستينات والسبعينات

لقد أحدثت الهجرة تحولات عميقة في المجتمع الريفي، تحولات مست مختلف مناحي الحياة وسلوكات الفرد. زادت من قاموس معارفنا، وخلقت مهنا جديدة، وحسنت من مستوى معيشة الكثيرين. كما أنها أفقرت الكثيرين. أثرت في عاداتنا وتقاليدنا، وفي لباسنا وفي مأكلنا وفي تنقلاتنا ووسائلها. وسعت من مداركنا وأفق الفضاءات التي غدونا نتعامل معها. تغيرت وسائل تواصلنا واتصالاتنا. من حيوانات الجر إلى السيارة، ثم القاطرة والطائرة والباخرة. من الرسالة الشفوية إلى المكتوبة وشرائط التسجيل، ثم الهاتف والبرقية. من سرد الحكايات في ليالي الشتاء الطويلة والباردة إلى المذياع، ثم آلات التسجيل والتلفزيون باللون الأسود وبالألوان ثم الرقمي حاليا، وكذا الفيديو وتسجيل الحفلات. من الاستماع إلى “الإزران” في أماسي حفلات الأعراس إلى الأغاني العربية، ثم الأمازيغية والأجنبية. من ” الأمذياز ” إلى محترفي الغناء. من الغناء الذكوري في بعض المناسبات إلى النسوي في جل الحفلات. من الجلابة إلى اللباس الأوربي العصري. كل شيء تغير وتحول. تغيرات سريعة نكاد لا نشعر بها إلا بعد وقوعها وترسخها في المجتمع.

تقول أورسولا كينغسمايل هارت، زوجة دافيد هارت، صاحب “إنجيل وموسوعة أيث ورياغل”، في خاتمة مؤلفها “وراء باب الفناء: الحياة اليومية للنساء الريفيات”: «كان الريفيون أول المغاربة الذين هاجروا إلى الجزائر المستعمرة في منتصف القرن التاسع عشر للعمل في أراضي المعمرين الفرنسيين في وهران ونواحيها…كذلك كانوا الأوائل لاكتشاف الفرص الجديدة للعمل في أوربا سنة 1960؛ فرنسا، هولاندا، بلجيكا وألمانيا الغربية، دول كانت في أمس الحاجة إلى اليد العاملة. وهكذا أضحى تقاطر المهاجرين كالفيضان….(ص.167)

“أحدثت الهجرة تحولات عميقة في المجتمع الريفي، تحولات مست مختلف مناحي الحياة وسلوكات الفرد. زادت من قاموس معارفنا، وخلقت مهنا جديدة، وحسنت من مستوى معيشة الكثيرين. كما أنها أفقرت الكثيرين”.

لاحظنا تغيرا في كل الجهات تقريبا، تغيرات أحزنتنا وأقلقتنا. في هذه المنطقة كانت المنازل من طابق واحد أو طابقين، بينما الآن يبدو وجود عمارات من أربعة طوابق أو خمسة في كل الأسواق التي مررنا بها. في غالب الأحيان دون تخطيط. بناية هنا وأخرى هنالك. لا علاقة لذلك بما يعرف بالتخطيط العمراني. أما مطرح النفايات ففي كل مكان. كان من السهل معرفة مصدر الإلهام لهذه العمارات. جاءت من أوربا مع المهاجرين…(ص169)

في طريقنا إلى هناك (سوق الأربعاء) شعرنا بالحزن حين رأينا العمارات الكبيرة في إمزورن التي تحولت إلى غابة إسمنتية…(ص169)

جلبت الهجرة الكبيرة التي عرفها الريف تجزؤ وتقطع أوصال العائلة النووية أو “النوبث” إما بشكل مؤقت أو دائم. فالنساء اللواتي يمكثن هنا يرون أن بعض صديقاتهن يرافقن أزواجهن للعيش في أوربا الرائعة. هؤلاء الشابات المتحررات يعدن وهن يحملن أخبارا وإشاعات عن الأزواج الغائبين، ويحكين أن البعض منهم قد تزوجوا هناك بالأجنبيات وهن لا يعرفن أنهم متزوجون ولديهم أولاد في المغرب. وهذا يسبب الغيرة للنساء اللواتي يمكثن في البلاد.

رأينا الكثير من الشباب بدون عمل – وربما لا رغبة لهم فيه – يجلسون في المقاهي ينتظرون وصول حوالة مالية قد يرسلها الأب. أما الذين مظهرهم جميل فيسعون إلى ربط صلة ما مع سائحات متعطشات إلى التسلية ومستعدات لصرف النقود.» (ص170)

 

قرية الصيادين (الرينكون) بتاريخ 28 شتنبر 2015

Comments

comments