نجاة بقاش:مملكة الجنون.. “الإهانة”/5

  • 0
نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

ما أصعب أن يحس المرء بمرارة الإهانة في عقر داره ولا يستطيع الرد بمثلها…. وما أصعب أن يشعر المرء بالإحباط لمحاولات باءت بالفشل.. لما يرافقهما من شعور بالحسرة  والندم…. وما أعظم أن نتقاسم مرارة الكأس الذي جرعناه، مع سيد كان بالأمس القريب عنا غافلا….

إنه موقف سخيف  للغاية… لا يحسد عليه… عدالة إلهية وحكم “دوام الحال من المحال“…يفرض قاهريته عليه مثل غيره… تغير بريق نظراته لي… أضاء المجلس اصفرار لونه… توقفت ملامح وجهه عن التعبير… كيف للإهانة أن تعرف له طريقا؟… خاب أمل من ظن يوما أنه للسماء وللأرض مالكا… كيف لسيد أن يخونه ذكاؤه…؟ وكيف للحاجب أن يغيب عنه أمر كهذا؟… خارت قواه فوق الكرسي المرصع الذهبي… لم تعد معه الحياة لها نفس المعنى كالسابق… نظر إلى حاجبه معاتبا مستاء… ماذا سيقول للأمانة عن الإهانة؟ ماذا سيقول لفرحة طائشة سبقت أيام العيد؟… للعود والعنبر وللحلي التي اشتراها لي قبل يومين؟… بل ماذا سيقول للمجسمات الشاهدة على ضعف الإنسان وانكشاف المزيف…؟

«علمني الهامش ألا أخاف عندما أكون مع الغرباء… وكيف أصبح ملكة بدون العروش… وكيف لا أبهر باللؤلؤ والمرجان، مهما كان باهظ الثمن»

وقف وسط الطريق وحيدا مثلي… ضائعا بين كبريائه وأفكاره… ليت فتاوى الحاجب تنفع معه… صدقوني لم أكن أتمنى أن أرى معذبي في ذاك الموقف… أحسست أنني لا أكرهه… ولا أستطيع أن أهواه… آه لو لم تكن بيننا تلك الأيام والكراسي… لما أحببت سواه…. آه من لعبة انعكاس المرايا عند ضياع الأماني…

كطفل صغير يبحث عن ثدي أمه… يستكين إليه لينسى إهانته… مرتبكا… مندهشا… متسائلا كيف لمجنونة أن ترفض عرضا ملكيا كالذي عرضناه؟…

تقدم نحوه الحاجب مسرعا كالبرق… تاركا وراءه موجة من الرعب… منحنيا انحناءة العجوز للدهر… مذلولا مقبلا يد سيده الممتدة… حركات الحاجب البهلوانية… وسرعته المكوكية تشفي غليل العدو… يحاول خدمة سيده ولو كان ذلك على حساب كرامته… يطمح أن يكون كل شيء إلا أن يكون آدميا… أشفقت بدوري عليه… وصليت صلواتي من أجله… من العبث أن يذهب المرء إلى إلغاء ذاته لإرضاء غيره… والاعتقاد بوجود حقيقة وحيدة تلغي الآخر في داره… تشفي غليله وترضي غروره… لا لشيء إلا لقصر نظره… من العذاب أن نكون محيطين بغبي مثله… نتنفس، نستيقظ ونمشي على نبضه… آه من إهانة الأول ومن خيانة الثاني…؟

في انسجام وتناغم يقوم الحاجب بهوايته المفضلة… الهمس في أذن سيده… ألم أقل لكم سيدي؟ ألم أقل أن لسانها طويل؟… يركض، يرقص على إيقاعات البوليرو تارة والطانغو تارة أخرى، يمشي يمينا وشمالا كذئب جائع… يتربص بفريسته… رفعت عيناي إلى السماء لعلي أرى كروانا تائها يمر من هناك… أرى أشعة الشمس تضيء المكان بدلا من اصفرار لونه… تسبح لخالقها…لا لغيره…

اخرس، أيها الشقي… أجابه السيد… دعني من المجنونة ومن لسانها الطويل الآن… أريد جردا مفصلا عن ترتيبات استقبال الأمير الاسباني… لا أريد خطأ واحدا… أو خرقا في البروتوكول… رفعت الجلسة وانصرف نحو جناحه الخاص، غير مبال بي… لم يلتفت إلي كالقدر… ذهب وتبعته حاشيته… ولم تذهب معه حيرتي… ما مصيري أنا بعد هذا العذاب والأسر؟…اشتقت لقطتي، وللخبز الحافي، للرغيف الملتوي، والشمس المحرقة، وضجيج الشارع، ورائحة السردين والبصل…

بعد لحظات، جاءني رجل وسيم، قامته وطريقة لباسه، أوحى لي بأنه أمير دنماركي، بابتسامة مقنعة وانحناءة خفيفة فيها اشمئزاز وتقزز من شخصي، ربما رائحتي الغير مصنفة لم تعجبه… أو ربما شعري وملابسي الغير مرتبة ذكرته بالغبن… طلب مني مرافقته، فمشيت وراءه نحو المجهول؟…

علمني الهامش ألا أخاف عندما أكون مع الغرباء… وكيف أصبح ملكة بدون العروش… وكيف لا أبهر باللؤلؤ والمرجان، مهما كان باهظ الثمن…هكذا أنا…بل هكذا أصبحت…لا أطيق حياة البذخ والثراء… وغيري لا يعرف للحياة طعما…

أدخلني في نفق طويل، لمعان أرضيته تكاد تعميني… سجادات بلونها الأحمر ترسم لي حدود انسيابي… تماثيل مصطفة تحياني…

انتهت مهمة مرافقي بظهور سيدة تتحرك برقة ورشاقة… كمضيفة الطيران الهولندي… بلباس أزرق وبرتقالي… بلسان فرنسي واضح طلبت مني مرافقتها… “Suivez-moi s’il vous plait“.. أحسست أنني في المنطقة الحرة… أستطيع أن أفعل ما أشاء… أجبتها “ماغى لا“،  لم تفهم ما كنت أقصده… فابتسمت…الابتسامة هنا سيدة الموقف… فهي جزء من عملها المضني، عملية ميكانيكية خالية من أي إحساس… خلال رحلتي هته، أدركت أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان… أشياء أخرى لم أكن لأعرفها لولا لعنة الأقدار…

وجدت نفسي في غرفة فسيحة أظنها غرفة للنوم… تتسع لعشرات العائلات… شموع وورود أفرشة ملكية وأقمشة مطرزة، حريرية من Satin duchesse و Brocart .. لم تر عيني رونقا مثلها… بل كانت جدتي تحب أن تحكي لي كثيرا عن تفاصيل مصدرها… في تلك الليالي الحالكة قبل طلوع الفجر… كانت المسكينة تتمنى أن يكون مصيري أحسن حال من مصيرها… في الغرفة أشياء كثيرة جميلة ولامعة لم أستطع لمسها، لأنني لا أستطيع دفع ثمنها… كان في الجانب الأيسر من الغرفة، أريكة متأرجحة من اليمين إلى اليسار… أو من الشمال نحو الجنوب… لا أدري… لفتت أنظاري، كانت تتأرجح بدون انقطاع… كانت تناديني باسمي… تركت كل شيء خلفي… بل ونسيت كل شيء لتأخذني إلى عالمها العجيب… لعلي أنسى فيها همومي بعض الوقت… حكت لي أشياء كثيرة… اعتقدتها لا توجد إلا في خيالي… من بينها قصة أمير جريح جميل كان يسكن قلبي، مات عشقا للحرية في سبعة وعشرين من عمره… ليلة زفافه… غنى فيها العندليب أجمل أغانيه… آه كم أبكتني قصته… زادتني شوقا على همي… تمنيت لقاءه لأحكي له عن حزن جدتي… التي ماتت حسرة عليه…

أفقت على أصوات عويل وصراخ تطاردني، بل تطردني من الغرفة نحو اللأمكنة… تشكي العالم المرئي… لم أستطع النوم ولا الراحة معها… راودتني أسئلة كثيرة أدخلتني في دوامة المال والسعادة وأشياء أخرى…

جاءتني الوصيفة مرة ثانية، بصوت عذب ومظهر أنيق تطلب مني مرافقتها… هذه المرة نحو الطابق العلوي… نحو عالم التصنيف… عفوا عالم التجميل… يريدون قص ضفائري وأظافري حتى أبدو جميلة ومهذبة… مثل السيدات الجميلات المؤثثات للصالونات… أتحدث بصوت منخفض… أتحرك على إيقاعات الفالس… وألبس فساتين قصيرة تسمح بترميم تقاسيم جسمي… وقبعات أنيقة تخفي أفكاري الثائرة وتعطي لي شكلا ومظهرا آخر… ومساحيق على وجهي لتقول كل شيء إلا أنني غير راضية… أتعلم كيف أفرح وأبتسم، أرقص كالفراشة بدون أية مناسبة… وأجامل كلما دعت الضرورة… ولم لا أحمل اسم أميرة أو دوقة… تاهت عنها السفينة… إنه طقس عبور نحو العالم المرئي المزيف…لا بد منه… استسلمت لا لشيء إلا لأني واثقة من ثبات الثابت… مجهود تبذله المسكينات يضيع في سبيل مجنونة سئمت كل شيء إلا الجنون… يحاولون ضخ دماء الحياة الجديدة في كائن أصبحت معه المعاني والدلالات تعني شيئا واحدا هو النضال… ثم النضال… أشياء كثيرة تراودني… سأحكي تفاصيلها في الحلقة السادسة… (يتبع)

Comments

comments