محمد أمزيان: أمام المهزلة.. كلنا مسؤولون

  • 0
محمد أمزيان إذاعة هولندا العالمية

محمد أمزيان
إذاعة هولندا العالمية

لم تهدأ بعد أمواج انتخابات الرابع من سبتمبر الجاري. ولعل أبرز النقط التي يتجادل حولها المجادلون أكثر، هي تلك التي ترتبط بالتحالفات الجماعية والبلدية والجهوية وظفر أشخاص بعينهم برئاستها، بعد أن وجه الناخبون لهم رسائل واضحة عبر صناديق الاقتراع. أرى أن الذي حدث يرقى إلى مستوى “المذبحة” التي طالت إرادة المصوتين، وليس المواطنين، إن كان لهؤلاء حقا إرادة. جميعنا مسوولون أمام التاريخ والأجيال القادمة.

لنوضح أولا أن ما جرى خلال عمليات تشكيل المجالس وانتخاب رؤساء تلك المجالس، جهوية ومحلية، لا يتعارض في الجوهر مع قوانين الانتخابات المعمول بها. وهنا تكمن المعضلة. ينبغي إذن الإسراع في إصلاح الخلل التشريعي إن فكرنا مستقبلا في الانتقال ببلادنا إلى مستوى استعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وذلك بسن تشريع يحترم إرادة صناديق الاقتراع، وإلا فسندخل بلادنا في دوامة عبثية تكون فيها “الشطارة” هي المقياس.

“النقد الذاتي.. هذا ما ينقصنا. ينقص المواطن الفرد، ينقص الأحزاب السياسية، ينقص المسؤول في الدولة، ينقص المسوول عن الدولة”

لا يجدي إلقاء المسوولية على عاتق أشخاص بعينهم، فهؤلاء استغلوا الثغرات القانونية المتروكة عمدا ليمروا عبرها سالمين غانمين. فمن سمح بتمرير تلك الثغرات أو تجاهلها – كل من موقع مسؤوليته في الدولة أو في المؤسسة التشريعية أو في الحزب السياسي- مسؤول بشكل مباشر عن “المذبحة”. الدموع واللطم واتهام شخص بعينه ب”شيطنة” الديمقراطية في بلادنا، لن تعفيه من مسووليته السياسية والأخلاقية. فالعملية، ومنذ السماح بانطلاقها دون علاجها من تلك الأمراض الفتاكة، كانت تحمل في جيدها أسباب سلخها. لا يختلف “الحداثي” عن “التقليدي” ولا “المحافظ” عن “الديمقراطي” ولا “التاجر” عن “المحتال”. الكل مشارك في الجريمة.

حتى تلك الأحزاب التي دعت المواطنين لمقاطعة الانتخابات، مشاركة في ذبح الديمقراطية لأنها أخلت الميدان جبنا منها وتخلت طوعا عن دورها، وإلا فما الفائدة من تأسيس حزب سياسي إذا كان برنامجه الوحيد قائم على مبدأ المقاطعة بدعوى “انعدام” الشروط. عن أية شروط يتحدث هؤلاء، وهم أنفسهم  يتهربون من مسؤولية خلقها؟ أينتظرون نزول الديمقراطية نزولا كاملا ناجزا كما ينزل الغيث من السماء؟ على هذه الأحزاب أن تعيد التفكير في حساباتها، وأن تشمر عن سواعدها لتعبئ قواعدها وتحرك الرأي العام الراكد واليائس من أجل هدف لن يختلف حوله اثنان: قطع الطريق أمام سمسرة إرادة المواطنين. هكذا تشتغل الأحزاب السياسية إذا كانت فعلا تريد أن تسهم في حركة التغيير، وليس الاختباء وراء لازمة انتفاء الشروط لإخفاء تخبطها الذي بات بنويا.

نحن المواطنين أيضا مسؤولون حينما سلمنا رقابنا لجلادي الديمقراطية طائعين. حينما آوينا إلى بيوتنا وكأن ما يجري لم يعد يعنينا. قد يكون اليأس هو الذي دفع “الأغلبية الصامتة” للانزواء في صمتها ويأسها من إمكانية تغيير ما خُطط له سلفا وراء الكواليس. اليأس، في نظري، هو أكثر الأمراض فتكا بمصير المجتمعات. اليأس من النظام، اليأس من الأحزاب السياسية، اليأس من السياسيين، اليأس من حدوث التغيير. فمن أوصلنا لهذا المنحدر؟

النقد الذاتي.. هذا ما ينقصنا. ينقص المواطن الفرد، ينقص الأحزاب السياسية، ينقص المسؤول في الدولة، ينقص المسوول عن الدولة. وإذا لم نتسلح بالشجاعة في نقد تهربنا الجماعي من تحمل المسؤولية، واكتفينا بتوجيه اللوم للآخر، فلنقبل بمصير السلخ كالأنعام.

المصدر: المساء

Comments

comments