سلام كواكبي: هل حوار الأديان نفاق متبادل وحديث مغلوط؟

  • 0

في العصر الإسلامي الحديث، عصر الاستقلال، عصر الدولة الوطنية وبناء الحداثة، انتشر منهجٌ جديدٌ يُعنى بالحوار بين الأديان أو بحوار الأديان أو بالحوار بين أتباع الأديان. وبالطبع، فقد انحصر هذا الحوار مبدئياً بالديانات السماوية لمدة طويلة قبل أن تدخل فيه عناصر جديدة تم القبول بها على مضض، وبتأثير وضغط خارجي غالباً على المبادرين في الحوار.

ولقد حفلت المنطقة العربية ببرامج متعددة من هذا النوع، جمعت فيما بينها ممثلين عن الديانات، وحاولت أن تظهر وكأنها واحات تحابب وتعاضد وتقارب. وقد نجحت اللقاءات التي عقدت في هذا الإطار، بمجملها، في بناء شبكات ثقة وتواصل عملت من خلالها شخصيات دينية بارزة على نشر خطاب تصالحي وسلمي. وغاب عن الكثيرين ما هو حجم تأثير هذه المبادرات الحقيقي على أرض الواقع، أو حتى، ما هو حجم حقيقة اقتناع المشاركين فيها بمضامينها بعيداً عن الشكل والخطابة.

“المشاكل حقيقية وصارخة بين الأفراد المنتمين للديانات المختلفة. والعطب ليس في جيناتهم ولا في نصوصهم الدينية على تنوّعها. العطب الحقيقي هو في وجودهم غالباً في ظل حكومات وسلطات مستبدة”

كما كان ملاحظاً دائماً وقوف مؤسسات حكومية أو شبه حكومية، ترتبط بأنظمة حكم ينقصها الفعل الديمقراطي بكل أبعاده، وراء الكثير من هذه المبادرات. وعند التعرف إلى طبيعة هذه الأنظمة، والتي ترفض الحوار مع شعوبها أساساً، يمكن اعتبار مشاريع الحوار الطموحة على مستوى الأديان وكأنه جزءاً من الكوميديا السوداء.

ولقد سيطر النفاق المتبادل طويلاً على هذه الحوارات. كما الحديث المغلوط عن مصادر روحية لمحبة الآخر و”التسامح” مع الآخر. وبمجرد التطرق لعبارة التسامح، فنحن نقف أمام تصنيف أدنى للآخر مهما كان هذا الآخر. لأننا “نتسامح” معه أو نقبل به أو نتغاضى عن اختلافه عنا.

للحوار علوم ومدارس، ولكنه بالتأكيد ليس ما يجري في أروقة الكثير من هذه اللقاءات التي تشرف عليها الحكومات المعادية لمبدأ الحوار في مجتمعاتها وفي مؤسساتها، ولا تلك المساجد التي لا تقبل الحوار في مضمون وممارسات معتنقي مذاهبها، والتي ترتبط عضوياً بالمستبدين من الحكام، ولا تلك الكنائس التي استقطبتها المنظومات السياسية والأمنية السائدة نتيجة خوفها المتخيّل أو الواقعي من موقعها “المتدني” في المجال العام. ونست أو أنها تناست، دور القمع والشمولية في الممارسات السياسية في تجزئة المجتمعات وإلغاء التجانس ومحاربة التنوع.

المجتمع المدني، إن وجد في بعض البلدان، فهو غائب عموماً عن مثل هذه الحوارات إلا فيما ندر. وتغييبه مقصود لأنه مُغيب عن كل العمل العام. ويبقى الحوار في الخطابات الوردية و”الغزل” المتبادل بين ممثلي الدين الرسميين من كافة الأطراف.

المشاكل حقيقية وصارخة بين الأفراد المنتمين للديانات المختلفة. والعطب ليس في جيناتهم ولا في نصوصهم الدينية على تنوّعها. العطب الحقيقي هو في وجودهم غالباً في ظل حكومات وسلطات مستبدة تستخدم الشأن الديني كسلاح للتفرقة وللسيطرة. وبالتالي، يجري تطويع الخطاب الديني في هذا الاتجاه. وليست فقط الجماعات المتطرفة ولا المنظمات الإرهابية من تهدد “استقرار” المجتمعات المُتخيل. بل المهدد الحقيقي هو انعدام مساحة التعبير وفقدان الرغبة بالحوار الداخلي سياسياً كان أم دينياً.

قبل أن يتحاور المسلمون والمسيحيون واليهود، عليهم أن يتحاوروا كمسلمين فيما بينهم والآخرين فيما بينهم أيضا. الحوار مفقود بين المسلمين كهنة وأتباع (لأن الكهنوت موجود شئنا أم أبينا في الإسلام)، وبين أتباع مختلف المذاهب. كما بين المؤمنين بالدولة الدينية والآخرين المؤمنين بالدولة المدنية. كم هي متعددة ومتشعبة مجالات الحوار قبل الوصول إلى “المسرحيات” التي نهايتها دائماً بيانات جميلة الصياغة تدعو إلى المحبة والتآخي، والصور التي يبتسم فيها الجميع دون قناعة ودون صدق.

قبل إطلاق مبادرات الحوار الخاوي، يجب أن يتم الاعتماد أكثر على المنظمات غير الحكومية التي تتبنى هذا المنهج دون أجندات استبدادية وتسعى لتعزيز الحوار داخل كل مجموعة على مبادئ أساسية هي في صلب الخلافات وأكثرها تعقيداً. فبعيداً عن المسائل الدينية والفقهية، هناك مبادئ إنسانية إن لم يتم الاتفاق على معالجتها بشكل مشترك، سيبقى الدوران في المكان هو الشعار. أهمها هو حرية التعبير والاختيار والعقيدة. كل ما عدا هذا، تفاصيل.

*باحث أكاديمي سوري مقيم في باريس، وهو حفيد عبد الرحمان كواكبي صاحب كتاب “طبائع الاستبداد”..

المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

 

Comments

comments