نجاة بقاش: مملكة الجنون “/3

  • 0

المحاكمة- الحلقة الثانية

ومع ذلك فإن في بلادكم فسادا..

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

صمت رهيب عم أرجاء القصر مرة أخرى، حتى ظننت أن الآلهة بجانبي جاءت لتلبي النداء.. والملائكة حاضرة لتصلي صلاة الغروب.. أغرب محاكمة سيشهدها تاريخ البشرية…. رائحة العود بدأت تخنق أنفاسي تذكرني بالموت والعزاء.. صور أشباح كنت أراها تحلق على الجدران…. صراخها يملأ رأسي، يكسر هدوء المكان.. بنخوة الأمراء وبإشارة من يده الممتلئة، طلب من الحاجب مغادرة المكان كأنه يريد إنهاء الصراع بطريقته الخاصة، أثار انتباهي خاتم من الذهب الخالص مرصع بالحجر الكريم يقبل يده.. ذكرني بزمن الحمداني وبصوت عميق منخفض يكاد لا يسمع بغثتي بالسؤال: “ذكروا جنابنا باسمكم؟ سنكم؟ وطنكم؟”

“أزول أزدجيذ، “نش ثرلي  “…. سني يتجاوز ” 2963 إسكواسن”….”

بحركة خفيفة ملؤها احترام الكبار رد التحية.. فحياني من بعده، كل من كان حاضرا بالمجلس….كأنهم ليسوا من هتفوا قبلا بقطع لساني..

“ماذا تقولين فيما نسب إليكم سيدتي؟ تكلمي… عليك الأمان؟” فقبل أن أجيبه عن السؤال، قاطعني بدون استئذان، فهمت أن ثمة أشياء أزعجت السلطان أكثر من غيرها.. لا بد لي من إجابة في مستوى انزعاجه… “كيف تتحدثين عن القطيع في مملكتي؟.. أتقصدين أنني من فصيلة الذئاب؟.. كيف تدعين أن في بلدي قاطع الطريق؟.. وحكمي يسوده فساد وشخير؟.. فلولا الخصوصية والثنائية التي تميزنا، لأصبحنا في خبر كان.. ألا تعلمين أنه لولا نور المصباح لأصبحنا في حلكة الظلام؟… لولا نور شمسنا لاعتقدنا أن الحداثة هي شمسنا.. لولا ضخامة الجرار لما استطعنا جر المقطورات.. لبقيت تائهة بدونه.. لولا سخاء الجمل والسنبلة لمات الشعب جوعا.. لم نكن لنصل لولا سرعة الحافلة والحصان.. لولا ثبات الميزان لاهتز العرش.. لولا زئير الأسد وصياح الديك لماتت الحيوانات في البلدة.. لولا الحمامة البيضاء والكتاب الأزرق لغاب السلم والسلام، وساد الجهل في البلاد.. لولا نور الهلال لما تبحرت السفينة في الأعالي.. لولا الوردة الفيحاء لما وجدنا من يغني أغنية الأمل البنفسجي.. فلولا حكمة الفرقاء لما حققنا الضبط الاجتماعي.. لما استطعنا توسيع شبكة المساجد في الأزقة والأحياء.. لتذكر العباد بشكر وحمد الله.. فلولا مفاتيح الخير ودفء القناديل لما استحمل الفقير قسوة  البرد.. وقاوم وجود العفاريت والتماسيح..

كم هو جميل أن نكون من المغرب والمشرق.. ويعشق أبناؤنا بلاد المهجر.. أن يكون المغرب قبلة لمن لا قبلة له.. أليس هذا رائعا؟؟

“الشعوب وحدها هي التي تحرر نفسها، وتختار من يحكمها…. الحب والتناغم يبقى الضامن لاستمرارية الوجود…. العلم نور…. الجهل عار…. الظلم دمار…. التغيير حتمية… .والإنسان مقدس…. الحل بين يديكم… .والتاريخ سيشهد لكم…. ولسيادتكم واسع النظر”.

هكذا عقب السيد على معلقتي الوحيدة مترافعا.. أشهد أن الجمع بين الأضداد مهمة ليست بالسهلة، تتطلب كثيرا من الحكمة والحبكة والتبصر.. يضيف قائلا: “جنونكم….جعلكم تعتقدون أن للمملكة وجها مظلما.. وأن الخصوصية قد تكون قاتلة.. كيف لعيونكم ألا ترى جمال ألوان قوس قزح الممتدة على ضفاف الشواطئ والأنهار؟ عبقرية المبادرة والثنائية.. ثورة الإنصاف والمصالحة.. العدالة والتنمية.. الأصالة والمعاصرة.. أليس الاعتراف بالمجهودات فضيلة؟؟؟

احترام السيد والتفاني في حبه، أمر مقدس لدينا، لا غبار عليه.. من أجله قدنا ثورة التغيير.. وقبلنا ركوب المجازفة.. من أجله أتواجد هنا وفي كل مكان.. في الأفراح والأفراح.. في الاقتصاد والإعلام…. في الداخل والخارج…. رحيم أنا على السجناء.. كريم مع المبدعين.. متسامح مع المذنبين… قصة حب لا يفهمها إلا عاشق ولهان….”

آذن لي سيدي بالكلام.. ربما لن نجد فرصة أخرى للقاء.. ومع ذلك فإن في بلادكم فسادا.. ربما كان كلامي فضا غليظا لا تتخلله كلمات حنان أو نغمات لحن شجي، إلا أنه صادق نابع من عمق الإنسان.. احترام أكنه للتعايش الذي استمر مآت السنين….

صدقني سيدي، أكبر جريمة في حق الأوطان، هو فقدان الإنسانية للإنسان.. فقدان الإحساس بالانتماء.. ما أصعب أن يكون الوطن مقبرة للأحلام.. أن يعيش فيه الإنسان لقيطا غريبا.. ألا نتعرف على بعضنا.. أن ننسى ملامح وجهنا.. أن ننسى كيف نحب أنفسنا.. أن نكذب لكي نعيش.. الدمار الشامل هو دمار الذاكرة للذات.. ويبقى الانتحار أسوء تعبير عن فقدان الأمل…. غياب العدل وفساد القضاء…. لن ينفع معه الندم ولا البكاء…. لن ينفع نور المصابيح ولا رائحة الورود…. لا توقيع المعاهدات بين الخارج والتلميع في المحافل…. ولا حتى الفصح والصلوات في المساجد…. ومع ذلك فإن في بلادكم فسادا….

صدقني سيدي، لن يجدي التراجع عند فوات الأوان…. إن ظلم الوطن للإنسان وقتل الأحلام، جرح لا ينسى…. اسألني أنا…. الطفل الذي يموت جوعا وشوقا للعب…. ويشهد على اغتيال براءته وكسر لعبته، مشروع اسم إنسان لن يعرف كيف يحبك في السلم ويدافع عنك في الوزر…. الطفل الذي يرى دمع أمه لن يستطيع تجفيف عيونه…. سوف لن تجد القيثارة ألحانا تغنيها له…. هكذا يبقى الشيخ وحيدا في المدينة، تائها  بعيدا عن مريده…. ومع ذلك فإن في بلادكم فسادا….

ليس صمت الشعوب دليلا على رضاه…. وليس كل ما يلمع ذهبا…. ويبقى أفضل الحلول بين يديكم…. حذار من لعنة الأقدام الحافية، والبطون الجائعة وبكاء المظلوم…. فما جدوى المصابيح إذا لم تنر الطريق…. والكتب السماوية إذا لم تحقق العدل في الأرض…. ما جدوى الآلهة إذا لم تجعلنا نحس بوجودها…. والملوك إذا لم تسعد الإنسانية…. وما جدوى الإنسان إذا لم يقدس الأرض ويحب من عليها، ويعشق من سواها…. ومع ذلك فإن في بلادكم فسادا….

الشعوب وحدها هي التي تحرر نفسها، وتختار من يحكمها…. الحب والتناغم يبقى الضامن لاستمرارية الوجود…. العلم نور…. الجهل عار…. الظلم دمار…. التغيير حتمية… .والإنسان مقدس…. الحل بين يديكم… .والتاريخ سيشهد لكم…. ولسيادتكم واسع النظر….

(يتبع)

 

Comments

comments