فاضل مندني: مقارنة بين وضع اللاجئين في المنطقة العربية وبين أوربا

  • 13

انشغل العالم خلال الأيام القليلة الماضية بأخبار اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين كما يحلو للبعض تسميتهم، لكن المضحك في الأمر هو عندما نرى بعض دول المنطقة (في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) تنتقد طريقة تعامل الأوروبيين مع اللاجئين الذين هربوا أساسا من الحروب والاضطهاد المستشري في منطقتنا، والذي لا يرحم ولا يستثني أحدا فيها. هذه الدول التي لا تحترم أساسا أبسط حقوق الإنسان في تعاملها مع مواطنيها، فما بالك مع الغريب الذي فقد بيته وأفراد أسرته لكي يلجأ لها من دول الجوار.

وإن تكرمت هذه الدول واستقبلت اللاجئين، فإنهم يتحول إلى ورقة ضغط يتم استغلالها سياسيا، وفرصة للبلد المضيف من أجل تجميل صورتها إعلاميا أمام الرأي العام العالمي، وتبدأ معاناة اللاجئين مباشرة بعد استقبال دول منطقتنا لهم، ويتم إسكانهم في معسكرات يمكن وصفها ب”الحجر الصحي”، حيث تنعدم فيها أبسط الخدمات الأساسية والصحية التي يحتاجها اللاجئ.

أعداد اللاجئين الذين وصلوا أوروبا عبر البحر 2014-2015

أعداد اللاجئين الذين وصلوا أوروبا عبر البحر
2014-2015

وإذا قمنا بمقارنة بسيطة لما تقدمه الحكومات في منطقتنا مع ما تقدمه الدول الغربية للاجئين، سنجد أنه لا أوجه للمقارنة بين هذا وذك. فالقوانين المتعلقة بالهجرة في الغرب تتغير ويتم تحديثها باستمرار بما يتوافق مع الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، إلا أن دول المنطقة تفتقر لقوانين عملية وفعالة لتنظيم حياة اللاجيء وإن وجدت تكون عقيمة وتشوبها الكثير من الثغرات التي تسمح باستغلال اللاجئين من قبل موظفي الدولة وانتشار الفساد الإداري بهذا الخصوص.

سأبدأ بالبلد الذي انحدر منه إيران، فمنذ الاحتلال السوفيتي لأفغانستان في 1979 حتى الآن يعيش أكثر من مليون لاجئ أفغاني في إيران، إلا أن الغالبية يعيشون في أوضاع مزرية. فالقوانين في إيران تقيد تحرك اللاجئين بشكل عام وتمنعهم من العمل أو تأسيس مشاريع خاصة، حتى لدرجة أنه يصعب عليهم الحصول على رخصة قيادة السيارة.

ناهيك عن التميز العنصري الذي يعاني منه الأفغان بسبب الخلافات السياسية بين إيران وأفغانستان وتغير مزاج الساسة في إيران بين الحين والآخر، مما يؤثر بالسلب على الأوضاع المعيشية للاجئين. ويتعرض اللاجئون الأفغان في إيران في خلال السنوات الأخيرة إلى هجمات من إيرانيين غاضبين يزعمون أن هؤلاء اللاجئين يستأثرون بوظائف ومهن كانت من نصيب الإيرانيين الذين يشكون الفاقة والبطالة.
الوضع لا يختلف في تركيا التي لجأ إليها أكثر من 1.8 مليون لاجئ سوري منذ اندلاع الأزمة السورية والتي باتت تستخدم كغيرها من دول المنطقة ملف اللاجئين السوريين كورقة سياسية لتحقيق أهدافها السياسية. ففي مختلف المدن التركية المتاخمة للحدود السورية نجد الكثير من المعسكرات ومراكز إيواء اللاجئين المكتظة بالهاربين من ويلات الحرب الداخلية السورية.

ولا يختلف وضع اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذين يعيشون في معسكرات أو مخيمات للاجئين أقل ما يمكن وصفها بالحظائر. حيث يصل عدد اللاجئين السوريين في الدول العربية بحسب الإحصاء الذي أجرته إحدى المنظمات التابعة للاتحاد الأوروبي في آب/أغسطس الماضي إلى أكثر من 1.6 مليون لاجئ، مقسمين حسب الترتيب التالي: لبنان 1.7 مليون، الأردن 630 ألف، العراق 250 ألف ومصر 156 ألف لاجئ، ناهيك عن عدد اللاجئين داخل الأراضي السورية والذي يصل عددهم إلى 7.6 مليون حسب التقرير. هذا فضلا عن دول الخليج التي ترفض استقبال اللاجئين السوريين على أراضيها بحجج واهية رغم الثروات النفطية الطائلة التي تمتلكها.

أفواج اللاجئين تتقاطر على بلدان أوروبا الغربية

أفواج اللاجئين تتقاطر على بلدان أوروبا الغربية

وبالرغم من كل هذا فإن هؤلاء اللاجئين يفتقدون أبسط الحقوق المدنية والإنسانية، حيث إن هذه الدول تعرف باستشراء الفساد في مختلف أجهزتها الحكومية مما يعرض اللاجئين لأبشع أنواع الاستغلال المالي والجنسي.

فبحسب التقارير التي نشرتها بعض منظمات المجتمع المدني ومنظمات الإغاثة في هذه الدول يتعرض اللاجئين السوريين خصوصا النساء والأطفال منهم للاستغلال الجنسي من قبل موظفي الإغاثة المحلين أو الشرطة، ونقلت تلك التقارير شهادات نساء تعرضن للمضايقات من قبل المشرفين على توزيع المؤن الغذائية، حيث أجبر الكثير منهن لممارسة الجنس مع هؤلاء الموظفين مقابل الحصول على حصصهم الغذائية.

كما أن اللاجئين في المنطقة يعانون من مشاكل أخرى لها علاقة بقوانين اللجوء حيث يمنعون من العمل خارج معسكرات اللجوء أو التنقل من مدينة إلى أخرى، حيث إن بعض هذه الدول لا تصدر أوراق ثبوتية للاجئين على أراضيها لتسهيل عملية سفرهم مما يعرضهم للمضايقات سواء من قبل أفراد الشرطة أو بعض العصابات.

وبالرغم من كل تلك المشاكل التي يعاني منها اللاجئون في بلدان المنطقة، فعلى الساسة والمثقفين في منطقتنا بشكل عام أن يخجلوا من أنفسهم قبل أن ينتقدوا دول الاتحاد الأوروبي وطريقة تعاملها مع أزمة اللاجئين التي تعصف بأوروبا هذه الأيام. فدول المنطقة كانت ولا تزال تستغل أزمة اللاجئين سياسيا. وعلينا أن ننظر إلى أن نسبة وإن لم تكن كبيرة من هؤلاء المهاجرين الذين لجأوا إلى دول الاتحاد الأوروبي ليسو بسوريين فقط. بل ممن فروا من الاضطهاد الذي يمارس في حقهم في أوطانهم سياسيا واجتماعيا.

فأوروبا التي يتم انتقادها باستمرار من قبل ساستنا، كانت ولا تزال تستقبل هؤلاء اللاجئين بمختلف جنسياتهم وانتمائاتهم العرقية والدينية والثقافية وتفتح أبوابها لاستقبال اللاجئين الفارين من ويلات الحروب والتميز والاضطهاد والتعذيب، بسبب هؤلاء الحكام والساسة الذين يحكمون بلداننا رغم عنا .

وأود أن أسأل حكام منطقتنا؛ ألا تخجلكم مشاهدة الصور التي تنقلها وكالات الأنباء والقنوات الإخبارية باستمرار عن غرق الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين في البحر الأبيض المتوسط يوميا، وآخرها صورة الطفل السوري إيلان شنو الكوردي؟ ألا تستحون من قرار رئيس الوزراء الفنلندي الذي أعلن بأنه سيفتح منزله الواقع في كيمبيلي بشمال فنلندا لاستقبال طالبي اللجوء مع حلول العام الجديد، ودعا مواطنيه إلى إظهار تضامنهم مع المهاجرين القادمين إلى أوروبا هربا من الفقر والحرب؟ ألا تخجلون من أنفسكم وأنتم تشاهدون تبرعات الموطنين في أوروبا طواعية واستقبالهم الحار للاجئين في النمسا وألمانيا بحفاوة، والتي لطالما رسموا عنها صورة القارة العنصرية التي لا ترحم الأجانب و التي تعادي الإسلام والمسلمين؟ أما حان لساستنا أن يستيقظوا من سباتهم العميق وأن يخرجوا من كهوفهم ويغيروا من نظرتهم للعالم؟

Comments

comments