نجاة بقاش: مملكة الجنون/2

  • 0

(في هذه الحلقة الثانية من “مملكة الجنون”، تواصل نجاة بقاش رسم معالم هذه المملكة وتقصي أغوار حدودها الرمادية).

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

المحاكمة

بعينين غائرتين، مندهشتين كان السيد يتأمل تفاصيل جسمي وتقاسيم وجهي الغير منسجم مع المألوف.. متسائلا عما يكون هذا الشيء المبعثر… عفوا هذا الكائن الغريب.. المنتصب أمامه. لم تر عيناه قبلا مثلي إلا في القصص التي حكتها الجدات والأساطير في تلك الليالي الحالكة الممطرة تحت القناديل. يتأملني كما لم يتأملني أحد قبله عله يجد للمعادلة معنى… من يكون هذا الكائن الشفاف، الشبه عاري؟ ماذا تريد من الحياة ومني؟ محاولا إيجاد ملامح لوجهي.. إعطاء معنى لهذه الثنائية المفروضة عليه.. إيجاد مقاربة للبت في التهم التي وجهت إلي. يا لها من مهمة صعبة تستدعي أكثر من مغامرة.. طقوس عبور نحو المجهول تنتظر السيد يحتمل فيه ترك المقعد جانبا.. موقف يستوجب مراجعة الدروس، هذا ما يتجنبه كل زعيم…. موقف تلزمه الحكمة والتبصير… وهل يا ترى سيستطيع؟

«سيدي.. قد أحضرنا لجنابكم الكريم، مجنونة الموسم رقمها 2963.. المثيرة للجدل.. ذات الصيت واللسان الطويل»

ينظر إلي محاولا تمثيل شيء لا يعرفه…. كائنا خفيا لا مرئيا أحمله…. تصنيف من لا يقبل الترتيب…. أيضعني بين الرجال أم الحريم…. بين الإنس أم الجن…. بين الأسياد أم العبيد؟ لم يكن يدري أن بجوار مملكته قد توجد كائنات خشنة عابرات للأزمان مثلي.. لا تكل من الانتظار.. صامدة كالأهرام في وجه الرياح والأقدار.. قدرتها تتجاوز كل التوقعات.. وطنها لا يسمح باختراق أجوائه إلا من تأكد أنه إنساني…

لم يستوعب ما رآه وما سمعه مني/عني ولم يجد قوة لتجميع كلماته التي سقطت عنها الحروف لإعطاء الفرصة للأحاسيس لعله يراني بشكل ثان أعجبه…. لم يكف عن تأملي لحظة.. أحرجني بنظراته العميقة حتى كدت أصدق أنني حقا سبب الجحيم…. صمت رهيب عم في المجلس.. الكل مترقب متأمل سيده منتظرا الإشارة منه لينفذوا في حكم الإعدام…. لم يكن يبالي لما كان يقوله الحاجب المتوتر….

سيدي.. قد أحضرنا لجنابكم الكريم، مجنونة الموسم رقمها 2963.. المثيرة للجدل.. ذات الصيت واللسان الطويل.. المتطاولة على الجغرافية والتاريخ…. تدعي أنها بنت الغرب والمغرب…. جدتها الكاهنة وجدها آت من بلاد الجرمان.. علمها أزرق، أخضر وأصفر يتوسطه حرف يرمز للإنسان الحر يرفرف في كل سماء.. رائحتها نتنة تنشرها في كل مكان.. تقول عنكم سيدي إنكم سيد القطيع…. حكومة سيادتكم يسودها عبث وشخير.. الفساد فيها بنيوي لم تر له نظيرا…. وتقول عني قاطع الطريق…. فما هو حكمكم سيدي على هذا الادعاء الخطير؟

سمعت أصوات جوقة هاتفة في السماء…. آتية من الخلف…. طبول ودفوف تنادي بقطع لساني…. تعلن على نهاية روايتي.. قبل بدايتها…. أزعجني دويها…. كنت أسمعها في أذني سنفونية ينقصها اللحن الجميل، والصدق في التعبير…. كما أزعجت السيد نفسه…. تساءلت خلالها لماذا لم يعط الإشارة لوقف الضجيج؟ أليست كل السلط بيده أمر يسير؟

سيدي.. لا تعطوا لها فرصة الإفلات من العقاب.. مثلها يستحق أن يكون تحت التراب.. عبرة لكل مجنونة سولت لها نفسها: قذف الأسياد ومعارضة التيار…. معانقة المسيحية والبكاء على الحائط…. قتل الأخلاق في الإنسان والتطاول على الأديان..

نظر إلي السيد حائرا، كغير عادته مشفقا، لحال مسحوقة مثلي.. كيف لها أن تكون بكل هذه الجرأة والجنون؟ أي حكم سيصدره في حقي؟ أيصدق الحقائق المعرضة أمامه ضدي؟ أم يصدق حدسه الذي كان في صالحي؟

الأصوات لم تكف عن المطالبة بالقطع مع الفساد.. نظرت إليه متسائلة من يكون هذا الفساد؟ فابتسم لي خلسة حتى لا يراه أحدا.. هامسا ما مفاده مسرحية المد والجزر.. لعبة الفأر والقط…. تستهوي النظام.. تأكدت أنني باسم الغموض والفساد سأعدم لا محالة.. لم أفكر حينها إلا في قطتي التي سئمت انتظاري…. وأشيائي المبعثرة التي وعدتها بالعودة.. القصيدة التي لم أختم بها ديواني.. كنت أعرف أن جنازتي ستكون كبيرة…. يتصدرها لحن الوداع وموسيقى من عزفي…. لم أكن أتمنى أن أموت كالأشياء تحت نغمات الفساد….

غضبة كادت تفقدني صوابي…. كيف لحكومة ضاقت الدنيا بقراراتها…. يغيب عنها المنطق والضمير، تكذب كما تتنفس….تصادر الحقوق كل مساء…. ترقص على الحبلين كالبهلوان…. كيف لها أن تبقى خارج الحساب والعقاب؟ كيف للحاكم أن يأذن بازدواجية الخطاب؟ كيف لأمة ألا ترى حقيقة أمرها؟ وكيف لي أن أكون أكثر إشفاقا على حالها؟ كيف للتاريخ أن يكف عن إعطاء دروسه؟ كيف للآلهة ألا تنزل لعنتها على هؤلاء؟ وجدت في قلب الحيرة تفسيرا، تاه عن الكثير وعني… يجيب عن سبب هذياني، تأخر البلاد وانهيار القيم….أشفقت بدوري على السيد وعن البلاد…. وأشفقت على الجنون من العبث….

(يتبع)

المتهمة رقم 2963 

 

 

Comments

comments