علي أنوزلا: شكرا شعب ألمانيا

  • 0

شكرا ألمانيا وشكرا للشعب الألماني. شكرا للشرطي الألماني الطيب الذي نزع قبعته ووضعها فوق رأس الطفل السوري اللاجئ في تعبير رائع عن المعاملة الإنسانية التي يفرضها عليه ضميره قبل واجبه المهني.

شكرا لجحافل الألمان الذين أزعجوا شرطة بلادهم بكثرة الهدايا والهبات التي حملوها إلى محطات القطارات لاستقبال اللاجئين الهاربين من استبداد الشرق. ولأول مرة في التاريخ تصدر شرطة بلد ما بيانا مقتضبا على صفحتها على “التويتر” تطلب من شعبها أن يكف عن التبرع لأن التبرعات فاقت التوقعات حتى ضاقت بها قاعات محطات القطارات.

شكرا للجماهير الألمانية التي وقفت لساعات طويلة في محطات القطارات والساحات والميادين والشوارع، جاءت فرحة وتلقائيا لترحب باللاجئين وكأنها تستقبل أبطالا متوجين.

ألمانيا تستقبل أفواجا من اللاجئين السوريين

ألمانيا تستقبل أفواجا من اللاجئين السوريين

شكرا للسلطات الألمانية التي ألغت في صمت تطبيق معاهدة دبلن بالنسبة للاجئين السوريين، التي تنص بنودها على إعادة المهاجرين إلى أول بلد أوروبي دخلوه. حدث هذا في الوقت الذي مازال يتوافد  فيه آلاف اللاجئين نحو ألمانيا ولم يرتفع صوت واحد ينتقد قرار الحكومة أو يعارضه. قرار يأتي، ويا للمفارقة، في الوقت الذي قررت فيه دول عربية مثل المغرب فرض تأشيرات على السوريين، وحولت دول عربية أخرى مأساتهم على أراضيها مثل الأردن، إلى شماعة للتسول باسمهم.

“مقابل عبقرية الشعب الألماني الذي يبهرنا يوما عن يوم، نكتشف حجم بؤسنا الذي أنتج ظواهر بشرية مرضية”

شكرا للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي ذكّرت العرب بخارطة بلادهم، فمكة ودبي ومسقط وعمان أقرب من برلين وكبنهاغن لحواضر الشام. وفعلا سيتذكر غذا الأطفال الألمان كما الأطفال السوريين، بأن ألمانيا المسيحية هي التي احتضنت السوريين اللاجئين من كل الديانات والعرقيات بلا حسابات سياسية ولا حساسيات إثنية أو دينية أو عرقية.

كل هذه التصرفات التلقائية والمذهلة ليست غريبة على شعب عظيم مثل الشعب الألماني الذي أبهر العالم دائما بعبقريته وعباقرته، فمن صلبه خرج كبار العلماء والفلاسفة والمفكرين والمخترعين والأدباء والفنانين والموسيقيين والرياضيين.  شعب متفرد في عظمته، عظيم حتى في لحظة جنون قادته وغطرستهم، هذا الشعب خرج من حربين عالميتين طاحنتين واستطاع أن يعيد بناء واحد من أقوى ثلاث اقتصادات في العالم اليوم.

ومقابل عبقرية الشعب الألماني الذي يبهرنا يوما عن يوم، نكتشف حجم بؤسنا الذي أنتج ظواهر بشرية مرضية اسمها “داعش” و”القاعدة” وبشار الأسد ومعمر القذافي وصدام حسين.. ظواهر بشرية “تفننت” في تعذيب وتشريد وتجويع وقتل شعوبها. بؤس تاريخي أنتج أنظمة عربية مريضة بهواجسها الأمنية خوفا على ضياع السلطة وامتيازاتها منها، فتسعى إلى إغلاق حدود بلدانها أمام أفواج اللاجئين الجائعين والمشردين، وبالمقابل لا تبخل بالمال لشراء وإرسال الأسلحة إلى المتقاتلين ليدمروا بلدانهم أكثر ويهجروا من نجوا من البراميل المتفجرة والسيارات المفخخة والقنابل البشرية المنتحرة ومن هربوا من ساحات إعدام “داعش” وعبودية دينها وهمجيته فكرها، إن كان أصلا للهمجية فكر.

إن الإنسان عندما ينظر إلى تلقائية الشعب الألماني وهو يستقبل بالورود والحلوى والابتسامة قوافل اللاجئين الهاربين من همجية التخلف الديني وقسوة الاستبداد الشرقي، يشعر بالخجل لانتمائه إلى الخارطة التي تجمعه مع الأصوليات الدينية والسياسية المتخلفة التي مازالت تحاسب وتقتل الإنسان على الهوية والعرق والعقيدة والولاء للأشخاص.

*المصدر: هنا صوتك – القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية

Comments

comments