إبراهيم حمودة: لاجئو سوريا.. التاريخ في لحظة تكون

  • 0

من ينظر كل يوم لعشرات الآلاف من جموع اللاجئين الذين يحاولون الوصول لأوروبا من مختلف البلدان

إبراهيم حمودة  صحفي وناقد فني سوداني

إبراهيم حمودة
صحفي وناقد فني 

وعبر مختلف الطرق برا وبحرا، بكل ما يلازم رحلتهم من مآسي تظهرها وسائل الإعلام، من يرى ذلك لا تراوده خاطرة أنه يشهد التاريخ في لحظة تكونه.

تماما مثل من شهد اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق “فرانز فرديناند” وزجته على يد الطالب الصربي غافريلو برينسيب، ولم يدر لحظتها أن هذه الحادثة هي لحظة ولادة أول الحروب الكبيرة في تاريخ البشرية الحديث، وربما القديم أيضا.

ما يدفع ملايين اللاجئين السوريين للاحتماء بأوروبا ليس رغبتهم في قضاء عطلة طويلة أو النيل من نعيم الرفاهية والضمانات الاجتماعية والصحية المتوفرة هنا.. النزوح المليوني نحو أوربا سبقته  حركات نزوح وتحرك مجموعات سكانية مختلفة من مكان لآخر بسبب الحروب والكوارث الطبيعية. وقتها لم تكن الحدود محروسة بهذا الشكل المحكم وكان في الأرض ما يسع الجميع.

ولكن حركة النزوح الجديدة قوبلت بمشاعر مختلفة وسط الشعوب الأوربية.. أكثرها فضحا للكائن الإنساني إحساس الكراهية الناجم عن محاولة الاستئثار بالرخاء الحالي وقصره على سكان البلد الأصليين. نرى ذلك من الحوادث العنصرية في ألمانيا ومن الكتابات و”تويترات” الكراهية العنصرية في هولندا التي تدعو لأخذ هؤلاء المهاجرين إلى غرف الغاز لإبادتهم والخلاص منهم.

أكثر الدعوات تحضرا كانت من زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي في هولندا الذي اقترح إرسال 30 ألفا من الجنود الهولنديين إلى سوريا لحماية المدنيين (كي لا يضطرون للحضور لأوروبا).. وأضاف في حديث تلفزيوني البارحة بأنه يمكن حصر المدنيين في الأماكن الآمنة في سوريا.. هو يفترض أن سوريا مثل كرتونة يمكنك أن تحرك فيها قطع الطماطم من ركن لآخر كي تدع الجزء المحترق لحاله.

“ما يدفع ملايين اللاجئين السوريين للاحتماء بأوروبا ليس رغبتهم في قضاء عطلة طويلة أو النيل من نعيم الرفاهية والضمانات الاجتماعية والصحية المتوفرة هنا”

قال كاتب رأي مشهور “يان دايكخراف” في ذات البرنامج التلفزيوني إنه من أنصار الحل الاسترالي (حجز اللاجئين في البحر وإعادتهم من حيث أتوا) يعتقد دايكخراف هنا أن البيض المتواجدين في استراليا الآن قد خلقوا من طينها ولم يأتوا إليها من أي مكان آخر.

الحرب السورية وتبعاتها، مضاف إليها الحروب الأخرى في المنطقة وسيل اللاجئين الناتج عنها هو امتحان الأنظمة الغربية القائمة الآن. يعرف قادة أوربا ويعون جيدا أن تحويل أوروبا لقلعة حصينة أمر غير ممكن. وأن الرخاء الاقتصادي الذي ينعمون به سوف لن يستمر على المدى الطويل في ظل التوترات الاقليمية المختلفة والحروب الناجمة عنها، لذلك يعملون بشكل عملي على استيعاب موجة اللجوء القادمة وتوزيع اللاجئين بنظام “الكوتة” على دول أوربا شرقها وغربها كل دولة حسب امكانياتها.

ولكن من ناحية أخرى يفكر المواطن العادي بطريقة أخرى أقل براغماتية وأقل إنسانية أيضا. لا يريدون جموع اللاجئين في شوارع قراهم الصغيرة الوادعة. اللاجئون يتحدثون بصوت عالي ويحدثون الكثير من الضوضاء ويسيرون في شكل جماعات، وهو أمر يعطي عدم إحساس بالأمان، بحسب قول الكثير من السكان المستطلعين في برامج التلفزة.

قشرة الحضارة الأوربية رقيقة جدا.. نعم لقد تركت أوربا مرحلة الحروب الطاحنة فيما بينها خلفها (تتواصل هذه الحرب بصيغ أخرى داخل البرلمان الأوربي، أنظر أزمة ديون اليونان) ولكن ما ستواجهه هذه المرة هو حرب الضمير. تسلل القناعة للناس العاديين بأن العالم قد تغير وبأنه في سبيله للتغير في هذه اللحظة. أن يتقبل المواطن العادي نفس الآخر الغريب الحار غير المحبب في عنقه باستمرار، ثم لا تراوده نزعة تسديد لكمة له.

Comments

comments