سعيد العمراني: رأي حول الانتخابات

  • 0

تعد الانتخابات الشفافة والنزيهة أرقى اشكال الممارسة الديموقراطية، لكن هذه “العملية التقنية” لانتخاب ممثلين في الجماعات أو الجهات أو البرلمان مرتبطة أشد الارتباط بنظام الحكم وبالقوانين الانتخابية والتقسيم وبطبيعة الأحزاب السياسية ووعي الناس .

سعيد العمراني ناشط حقوقي مغربي

سعيد العمراني
ناشط حقوقي وسياسي

فإذا نظرنا إلى الانتخابات في الحالة المغربية، فنجدها لا تفرز ممثلين حقيقيين منتخبين من الشعب، بالرغم من مرور 60 سنة عن الاستقلال الشكلي والأموال الطائلة التي تصرف من أجل ذلك، بحيث أن النظام لا زال يحتكر كل السلطات في يد واحدة مما يقطع الأمل على أي حزب يريد أن يصل إلى السلطة ليطبق برنامجه الانتخابي والسياسي. لذلك فأي حكومة مغربية في ظل هذا الوضع (الوضع الدستوري الحالي) ملزمة على تنفيذ برنامج الملك ومحيطه.

طبيعة الأحزاب

يتميز المشهد الحزبي الراهن بالمغرب ب”البلقنة” المطلقة والضعف البرنامجي والجماهيري. فالحزب “الحاكم” اليوم في المغرب (العدالة والتنمية) لا يتجاوز عدد المصوتين عليه مليون ونصف ناخب في بلد يتعدى عدد سكانه 36 مليون نسمة.

وهذا الضعف الحزبي له عدة أسباب أبرزها عملية تخريب الأحزاب وتدجين النخب منذ الاستقلال إلى اليوم، ناهيك عن القمع البشع والتضييق الذي تعرضت له القوى الديمقراطية ولا زال.

فتاريخ المغرب عرف بتفريخ الأحزاب الإدارية التي ولدت من رحم السلطة، ورضعت من ثديها وربتها واحتضنتها وواكبت تطورها لتمهد لها الطريق بسهولة نحو السلطة (الاتحاد الدستوري، الأحرار والأصالة والمعاصرة …).

“يتميز المشهد الحزبي الراهن بالمغرب ب”البلقنة” المطلقة والضعف البرنامجي والجماهيري”

فالأحزاب أو الحركات التي كانت تتمتع بعمق جماهيري وبعد ديمقراطي في السبعينات والثمانينات، عمل النظام كل شيء لتشتيتها وإفراغها من محتواها ومناضليها، وتدجينهم في الأحزاب الإدارية وقامت بعزلها وإضعافها بعد قمعها. كما أن هذه الأحزاب سقطت بدورها في أخطاء قاتلة ساهمت في الضعف الشديد الذي تعيشه اليوم. فاليسار الجديد فشل في توحيد صفوفه وتطوير أفكاره والتكيف مع الوضع الذي أفرزه انهيار الاتحاد السوفياتي. كما أن حزبي التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أرادا الاستمرار في السلطة بأي ثمن، بالرغم من اعتراف عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول السابق في ندوة شهيرة ببروكسيل، بخطأ المشاركة في الحكومة المسماة بحكومة “التوافق” واستحالة تطبيق برنامجهم على الأرض، نظرا للعراقيل الكبيرة التي وضعتها وزارة الداخلية ومحيط الملك. وكذلك حديث الاتحاديين عن “الانقلاب عن المنهجية الديموقراطية” وخاصة بعد تعيين ادريس جطو على رأس الحكومة بالرغم من حصول الاتحاد على المرتبة الأولى في الانتخابات.

الانتخابات الجماعية والجهوية الحالية

يتم التحضير للانتخاب الجماعية والجهوية لرابع شتنبر 2015 في ضل استمرار عزوف الناس عن العملية ككل (تسجيلا وحماسا وربما حتى تصويتا)، نظرا لفقدان الأغلبية المطلقة من أبناء الشعب الثقة، ليس في الانتخابات فحسب بل في العملية السياسية كلها. فوزارة الداخلية مددت أكثر من مرة عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية بالرغم من كل التسهيلات التي وضعت لذلك، بما فيها التسجيل عبر الانترنيت لأول مرة في تاريخ المغرب، ومع ذلك ضل عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية هزيلا.

لذلك فمهما كان الموقف من المشاركة أومن عدم المشاركة فيها، فالنتائج تضل محسومة سلفا مادام أن التقسيم والقوانين وتعدد الأحزاب (36 حزبا) وضعت على مقاس وزارة الداخلية لضمان استمرار الفساد والاستبداد.

وعي الناس

إن أغلب المواطنين والمواطنات فقدوا الثقة في كل شيء، فاكبر معركة تنتظر الديمقراطيين الحقيقيين في المغرب، هي إعادة الثقة والأمل للناس وإعادة الاعتبار للسياسة النظيفة، وهذا لن يتأتى حتى يشعر المواطنون فعلا بأن أصواتهم توصلهم إلى الحكم عبر منتخبيهم.

يضاف إلى انعدام الثقة في الأحزاب السياسية، نسبة الوعي والأمية الذي تمس شريحة واسعة من المغاربة نساء ورجالا، نظرا لضعف جودة التعليم وغياب التربية عن المواطنة وحقوق الانسان.

ما العمل؟

تبعا لما سبق قد يبقى الموقف السديد هو المقاطعة مع الاحترام التام للموقف الآخر الداعي للمشاركة. فاحترام آراء الناس هومن صلب الديمقراطية. لكن المقاطعة والمشاركة بدون ربطهما بتكتيك واستراتيجية نضالية تؤدي إلى تغيير حقيقي يبقيان مجرد نقطة ماء في بحر الفساد، لذلك فالقوى الديمقراطية كلها مطالبة بتقييم وضعها التنظيمي والسياسي والبرنامجي باعتبار أن انتخابات شتنبر 2015، مجرد محطة عابرة. لذلك لا بد من احترام المشاركين والمقاطعين من اليسار لبعضهم البعض، لأن مستقبل المغرب محتاج لهم ولكل قوى التغيير جميعها، كما أنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى ب:

– ضرورة إعادة هيكلة الحقل السياسي والحزبي بالمغرب ووضع حد لهذا النزيف الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، والذي يفتح الأبواب على مصراعيها للدواعش والطفيليات ومزيدا من الفساد والإفساد السياسي.

– على كل المواطنين الصادقين سواء أكانوا منظمين في أحزاب أو مستقلين، الوقوف عند الذات وتقديم نقد ذاتي صارم والاعتراف بنواقصنا وثغراتنا وضعفنا. فالاعتراف بالخطأ فضيلة وبالضعف قوة. فلا مستقبل للديمقراطية في المغرب في ظل تشتت قوى التغييرالحقيقية والنظيفة. ولا مستقبل له في ظل استمرار الفساد وإفساد الناس.
– ضرورة إعادة الاعتبار لأسس النضال الصادق والنبيل المبني على أسس التضحية والصدق والعطاء النضالي اللامتناهي وبدون مقابل.

– إعادة بناء  الأحزاب الديمقراطية على أسس جهوية والسماح بتأسيس أحزاب جهوية مستقلة عن الدولة وإعادة النظر في مفهوم الوحدة الوطنية الكلاسيكي. فلا ديمقراطية بدون السماح بتأسيس أحزاب وطنية وجهوية حداثية قريبة من المواطنين والمواطنات وتستمع لهمومهم وتعكس ثقافتهم وذاكرتهم وتراثهم وتاريخهم وترسم مستقبلهم، و ذلك من أجل استشراف المستقبل وبناء مغرب كبير وقوي ديمقراطي، حداثي ، متعدد ومتضامن.

 

Comments

comments