سعيد العمراني: الممارسة السياسية بالمغرب من الجدية إلى العبث

  • 11

(تحليل سياسي) - لغوياً “السياسة” مصطلح مشتق من “سَاسَ” و”يَسُوسُ”، ويعني سبل التصرف في معالجة أمور الدنيا (أمور جماعة أو حزب أو دولة…). و السياسة بمعناها الواسع هي مجموعة من الإجراءات والتدابير والخطط والطرق والبرامج المؤدية لاتخاذ قرارات أو إجراءات، لتغير وضع ما داخل حزب أو طبقة اجتماعية أو مجتمع أو دولة… الخ. كما تعني أيضا كيفية تدبير شؤون جماعة بشرية داخل تنظيم معين أو مجتمع بمختلف تعبيراته و تياراته وفصائله السياسية والثقافية والدينية.

سعيد العمراني ناشط حقوقي مغربي

سعيد العمراني:
“الأحزاب المغربية تشتم بعضها وتمجد الملك”

والسياسة أيضا هي كيفية توزيع القوة والنفوذ بمجتمع ما أو نظام ما، وهذا ما يؤدي إلى صراعات قد تكون أحيانا مريرة و متطاحنة بين الأطراف المتصارعة حول المصالح، كل من موقعه وطبقته الاجتماعية. وهذا ما يتطلب تضحيات جسام للوصول إلى الهدف، والذي يكمن في آخر المطاف في ضرورة تحقيق العدل والحرية والكرامة والأمن والسلام والطمأنينة والشغل والتعليم والصحة لكافة المواطنين والمواطنات.

«إن اعتماد السياسة الوسخة واستعمال المال الحرام والتهريج والسب والقذف، لدليل واضح على أن الأحزاب المغربية المشاركة في البرلمان والسلطة، لا تتصارع على الأفكار والبرامج، بل تتصارع على المقاعد والمصالح والتقرب أكثر من الملك”

وبما أن السياسة هي السعي إلى امتلاك السلطة وتطبيق برامج سياسية وتدبير الشأن العام وتنظيم العلاقات بين الأفراد، بواسطة هيئات ومؤسسات تنظيمية تسخرها لذلك، فإن ممارسة السياسة والمشاركة والانخراط فيها، يبقى أمرا مشروعا لكل أبناء الشعب الواحد دون استثناء، مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية، ومعتقداتهم المذهبية والدينية.

السياسة في المغرب
منذ القدم اختلف المغاربة حول طريقة تدبير شؤون بلدهم، وهو اختلاف مشروع. وما دام أن هذا الموضوع لا يتسع للوقوف عند جذور السياسة في المغرب، إلا أنه لابد من الوقوف، ولو باختصار شديد، عند السياسة لدى المغاربة في العصر الحديث، ابتداء من المرحلة الاستعمارية إلى اليوم.
ففي عهد الاستعمار اتخذت سياسة المغاربة شكلين من أجل فرض التغيير و طرد المستعمر، حيث تكتل المغاربة في أول وهلة في حركات المقاومة وأخرى سياسية. فمنهم من اختار أسلوب الكفاح المسلح كالحركة الخطابية بشمال المغرب و موحا أوحمو الزياني وماء العينين في الأطلس والجنوب. لكن مباشرة بعد القضاء على المقاومة بالتآمر والقوة العسكرية الاستعمارية، ولدت الحركة الوطنية المتمثلة آنذاك في حزبي الاستقلال و”الشورى و الاستفلال” والحزب الشيوعي المغربي. ثم عاد الشعب المغربي ثانية إلى خيار السلاح تحت لواء جيش التحرير بعد تعنت المستعمرين الفرنسي و الإسباني. أما سلاطين المغرب فاختاروا آنذاك طلب “الحماية” نظرا لضعف الملكية وعدم قدرتها آنذاك على تدبير شؤون المغرب والمغاربة.

عهد الاستقلال
تقر الأغلبية المطلقة من المغاربة سرا أو علانية بأن استقلال المغرب جاء منقوصا، وأبرز عناوين هذا النقص هو عدم ترسيم حدود المغرب شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. فإسبانيا حافظت على مدينتي سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما، كما أن الحدود الجنوبية بقيت مبهمة إلى أن استقلت موريتانيا وبروز صراع حول الصحراء بين المغرب وجبهة البوليزاريو، والذي لم يحسم إلى يومنا هذا، لا أمميا ولا رسميا. كما أن الحدود المغربية الجزائرية ظلت ملغومة، مما أدى إلى نشوب حرب طاحنة بين المغرب والجزائر والمسماة بحرب الرمال لسنة 1963.

«الأحزاب التي تهاجم بعضها البعض في البرلمان وخارجه، تمجد الملك وحده دون الشعب الذي انتخب بعض برلمانييها»

هذا النوع من الاستقلال لم يعجب لجيش التحرير الذي واصل قتاله جنوبا وشمالا، كما لم يعجب حتى للعديد من أبناء حزب الاستقلال نفسه، وهذا ما أدى إلى حدوث انشقاق في الحزب وتأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ناهيك عن رفض المواطنين في البوادي والمدن. وعرفت هذه المرحة بصراع دامي حسم السلطة لصالح أنصار اتفاقية “ايكاس ليبان”، بحيث تم تصفية جيش التحرير بشكل بارد وعذب أعضاء حزب الشورى والاستقلال، وقمعت انتفاضات الشعب في الأطلس والريف بقسوة قل نظيرها.

في خضم هذا الصراع ولد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال، وبدا الفرز واضحا بين جناحين: جناح رجعي بزعامة حزب الاستقلال وجناح تقدمي بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهذا ما انعكس على الحركات الاجتماعية كالاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد المغربي للشغل. هذا الفرز ازداد تجذرا باندلاع انتفاضة 23 مارس، والتي عبر من خلالها سكان المدن لأول مرة عن رفض نتائج الاستقلال الشكلي وطريقة تدبير المغرب المستقل، بعد أن انتفضت البوادي من قبلها.

سنوات السبعينات
اتخذ الصراع منحى آخر بدخول الجيش لأول مرة على الخط، عندما قام بمحاولتين انقلابيتين متتاليتين فاشلتين (1971 و 1972). كما اتسمت ببروز الحركة الماركسية اللينينية المغربية (إلى الأمام و23 مارس، ولنخدم الشعب…). واتسمت هذه المرحلة، أي مرحة السبعينات إلى حدود نهاية حكم الحسن الثاني، بصراع واضح وضوح الشمس بين قوتين متصارعتين حول مشروعين سياسيين. فمن جهة كانت المعارضة المشكلة من قوتين يساريتين: القوة المسماة آنذاك ب”الإصلاحية” والمشكلة من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي في ما بعد، وقوة اليسار الجذري المكون من الحركة الماركسية اللينينية المغربية التي كانت تتمتع بإشعاع منقطع النظير ونفوذ في الأوساط الشبابية والطلابية والجمعوية، بالرغم من اعتقال جل، إن لم نقل كل قياداتها البارزة.

لقد كان الانخراط في النضال شرف وتكليف وتضحية وبطولة وانتظار لمصير مجهول. و مع ذلك لم يكن يتردد الشباب اليافع والمخلص من دخول المعركة وإبداع أشكال تنظيمية قاعدية تستجيب لشروط الصراع و تضمن الاستمرارية رغم قسوة القمع والترهيب.

اواخر الثمانينات و بداية التسعينات: الحركات الاسلامية
أدى تطور المجتمع المغربي، بارتباط مع محيطه الإقليمي والدولي، إلى إفراز ظاهرة الحركات الاسلامية. هذه الظاهرة برزت في سياق محاولة إضعاف اليسار والمعسكر الشيوعي ككل بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك. ففي هذا السياق خلق الطالبان لمواجهة نفوذ الروس في افغانستان وحركة حماس لمواجهة نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية وخلق إسلاميي المغرب لمواجهة نفوذ اليسار داخل الجامعات والنقابات والجمعيات وخاصة أمام استمرار سيطرة القاعديين على الجامعات المغربية.

هذه الحركات كبرت وتطورت حتى أصبحت اليوم لاعبا أساسيا في المشهد السياسي المغربي، بل منهم من وصل إلى تقاسم السلطة مع النظام كالعدالة والتنمية مثلا. الحركة الثقافية الامازيغيىة لاعب التوازن وعنصر التعدد بامتياز. إن أهم شيء أضافته الحركة التفافية الأمازيغية للمشهد الثقافي والسياسي المغربي، هو تكسير كل الأفكار الجامدة التي تدافع عن الفكر الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والرأي الواحد والدين الواحد… الخ. لقد أنهت نهائيا مع لغة التصلب والتحجر وهذا ما يحسب إلى مناضلي الحركة الثقافية الأمازيغية سواء اتفقنا أم اختلفنا حول طرق تدبير المرحلة والقضية.

تمييع وتعفن السياسة
بدا تمييع السياسة في المغرب عندما اختلط الحابل بالنابل، ولم تعد هناك حدود واضحة بين “المناضل” و”المخبر”، وبين “التقدمي” و”الرجعي”، بين من يريد أن يخدم مصلحة المغرب ومستقبله، وبين من يريد أن يخدم جيبه ومصالحة. وكانت لمرحلة ما سمي ب”الإنصاف والمصالحة” دورا بارزا لتسهيل اندماج، بل انصهار العديد من المناضلين في منظومة المخزن بحسن أو سوء نية، بل أحيانا دون أن يشعروا بعد أن تعرضوا لعملية ترويض ممنهجة و رفيعة المستوى.

هذا الوضع مس العديد من المناضلين بمن فيهم الصادقين من مختلف التجارب والحساسيات، من الإسلامي واليميني إلى اليساري الاكثر تطرفا، مما دفع الشعب إلى فقدان الثقة في كل شيء والنزوح من أي مشاركة سياسية وتقزيم دور اليسار، بل أصبح أغلب المواطنين والمواطنات يرددون بأن “كل الأحزاب “بحال بحال”، وأن “أولاد عبد الواحد كلهم واحد” . ولقد كان لفشل محاولات توحيد قوى اليسار دورا حاسما في هذا الوضع.

أسباب التعفن
بدون أدنى شك، فإن للنظام دورا أساسيا في تمييع الحياة السياسية وتخريب الأحزاب والمنظمات النقابية والجمعوية، لكن لا يمكن أن ننكر مسؤولية المناضلين، المنظمين منهم والمستقلين، ناهيك عن المثقفين والنخب الفاعلة في المجتمع، حتى أضحى التقرب من المخزن واستعمال اسم الملك والدين عنوانا ورغبة لأغلبية الأحزاب، بل كل الأحزاب المشاركة في البرلمان بدون استثناء. فالأحزاب التي تهاجم بعضها البعض في البرلمان وخارجه، تمجد الملك وحده دون الشعب الذي انتخب بعض برلمانييها، حتى أصبح العديد من المواطنين يتساءلون حول جدوى وجود هذه الأحزاب أصلا ما دامت لا تتحرك إلا لتطبيق سياسة مستشاري الملك وتعليماتهم، وتصفق لقرارات محيط الملك وتمجد بدون تحفظ كل الخطوات الملكية في الحرب والسلم.

و من أبرز مظاهر هذا التعفن في المغرب، تفشي الفساد الإداري والسياسي والتطبيع معه، وانتشار الرشوة والإفلات من العقاب، احتلال مراتب متدنية في التعليم والصحة حسب التقارير الدولية واعترافات أعلى سلطة في البلد. ناهيك عن عدم استقلال القضاء وغياب ضمانات المحاكمات العادلة…الخ.

20 فبراير والقوى المساندة لها

وضعت حركة 20 فبراير الأصبع على الداء الذي أوجع النظام، وصرخت بأن في بلدنا لا تحترم كرامة الإنسان ولا وجود لعدالة اجتماعية و لا للديمقراطية، الشيء الذي دفع بآلاف الناس، على طول خريطة المغرب، للانضمام إلى هذه الحركة والنزول طواعية إلى الشارع مكسرين حواجز الخوف والقمع والترهيب.

لقد سارع النظام من خلال خطاب 9 مارس والمسماة ب”الاصلاحات الدستورية” لوقف زحف الحركة وتطورها لتسهيل القضاء عليها، الشيء الذي نجح في بنسبة كبيرة أن لم نقل 100 في 100. وبعد مرور ثلاثة سنوات من ذلك التاريخ، عادت حليمة إلى عادتها القديمة فأصبح التحضير للانتخابات اليوم تهيأ وتجرى بنفس الأساليب القديمة، بحيث أصبح واضحا بأن لغة المال الحرام و قوة النفوذ والترحال السياسي الفج هي السائدة اليوم ،تماما كما كان عليه قبل 20 فبراير.

فأي أمل يبقى لنا وللأجيال الصاعدة في العملية الانتخابية والسياسية الجارية في المغرب ككل، في الوقت الذي كان من المفروض بعد كل ما وقع أن يكون هناك تنافس ديمقراطي وشريف بين كل الفرقاء السياسيين.

أجواء التهييئ لانتخابات الجماعية لشتنبر 2015
يظل كل مغربي مخلص مندهشا، بل مصدوما أمام تدني مستوى الخطاب السياسي بالمغرب ووصوله إلى الحضيض. فمتى تم في كل بلدان الدنيا تبادل رئيس الحكومة ومسئولين حزبيين بارزين تهما خطيرة مليئة بالسب والقذف، وأخرى في غاية الخطورة دون أن تحرك الدولة ساكنا.

ماذا يعني أن يتهم أشخاص بعينهم ومسئولون حزبيون ب”الاتجار بالمخدرات” وبال”صعاليك” و”المفسدين” وشراء الذمم والأصوات، والدولة تتفرج؟

لماذا لم تفتح الدولة، ملكا وحكومة وبرلمانا، تحقيقا في كل هذه التصريحات، وتخلق لجان قضائية وبرلمانية للتحقيق، لوضع حد لهذا الكلام الساقط والخطير؟ فدولة القانون تقتضي فتح تحقيق، فإما أن المتهم فعلا ارتكب جرما و مكانه السجن، أو الذي يطلق التهم على عواهنه وبدون إثباتات سيكون مصيره السجن. هكذا تتصرف الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها. إن التشهير بالأشخاص وحياتهم الشخصية يحاكم عليه القانون في أوروبا، لكن في المغرب يتم تشجيعه بصمت الدولة عليه.

إن اعتماد السياسة الوسخة واستعمال المال الحرام والتهريج والسب والقذف، لدليل واضح على أن الأحزاب المغربية المشاركة في البرلمان والسلطة، لا تتصارع على الأفكار والبرامج، بل تتصارع على المقاعد والمصالح والتقرب أكثر من الملك، لتصبح في آخر المطاف مجرد ما صرح به يوما إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي عندما قال “نحن معارضة صاحب الجلالة” تماما كما هي حكومة صاحب الجلالة.

هذا النوع من السياسة المائعة مآلها الفشل وتدمير البلاد والعباد، وما عزوف أغلب المواطنين والمواطنات عن التسجيل في اللوائح الانتخابية رغم الإشهار المستمر وتمديدات وزارة الداخلية لعدة مرات، لخير دليل على ذلك.

ما العمل؟
إن استمرار المغرب على هذا الوضح ستصيبه لا محال “سكتة قلبية” ثانية لا يجد من “ينقذه” منها مرة أخرى. والمغاربة مطالبون اليوم، و قبل فوات الاوان، ب:
– إعادة هيكلة الحقل السياسي ووضع حد لهذا النزيف الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، والذي يفتح الطريق على مصراعيه للدواعش والطفيليات ومزيد من الإفساد السياسي.
– على كل المواطنين الصادقين، سواء أكانوا منظمين في أحزاب أو مستقلين، أخذ مسافة بينهم وبين ما يحدث من جرائم في حق الشعب والوطن، والعمل على تقديم نقد ذاتي صارم والاعتراف بأننا بشر كلنا خطاؤون. إن الاعتراف بالأخطاء فضيلة. فلا مستقبل للمغرب في ظل تشتت قوى التغيير الحقيقية والنظيفة. ولا مستقبل له في ظل استمرار الفساد وإفساد الناس.
– ضرورة إعادة الاعتبار لأسس النضال الصادق والنبيل المبني على أسس التضحية والصدق والعطاء النضالي الدائم…
– طرح مشروع / مشاريع سياسية وتنظيمية قادرة على تطوير الأحزاب، سواء أكانت وطنية أم جهوية، وضمان استقلاليتها عن الدولة و المخزن.

Comments

comments