إدريس الغالب: الانتخابات الجماعية بين المحسوبية والتوريث السياسي

  • 0

ونحن هذه الأيام على مقربة من الانتخابات الجماعية، تستعد الميادين والقاعات في كل مدينة وقرية لاستقبال المهرجان السياسي بقرع الطبول الطائفية، وتبدأ المحسوبية والتوريث السياسي. وتتباهى الأحزاب بتسخيناتها المعتادة، ولكل حزب تزكياته لمرشحيه على حسب معاييره السرية والمعلنة.

إدريس الغالب مهندس وناشط حقوقي

إدريس الغالب
مهندس وناشط حقوقي

تشبه الأحزاب السياسية فرق كرة القدم، بطاقمها وتكتيكاتها واستراتيجياتها. كل فرقة تسعى للظفر باللاعبين الممتازين ذوي القدرات السحرية على تسجيل الإصابات والتمرير  والمراوغات… وبعد «الميركاتو» حيث يتم يتبادل الهدافين بين الفرق، تبدأ المناورات ودراسة الخطط. وترى كل حزب يعشق تسجيل الأهداف على حساب الآخر دون أي مراعاة لأدبيات اللعبة. فنجد المرشح يهاجم الآخر بشتى الاتهامات، وغالبا بالتهجم على المقومات الشخصية وليس على البرنامج السياسي، وهذا الأخير يكون في غالب الأحيان غامضا أو منعدما، فيرد عليه الآخر نفس الاتهامات، في ما يشبه عراك اللصوص. كلها «ريتوريكا» دون أي برنامج سياسي فعلي، لا تصلح في الحقيقة سوى لمخاطبة الجهلاء والأغبياء.

«مثل هؤلاء المتطفلين يستخدمون أجندتهم الخاصه بالعزف على وتر التعصب القبلي والانتماء العائلي والمحسوبيه المقيتة والتقسيم الجغرافي العرقي زيادة على شراء الذمم»

كلهم يدعون محاربة الفساد والإفساد وهدر المال العام والسمسرة والرشوة وعمولات الصفقات والمناقصات. أما الحقيقة فما يهمهم في الأخير هو أن يتلهى الشعب عن لب الأمور بالمكافأة الطائفية والعنعنات المذهبية، ليبقوا هم النخبة العفنة في سدة الحكم، متظاهرين بعملهم من أجل حقوق الطائفة التي أهدرت، ومطالبها التي أهملت، وقضاياها التي نسفت… والحقيقة أن القيادات المختلفة المتخاصمة علانية، تتآلف سراً على قضم جبنة الوطن مع الحفاظ على وجودها الدائم رغم التباينات الظاهرية الجوفاء. هذا هو سر هذا الركود في التطور والتغيير مع معطيات الماضي و الحاضر و المستقبل.

و أما الكارثة العظمى فنعاينها على وجه الخصوص في الجماعات القروية أكثر من الجماعات الحضرية. في مجالس جماعاتنا القروية، نجد كثيرا من الفصائل الفاسدة وكأنه متفق عليه… نجد الإقطاعي الأمي ثم نجد صاحب السوابق. حتى مروجو المخدرات و المواد الممنوعة تجدهم على كراسي الجماعات. نجد كل الأصناف مع تواجد قلة قليلة من الشرفاء الذين سرعان ما يغربلون في زاوية خاصة… يا ترى! كيف يعقل أن نجد حزبا “محترما” يعطي التزكية لمروج مخدرات أو ذي سوابق من قريب أو بعيد في الترويج لها، وكيف لك أن تصادف حزبا أعطى تزكيته لأحد المرشحين لمجرد أنه صاحب جاه أو مال دون أن يهتم بتاتا بمنبعهما… أي انتقاء هذا؟! حقا شيء يدعو للحسرة و الانهزام الفكري كأمة بأكملها… أنسيت هذه الأحزاب أن مستشارا أو رئيس الجماعة في نفس الوقت يكون رمزا ومثلا أعلى لأطفال جماعته حتى ولو عن غير قصد!؟ كيف سيفكر التلميذ في المدرسة عندما يدرك أن مثله الأعلى تاجر مخدرات أو ذا سوابق فيها!؟ طبعا سيترك المدرسة ويسلك طريقا آخرا… أو بالأحرى في أي وضع سيكون مؤشر الثقة بالمساطير القانونية عندما يكون حاميها هاربا منها!؟ أترك لكم هنا الجواب على هذه الأسئلة.

مثل هؤلاء المتطفلين يستخدمون أجندتهم الخاصه بالعزف على وتر التعصب القبلي والانتماء العائلي والمحسوبيه المقيتة والتقسيم الجغرافي العرقي زيادة على شراء الذمم. فما زال البعض يستخدم مثل هذه المعزوفات مطية للوصول إلى أهدافه ومصالحه التي لاتتجاوز أطراف قدميه. الوصول ثم الوصول فقط لعضوية المجلس البلدي أو الجماعي، إلى هنا وكفى، و لن يستطيع أن يجيبك بجملة واحدة عندما تواجهه بالسؤال، وماذا بعد؟ أي ماذا لديك للمنطقة، وماذا لديك للمواطن بعد أن تبوأت هذا المقعد وسطوت على الأصوات واخترقت الصفوف وأفقدت من هم أجدر وأحق وأكثر تأهيلا واستشرافا لمستقبل المنطقة من فرصة تمثيل المنطقة؟ سيتلعثم بالطبع. وكأنه يفكر: العيب ليس في أنا، بل العيب يعود على من جاملوني ومنحوني أصواتهم وساندوني للوصول إلى هذا المكان. أما الأسوأ من ذلك فسيصبح عالة على المجلس، مثله مثل الآخرين. والنتيجة ستكون في أغلب الأحيان، مجلسا دون أعضاء، ويبقى الوضع كما هو عليه في الأزمان الماضية ولا جديد، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة.

للخروج من هذه الدوامة الكارثية التي تعرقل تقدمنا إلى الأمام كل مرة، بل ترجع بنا إلى الوراء باستمرار، وجب علينا أن نعترف بقيمة الإنسان كإنسان وأن نبلور سياسات تحتضن كل التيارات والمذاهب دون تطرف. وجب كذلك أن نناقش مستقبلنا دون مذهبية قبلية متعفنة، بل بالحكمة والمصلحة العامة والمحافظة على الحريات والكرامة الإنسانية… ما دمنا نراهن على الشخص الواحد دون الرهان على البرامج السياسية التي على أساسها تكون المحاسبة والمساءلة. وجب إذا أن نضع القانون فوق الكل وحتى فوق الدولة بنفسها كجهاز… على أي حال، الطريق طويلة وشاقة، ولكن ما دمنا لم نبدأ بعد، فسنبقا على حالنا في أسفل السافلين ومؤخرة طابور الرقي بالإنسان…

ولكن من يتحمل مسؤلية هذا الخلل أو المعادلة غير المتكافئة؟ هل هي الحكومة، أم المواطن الناخب الذي أعطي الثقة من قبل الدولة باعتباره مواطنا راشدا ناضجا ومكلفا؟ أو أن الجهاز بأكمله معطوب ووجب إصلاحه أو تبديله جذريا؟

أسئلة لها أجوبة جد بديهية وجد متداخلة معقدة في نفس الوقت… المهم أن يفيق المواطن من سباته السياسي والثقافي ويعرف مصلحته من انعدامها في طابور الوعود الجوفاء.

*مهندس وناشط حقوقي

Comments

comments