عماد استيتو: متى يرتقي خطاب اليسار إلى مستوى النضج؟

  • 1
عماد استيتو صحفي - شاعر

عماد استيتو
صحفي – شاعر

طيلة الفترة الماضية، كنت أتجنب الخوض في هذا النقاش الرفاقي العقيم بخصوص المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها، ليس تهربا من إنتاج موقف واضح وإنما تجنبا للخوض في جدلية أبدية مريضة تتمحور حول من هو “الثوري” ومن هو “الإصلاحي” ومن هو “اليساري المهادن” و”اليساري الممانع” بناء على تفصيل عنوانه “الانتخابات”.

كنت أتمنى فعلا أن يرتقي خطاب اليسار المشارك مرحليا واليسار المقاطع آنيا أيضا إلى مستوى أكبر من النضج، ليحترم كل طرف خيارات الآخر ولا يزايد عليه. كنت فعلا أطمح لأن نخرج من التوصيفات المتبادلة الغارقة في ثنائية “العدمية” و”بيع المبادىء”. في الحقيقة كلا الطرفين لم ينتجا خطابا متناسقا يبرران به رأيهما، لا اليسار المقاطع ولا المشارك قدم برنامجا يستطيع أن يقنعنا أن المشاركة هي حتما الحل، أو أن المقاطعة هو الخيار الوحيد للبقاء في صف “الديمقراطيين” المناضلين ضد الاستبداد.

“لا أرى أي خسارة أفدح من التقوقع على النفس وتضييع كل فرصة ممكنة لإسماع هذا الصوت الرافض، بدعوى الخوف من الاحتواء أو الاندماج في البيئة غير الديمقراطية والتماهي معها”

كل ما سمعناه فقط إلى غاية اللحظة هو لغط تقسيمي قديم- جديد لا طائل منه، فلا المقاطعون واثقون تماما أنه الخيار السرمدي الذي سيصمد كموقف بالنسبة لديهم، ولا المشاركون متيقنون من أن مشاركتهم هذه المرة ستعني مشاركة على مر الدوام، والطرفان في قرارة نفسيهما يعرفان أن ما يجمعهما أكثر مما تفرقه الانتخابات، ولا أحد منهما مقتنع تماما بما يقوله عن الآخر.

على المستوى الشخصي، قد أقول إنني أجد نفسي بين الفريقين، فأنا أعرف أن المشاركة قد لا تكون مجدية لسبب بسيط هو أن هذا اليسار المشارك أقلوي ومتعب، ولا يملك الحجم الكافي الآن ليكون قوة بديلة تحدث التوازن في المشهد السياسي الموبوء. وفي المقابل أعرف أن اليسار المقاطع يعلم أنه غارق في الشعاراتية ويشك في قدرته على إنتاج بديل آخر خارج خطاب الرفض الإسمنتي.

في المقابل، لا أرى أي خسارة أفدح من التقوقع على النفس وتضييع كل فرصة ممكنة لإسماع هذا الصوت الرافض، بدعوى الخوف من الاحتواء أو الاندماج في البيئة غير الديمقراطية والتماهي معها. هذا في حد ذاته إقرار بالفشل والعجز، بل ربما من البلادة قول ذلك لأن جزءا من اليسار المقاطع يعرف جيدا من خلال مشاركاته في استحقاقات انتخابية أخرى-ربما قد تكون الرهانات فيها أقل- أن الذي لا يذهب بقدميه لا يمكن احتواؤه. لست أتفق بالضرورة مع كل ما يتبناه تحالف “فيدرالية اليسار الديمقراطي”، أو حتى مع خلفيات بعض من يودون الترشح باسمه، لكنني أؤيد أي محاولة لإيصال صوت الديمقراطيين المبحوح، بنواقصه وتحدياته وإكراهاته، وبالتالي فإنني أجد نفسي في صف المتضامنين والمساندين للوائح “فيدرالية اليسار” في الانتخابات الجماعية المقبلة.

*المصدر: الصفحة الشخصية للكاتب على الفيسبوك، وباتفاق مسبق معه.

Comments

comments