حسيميات جمال أمزيان: الهجرة.. نائبة أم نعمة ومسرة؟

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

"حسيميات" حلقات انطباعية عن الحسيمة وبلاد الريف يكتبها جمال أمزيان لموقع أنوال.نت

“حسيميات”
حلقات انطباعية عن الحسيمة وبلاد الريف
يكتبها جمال أمزيان لموقع أنوال.نت

المشهد السادس

من الكلمات التي ذكرت في الحلقات السابقة وبتواتر ملفت، لفظة “الهجرة”. الكثير من أبناء هذا المجال الغالي أصابته لعنتها حتى غدت كل بيوت هذا الريف، سواء الجغرافي أو الاثني أو اللغوي أو التاريخي، في مرمى هذا الفيروس ولم تسلم منه. فهل يمكن اعتبارها بلاء أم حسنة ومأثرة؟ الإجابة رهينة بوقع هذه الآفة/النعمة على الفرد ونظرته إليها.

نسبة كبيرة من الذين أصيبوا بها ووصلتهم شظاياها، وهم كثر على كل حال، وعند الحديث عنها وحولها، ومناقشة تداعياتها، يكون “الخارج” مدعاة للتباهي والافتخار والتنافس في إظهار مزاياه رغم الفراق والبعد عن الأهل والخلان. لقد كانت الهجرة إلى “الخارج” وليس الداخل الحل الوحيد والأوحد للضائقة المالية والموارد المعيشية في هذا الريف، من شرقه إلى غربه سيما وأن الاحتكاك بالأجنبي، المستعمر، قد أدخل تغييرا في نمط العيش الذي غدا النقد فيه أساسيا بدل المقايضة التي كانت سائدة فيما قبل، في هذا الريف الضعيف الموارد الاقتصادية والمعيشية.

الحقيبة.. رمز الهجرة والترحال

الحقيبة.. رمز الهجرة والترحال

ومن زاوية أخرى، كانت هذه “المثلبة” ومن هذه المنطقة بالذات من هذا المغرب “الحبيب” هي الحل السحري بالنسبة ل”أهل الداخل/المركز” لامتصاص ردود فعل “وسخونة الرأس” عقب خريف الغضب وثورة العز والكرامة في هذا الهامش القصي المقصي الذي يحترز منه الجميع. وهكذا كان يبدو إذن أن الهجرة هي المخرج والمنقذ والملاذ لكلا الطرفين: المركز والهامش.

لكن، حينما يخلو كل طرف منهما إلى “شياطينه”، يختلف الموقف منها وتختلف زاوية النظرة. فأهل المركز يعتبرون أنفسهم قد حققوا مبتغاهم وارتاحوا من شيطنة هذا الهامش المثير للجدل دائما، والذي لا يريد أن يدع الناس تستفيد مما “أعطاهم الله” في هذا البلد السعيد.

أما أهل الهامش/الريف، وفي قرارة أنفسهم، فيعتبرونها نقمة. لماذا؟ هنا تختلف الشروحات والتوضيحات من جيل لآخر. الأول كان همه الوحيد تحسين مستوى معيشة الذرية “الصالحة” التي مكثت في البلاد وتنتظر بأحر الأشواق عودة رب الأسرة المهاجر بصفة مؤقتة من “الخارج” مثقلا بالهدايا من كل الأصناف، وبرصيد مالي لم يكم يحلم به من قبل. لكن حينما بدأت السنون تطول هناك، والحياة تحلو، والعمر يتقدم، والآفاق في البلد (الداخل) توصد، كان القرار الصعب المتمثل في جمع الشمل لما في ذلك من إيجابيات على مستوى الصحة والسكن والضمان الاجتماعي والراحة النفسية والطمأنة على مستقبل الأبناء. هكذا كان التفكير آنئذ في هذا “المستقبل” الذي سيغدو نقمة فيما بعد حسبما يقول العارفون الآن، وسيتمظهر ذلك في بعض مناحي شخصية الفرد وهويته وثقافته، بل وحتى موقف المجتمعات المستضيفة مع صعود التيارات التي ترى في المهاجرين “بلية” يلزم التخلص منها، وثقلا جاثما على صدورها مع هذه الفوضى العارمة التي يشهدها عالم اليوم.

مهاجرون مكدسون في "البينسيون" (أرشيف متحف الصور - هولندا)

مهاجرون مكدسون في “البينسيون”
(أرشيف متحف الصور – هولندا)

في قريتي ومسقط رأسي، وكباقي قرى هذا الريف، كانت الهجرة سلوكا عاديا وطبيعيا. لقد كانت الوجهة في بداية الأمر نحو الجزائر الفرنسية، سيما منطقة وهران وبوفاريك. وفي هذا المضمار، وبعد عودة المهاجرين قبيل حلول فصل الصيف كانت الحكايات والروايات تتناسل وتروى حول المعيش اليومي والمهني والوظيفي هنالك.

وبحكم ما كان يتميز به أهل قريتي من ثقة وتفاني في العمل، فغالبا ما كانت تسند لهم مهمة الحراسة الليلية في ضيعات الكروم والحوامض. وبالطبع، هي مهمة تتطلب الجرأة والشجاعة والحزم والصرامة والأمانة. وكانوا كثيرا ما يثيرون نوعا من الغيرة والحنق لدى أهل البلد، فتكون النتيجة هي الاصطدامات التي تصل حد تبادل الضرب بين الطرفين وبالعصي.

تلك العصي معقوفة المقبض (ذوقويسث) كان يتميز بها الريفيون، غليظة نوعا ما من أسفله، مقبضها يغلف بالجلد وتدق فيها عدة مسامير. غير أن هذه العملية ليست عشوائية ولا يراد بها الزينة فحسب، بل كل مسمار يدق يعني انتصارا في “معركة” حقيقية. بعد كل انتصار يدق المنتصر  مسمارا جديدا في “سلاحه”، وبالتالي فإن عدد المسامير يساوي عدد الانتصارات. عدد المسامير المغروزة في العصا يشير إلى عدد الانتصارات، ويرسل بالتالي إشارة للآخرين ليأخذوا حذرهم ويعيدوا التفكير إن حاولوا تحديه ودعوته للنزال. وعادة ما كنا نسمح: فلان لديه سبعة أو ثمانية أو اثني عشر “في الكارطة”، لأن معقوفته مزينة بنفس العدد من المسامير.

مهاجر أثناء تأدية عمله (أرشيف متحف الصور - هولندا)

مهاجر أثناء تأدية عمله
(أرشيف متحف الصور – هولندا)

روايات كثيرة كانت تروى حول مسار التنقل من قريتي حتى مغنية أو وهران أو سيدي بلعباس أو بوفاريك. أصعب عائق كان يعرقل هذا المسار هو واد ملوية الهادر، سيما وأن الهجرة غالبا ما كانت تتم بعد الانتهاء من عملية الحرث شهر أكتوبر ونوفمبر، وبالطبع في هذه الفترة، تكون مياه النهر قوية وجارفة. وكم من شخص انتهت رحلته هناك. لذا كان من الضروري الاستعانة بالسكان هناك، لتظهر مهنة العبار، أي الذي يقوم بمساعدة المهاجرين على عبور النهر، لمعرفته بخبايا النهر والنقط السهلة التي يمكن العبور منها دون خطورة.

لماذا كان من الضروري عبور نهر ملوية بدل استعمال الطريق المعبدة وعبور الجسر وفي الحافلات؟ لقد كان هذا النهر يمثل الحدود بين المنطقة الفرنسية وبين المنطقة الخاضعة للاحتلال الإسباني. والانتقال بينهما يتطلب الحصول على رخصة وموافقة من السلطات الفرنسية. وما دام جل مهاجرينا كانوا لا يملكون هذه الوثيقة، فكانت عملية “الحريك” هي الحل. آنذاك، كان الحريك بين ضفتي نهر ملوية، وتطورت فيما بعد إلى “الحريك” بين ضفتي البحر المتوسط، وتجارة البشر والعبور هي متأصلة، ولا داعي للهروب إلى الأمام.

كان من نتائج هذه الهجرة أن كثيرا من سكان الريف استقروا بالجارة الشرقية، تزوجوا هنالك وتناسلوا وتاجروا وامتلكوا وانقطعت صلتهم بالريف انقطاعا تاما، بل وهناك من هاجر من هنالك نحو “الخارج” (أوروبا) لسهولة الحصول على جواز السفر، زد على ذلك أن كثيرا من الفرنسيين الذين كان الريفيون يشتغلون عندهم، أخذوهم معهم إلى فرنسا حينما رحلوا عن الجزائر مع تغير الوضع السياسي بالبلد. ومن أشهر الأسماء في هذا الصدد، أتذكر اسما كان على ألسنة الجميع، وكانوا يطلقون عليه اسم “كَاكَوري”، وهو تحريف لاسم “جريجوري”. فعلا كانت هذه الشخصية على علاقة كبيرة بأهل الريف، وخاصة من أهل قريتي، وساعد الكثيرين منهم على الهجرة نحو فرنسا للاشتغال في الضيعات الفلاحية هنالك. لكن الكثيرين منهم، لم يستقر بهم المقام في الجنوب الفرنسي، بل انتقلوا نحو الشمال، شمال فرنسا أولا، ليل مثلا، ومنها نحو بلجيكا، ثم هولندا أخيرا. أما أهل الناظور، فكانت ألمانيا هي الوجهة والمستقر.

مهاجرون مغارية في هولندا (أرشيف متحف الصور - هولندا)

مهاجرون مغارية في هولندا
(أرشيف متحف الصور – هولندا)

نعم، لقد تحسن مستوى المعيشة، ارتفع الدخل، واقتنيت الأراضي وبنيت الدور بالإسمنت والآجور، وأصبح التنقل مشيا على الأقدام تخلفا، بل غدت البغال هي الوسيلة الوحيدة ومظهرا على الثراء، فتنافسوا في اقتناء أسرعها وأجملها. ثم حلت السيارة محلها بعد ذلك بسنوات، وتباهى الناس في الحفلات من أعراس وعقيقة وعزومات وأعياد. وحين عودتهم كانوا يوزعون الهدايا من لباس وآلات تسجيل على ذويهم وأقربائهم، ويحكون القصص والروايات والمغامرات التي تمزج بين الحقيقي والمتخيل وتدغدغ عقول المستمعين، ويوعدون مقربيهم بالسعي إلى الحصول لهم على عقود عمل حتى ينضافوا إليهم. فكانت “عين بورجة” بالدار البيضاء حيث الفحص الطبي يغدو كالصراط المستقيم، فمن فاز فيه ينهال عليه عقد الشغل، ومن كان ضعيف البنية الجسدية أو ذا إعاقة فقد خاب، وما عليه لتحقيق أمنيته إلا البحث عن طرق أخرى لذلك، وهي الطرق التي ستظهر لاحقا من قانونية أو غيرها، ومن زواج أبيض وآخر أسود أو أحمر أو غير ذلك من الألوان.

إلا أن أهم تحول، على ما أذكر، طرأ على مجتمع قريتي، يكمن في إجبار المرأة المتزوجة عن التخلي عن الخروج خارج المنزل أو ما يسمى “التحجيب”، فتخلت المتزوجة، أو أجبرت على ذلك، عن جزء من حريتها ومن حقوقها لتتحول من كائن منتج اقتصاديا إلى آخر تقتصر وظيفته على الاستهلاك وتفريخ النسل والولدان.

قريتي ومسقط رأسي أيث بوخرف ستكون موضوع الحلقات القادمة، وكلها جزء من بحث أولي كنت قد شرعت في إعداده فيما سبق على شكل مونوغرافية، لكنه ما زال لم يكتمل بعد.

(يتبع)

المضيق، 27 يوليوز 2015

 

Comments

comments