اليوم الثلاثون: “هدفي لم يكن منح قرائي فرصة المتعة”

  • 0

(أنوال.نت- عاش قراء هذا الموقع أيام رمضان يوما بيوم مع الأستاذ قيس مرزوق الورياشي في “رمضانياته”. في كل يوم كان هناك جديد، رصد لأمور قد نعتبرها “عادية”، “مفروغ منها”، لكن طرحها كان فعلا جديدا، وأحيانا مستفزا. لا يسعنا من هذا المنبر إلا أن نقدم كل الشكر للأستاذ الفاضل، راجين له كل التوفيق، ومتمنين كذلك ألا يتمرد عن الكتابة ويتوقف. كثير من المتابعين والقراء في حاجة إلى هذا النوع من الكتابة البسيطة، لكنها قوية وعميقة المعنى في الوقت نفسه. أنوال.نت يضرب موعدا خلا رمضان المقبل مع الأستاذ قيس مرزوق، وهذه المرة دون استشارة مسبقة معه. نحن في الموقع وكأننا رمينا “العار” عليه أن يواصل الكتابة. وبالنظر لشهامته فضلا عن كونه دارسا باحثا وعينا بصيرة متبصرة، فلا شك أنه سيلتزم).

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

كنت مترددا بعض الشيء في كتابة هذه الخواطر. إني أعرف مسبقا بأن حلقة اليوم لن تجد إلى قرائها المعتادين طريقا، ذلك أن طول سهر الليالي بدأ يتراجع منذ أمس، ولعل هذا السهر هو الذي كان يمنح كتاباتي بعض فرص التصفح. ما كتبته بالأمس اطلع عليه عدد قليل من القراء وسجل أدنى تتبع. هل لأن الكتابة كانت معقدة جداً وغير مفهومة، خصوصا لمن لم يطلع على ما كتبته في اليوم السابع من رمضان، أم أن العد العكسي للإقبال على الإنترنيت بدأ منذ ليلة القدر؟

طيلة 29 يوما تفاعلتُ مع عدد كبير من الأصدقاء، وهذا ما كان يعطي لكتاباتي معنى الكتابة. غالبية التعاليق كانت مكملة ومثمرة وإن كانت تتحاشى الخوض في جوهر الموضوع.

لمدة 29 يوما “استمتعتُ” بالإنصات إلى من كان يقرأ لي. وطيلة هذه المدة عبّر لي كثير من الأصدقاء عن “استمتاعهم” بقراءة ما حاولت كاميرا عيوني “السوسيولوجية” أن تترصده من نبضات وألوان وروائح المجتمع. يتعلق الأمر إذن بمتعة لم أكن أدركها. وقد سبق لرولان بارت أن تعرض بعمق “لمتعة النص”.

عليّ ان أعترف بأن هدفي لم يكن منح قرائي فرصة للمتعة. الكتابة في نظري ممارسة للسلطة لذلك تمردت عليها مدة طويلة، بالرغم من أن محاولاتي الأولى كانت أيام كنت طالبا حيث كنت أنشر في “العلم” و”المحرر” و”البيان” وMaghreb Information  . ولأنني أكره السلطة وأشمئز منها شحت كتاباتي فيما بعد. لم تكتب، كيف تكتب، أين تكتب، لمن تكتب… هذه كلها أسئلة تؤرقني، لذلك قررت اليوم أن أعود إلى ممارسة الحوار الداخلي الذي سكنني مدة طويلة. سأتمرد مرة أخرى عن الكتابة. لا أرغب في تفسير العالم، لقد كنت دائما أومن بتغيير العالم وأعمل من أجل تغييره.

 

“أمام عجزنا عن مواجهة الواقع أصبحنا مدمنين على أفيون جديد. أصبنا بعجز كبير أمام هذا القاتل الفتاك للوقت”

نتوهم أن الإنترنيت والفايسبوك و… جاء لتغيير العالم. لا. قد يكون ساهم في تغيير كبير، نعم. إنه ساهم في تضخيم فراغنا. ساهم في دغدغة نرجسيتنا. نحن أمام الشاشة نملك العالم. نتوهم بأن عالم المعلومات أصبح حرا بلا حدود ولا قيود. أية معلومة هي هاته التي تهمني: حالة أسرتي، دربي، حيي، مدينتي، مدرستي، معملي، حزبي، نقابتي، جمعيتي…؟ أم هذا الكم اللامتناهي من أخبار النجوم (نجوم الغرب الأثرياء ونجوم الشرق البلهاء) وأخبار الدم والموت، وأخبار الفضائح المالية والأخلاقية والسياسية، وأخبار المواليد برؤوس ثلاثة أو تعري الفنانة المعبودة…؟

أمام عجزنا عن مواجهة الواقع أصبحنا مدمنين على أفيون جديد. أصبنا بعجز كبير أمام هذا القاتل الفتاك للوقت. نهلك ونستهلك وقتنا الثمين وبدون حساب أمام الشاشة ونتحاشى النظر إلى بعضنا بعضا. نقوم بتقاسم “معلومات” وصور مفبركة وتعاليق عديمة المعنى ونتلهى بها. اللامعنى واللامشخص أصبح يحتل فضاءنا وخيالنا ونعيش الافتراضي كما لو كان واقعا، تماما كما في أسطورة الغار عند أفلاطون، حيث تمثل ظلال الأشياء، بالنسبة للمساجين المقيدين، الواقع كله. “نناضل” مقعدين او مستلقيين في فراشنا. من هذه القلعة الحميمية نتتبع حالة نقابتنا وحالة حزبنا وحالة سياستنا، بدون توقف. من هنا نصدر التعليقات والفتاوى ونصدر الأحكام النهائية. أية نرجسية أكثر من هذه؟

ولأن الكتابة متعة، والمتعة تباع، فقد سارعت كثير من “المواقع الإخبارية” إلى إعادة نشر ما كتبته في صفحتي الفايسبوكية، أحيانا بصفة كاملة وأحيانا بصفة مبتورة، ودون سابق إشعار، وكأن كتاباتي أصبحت ملكا لهم، عدا موقع واحد اتصل بي صاحبه وطلب مني بلطف إعادة نشر ما أكتبه وقبلت طلبه بدون تردد -www.anoual.net –

غدا لن نسهر كما اعتدنا طيلة شهر رمضان. في رمضان تقلب الأمور، حيث يصبح الليل نهاراً والنهار ليلا، رمزياً. وحيث يصبح التقشف بذخاً والمقدس عادة. كثير من الفايسبوكيين كانوا يعرضون ألذ وأطيب أنواع الطعام مباشرة على الفضاء “الأزرق”. ومن حسن حظ الفقراء الجائعين، الصائمين دوماً، أنهم يعيشون الواقع ولم تصلهم بعد متعة الاستئناس بهذا “الجني” الجديد!

وكل لحظة وأنتم بخير.

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments