اليوم التاسع والعشرون: عن الظئرة والأسلة والجعاسيس … اللغة كأداة للسلطة

  • 0

عندما تصبح الأمور بكيفية لا تستساغ معها الأشياء بحيث لا ندري كيف تكون الماهية التي هي أصل كل ما يمكن أن نراقبه من مظاهر وأدوات منهجية يصعب التحكم فيها نظراً لما آلت إليه الأوضاع التي لا شك أن المرء يبقى أمامها مبهوراً من شدة التدافع المنهجي والاستراتيجي الذي يتطلب وعياً إبستيمولوجياً لا يمكن التنازل عن حده الأدنى خصوصاً عندما تتعلق المسألة بإشكالات يصعب تناولها من زاوية رؤية منطقية جديدة، قد تعيدنا إلى المنطلقات الأولى التي ربما نكون قد تناولناها، ولكن نتمسك بها ونسعى إلى مزيد من التفحص الذي يفرض نفسه عندما نحاول مقاربة الموضوع من جانب الاهتمام بإعطاء المزيد من الأدلة التي تساعدنا على فهم الأشياء دون أن نكون بالفعل قد درسنا ما هو أساسي منها، وما هو مرتبط بالقضايا الوجودية التي تؤرق حياتنا عندما نكون أمام امتحان نأمل أن تترتب عنه تحولات هي في العمق ما يتمناه المرء عندما يدرك أن الأمور يمكن أن تصبح على الشاكلة التي يتمناها الفرد الذي يعتبر في صميم العملية التحويلية التي تتم تحت أعيننا.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

إن أصحاب الصولة هم عموماً من فصيلة ظئرين يصولون كالأسَلَة، حيث من المعتاد فيهم أرَجُ الحق بالباطل، لأنهم في الأصل جعاسيس في بطونها عجينة. لذا تراهم يتصرفون كأكتَم وخواخ في الوقت الذي لا يجد فيه جل الرعايا وكن يحتمون إليه ولا يجدون ما يقتاتون به غير جذامات أو خبز حشف أو أرواق الأسل وما بالك بالقاريط والزماورد. إن شناشن ذوي الأَردَن هي أن يحافظوا على كونهم عضاريط يقتاتون على حساب الشسافة من الناس فإن هم تكلموا تغمغموا وإن هم وعدوا تصرفوا كبواقع وشحّطوا تشحيطاً، لا يهمهم أن يكون المرء مدقعاً أحتفاً أو أما ثكولاً ولو كان في طور الخشاشة.

ومما يزيد الطين بلة أن الفينومين الماكرواقتصادي قد لا يسمح بتطوير ميكانيزمات تجعل الأومو-اقتصادي يستوعب بسهولة الظرفيات الدقيقة للخصوصيات السباسيو-ثقافية التي تتطلب منا أن نفهم أولا وقبل شيء ما يقع على المستوى السوسيو-ثقافي والمستوى اللودو-اجتماعي، إذ نلاحظ في كثير من الأحيان حدوث ميني-تصرفات تترجم مستوى السكيزوفرينيا التي يمكن أن تؤثر على العلاقات الإنتير-شخصية، وفي هذه الحالة نكون أمام ردود أفعال من طبيعة بسيكوسوماتية لا يمكن أن نواجهها إلا بتدخلات إكلينيكية ذات طبيعة أوطو-تدخلية.

؟؟؟

هل فهمتم شيئاً مما كتبته أعلاه؟ لكي أساعدكم على الفهم، أقترح عليكم إعادة قراءة ما كتبته في اليوم السابع من رمضان أولاً.

عندما لا تسعفك الأفكار فقل ما شئت لأن اللسان “ما فيه عضم”، وعندما تريد أن ترقى بخطابك ويقدرك الناس فتكلم بالطريقة التي تجعل الناس تستمع إليك ولا تفهم! هكذا كان موقف “علمائنا” منذ زمن طويل، وهكذا كان القساوسة يتكلمون عندما كانوا يستعملون اللغة اللاتينية، وهكذا أراد نحويو فرنسا تعقيد لغتهم بتقعيدها حتى إن بيار بورديو قال: “إن خطب رؤساء الجمهورية الفرنسية ما هي إلا دروساً في النحو”.

تحضرني في هذه المناسبة قصة طريفة عشتها عندما كان عمري 9 أو 10 سنوات، آنذاك كنت وحيد اللغة لا أتكلم ولا أفهم غير أمازيغية الريف. كذلك كان الأمر لسكان قريتي بنسبة 99،99%. أتذكر كيف أنه ذات مرة، وفي خضم الاحتفالات بعيد العرش زمن محمد الخامس، ألقى مدير المدرسة الوحيدة بقريتي خطاباً في مقهى زين بعناية بسعف النخيل. الخطاب الذي ألقاه المدير كان بلغة عربية فصيحة جداً، أو هكذا بدا لي، وعندما انتهي الحفل، قفلت راجعاُ إلى حيي صحبة رجال كبار السن كانوا يشتغلون عمالاً أو فلاحين. أتدرون ما قال أحدهم؟ قال: “أرأيتم السي بلقاسم (المدير) كيف كان يتكلم؟ إنه عالم كبير!”. طبعاً عالم كبير لأنه كان يتكلم العربية “الفصحى جداً”. كان يتكلم لغة لا يفهما الناس. لو تكلم المدير بالريفية ربما لناقشه الناس، وربما لانتقدوه، وربما لسحبوا عنه سلطته المعنوية. مكانة المدير الرمزية كانت في كونه تكلم ولم يفهمه أحد! هذه ببساطة سلطة اللغة.

“وعندما تريد أن ترقى بخطابك ويقدرك الناس فتكلم بالطريقة التي تجعل الناس تستمع إليك ولا تفهم!”

ولكن غالباً ما نتجاهل أن اللغة في تطور، وأننا نتكلم لكي نبلغ الأفكار ونتفاهم، لكن عندما يكون الهدف هو السيطرة على عقول الناس، فاللغة، كلما تقعدت وتعقدت، كلما سهل استعمالها كرافعة للإيديولوجيات المستلبة لعقول الناس.

ولكن من حسن حظنا أن من ضمن المفكرين والمبدعين يأتي دائماً من يحاول إزاحة الطابع الأسطوري عن اللغة. أكتفي بإتحافكم بهذه القصيدة للشاعر الفلسطيني راشد حسين:

دروس في الإعراب

الدرس الأول:

كان في الستين

ما زال يعلم

مرة جاء إلى الصف وقال:

أعربوا

“جاء المعلم”

وحسبناه يمازح

فضحكنا وأجبنا:

“جاء” فعل

“والمعلم” … !!؟

وفهمنا فجأة… في ثانية

فصمتنا… وسمعناه يتمتم

“جاء” فعل

“والمعلم”

لم يجيء!

أوقفه البوليس لكن… سيعلم

***

الدرس الثاني:

وكبرنا معه في الصف حتى

قارب السبعين

كان ما زال يعلم

مثلاً، قال المعلم:

“سيدي يحلم بالثورة لكن لا يقاتل”

جملة ألف مفيدة

والذي يعربها يضحي مناضل

فصمتنا

لم نقل شيئا ولكن…

صمتنا كان يقاتل

صمتنا كان… ولكن

كان في الصف صبي أطعم الأرضَ يديه

ومشى زيتونها في شفتيه

اسمه “عدنان”… فلاح بلا أرض ولكن

لم يكن بالصمت… بل في كل ما فيه يقاتل

يومها شاهدتُه يرفع بالباء المعلم

ويعلم:

“سيدي” ليست مبتدأ

“يحلم” ليست فعل

“الباء مجرورة”

“الثورة” لا تجرها باء

لكن “لا يقاتل” هي الحقيقة

***

الدرس قبل الأخير:

بعد يوم دخل الصف المعلم

جاء فرحاناً وسرياً كعطر البرتقال

كان في سبعينه طفلاً… فحيانا وقال:

“وضعوا عدنان في السجن”

إعربيها يا صبايا

واعربوها يا رجال

ففرحنا… وبكينا… وهتفنا

“عدنان” فاعل

“السجن” مفعول به

وحرقنا النحو والصرف وأغلال القواعد

وتحولنا نضال.

 

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments