اليوم الثامن والعشرون: ليلة الهلع الكبير

  • 0

ليلة القدر هذه السنة لم تشهد أية باب للسماء تفتح، لكنها عكس ذلك شهدت هلعاً كبيراً لمجموع المصلين الذين يصرون على أداء صلواتهم في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. هلع كاد أن يؤدي إلى كارثة، فحسب الكثير من وسائل الإعلام، كانت نتيجة الهلع حوالي 80 جريحاً وجريحة.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

اختلف الناس حول مصدر الهلع، فهناك من قال إن السبب فأر، وهناك من قال إن السبب هو انفجار صوت مكبر الصوت. لحد الآن يبقى كلا السناريوهين قائمين.

لنفترض أن السيناريو الأول هو الصحيح، أي سيناريو مشاهدة امرأة لفأر كبير يمر أمامها ففزعت وهربت وحدث الهلع الكبير فتدافع المصلون والمصليات نحو الخارج محدثين أضرارا كبيرة: جرح حولي 80، ضياع الكثير من إكسسوارات النساء والكثير من الهواتف النقالة، إلخ.

يبقى إذن، بالنسبة لثقافتنا وبالنسبة للاوعينا أن الفأر مصدر إزعاج، خلافاً للكثير من الشعوب التي تصالحت مع الفأر واتخذته حيواناً أنيساً، على الأقل على المستوى الرمزي.

التصالح الكبير يرجع الفضل فيه إلى التكنولوجيا عندما ابتكر دوغلاس إينجلبيرت و بيل إينجليش سنة 1960 جهاز إدخال مكمل للكمبيوتر أطلقا عليه اسم “الفارة”. منذ ذلك الحين والفأرة لم تعد تؤثث مكاتبنا ومنازلنا فقط، بل أصبحت ترافقنا وأصبحت امتداداً لأيادينا نداعبها يومياً وتداعبنا، بها نتلهى، إن كان غرضنا هو التسلية، وبها نبحث وننتج ونطور إذا كان هدفنا هو البحث والإنتاج والتطوير.

“حذار من نوع آخر من الفيران: “الفار” من المسؤولية، “الفار” من المحاسبة، “الفار” من العدالة!”

قبل فأرة الكمبيوتر، ابتكر الرسام والت ديزني شخصية الرسوم المتحركة المعروفة بميكي ماوس، إذ منذ سنة 1928 وهذه الشخصية الخفيفة والذكية والفذة تصاحب أطفالنا الصغار إلى درجة أنها أصبحت تنافس الجدة إن لم يكن قد عوضتها. لميكي ماوس مكانة كبيرة في تربية أطفالنا وفي تطوير حسهم الإبداعي وتقوية شخصيتهم.

بعد والت ديزني، جاء دور ويليام حنا وجوزيف باربيرا سنة 1940 حيث سيضيفون إلى عالم الرسوم المتحركة شخصيتين جديدتين هي شخصية توم وجيري (توم هو القط وجيري هو الفأر). هذان الثنائيان سيستمران في سحر الأطفال إلى يومنا هذا. تماماً كميكي ماوس، سيرافق أطفالنا الثنائي توم وجيري طيلة مدة تكوينهم النفسي والبيولوجي، إلى درجة أنهما سيتحولان إلى صديقين للطفل بالرغم من كونهم أعداء فيما بينهم.

في ثقافتنا الشعبية، العربية منها أو الأمازيغية، أمثال مرتبطة بالفأر، لكن ليس في إطار التصالح كما هو الشأن بالنسبة للثقافات التي عرفت تحولات تكنولوجية عظيمة، وإنما في إطار التشفي أو الطعن في الفأر أو ضرب الأمثلة، حيث يحضر الفأر كشيء لا قيمة له، أو كماكر يعيش على حساب غفلة الآخرين. إليكم بعض هذه الأمثلة:

– “الجنازة كبيرة والميت فأر”

– “يغيب القط، يلعب الفأر”

– “ولد الفأر حفار”

– “باب ن تافّا يطّص، إيغارظاين تمنغان” (صاحب التبن نائم، والفئران تتقاتل).

أيضاً هناك العديد من القصص خاصة بالأطفال يحضر فيها الفأر كشخصية رئيسية. في هذه القصص، خلافاً للدور السلبي للفأر في الأمثال الشعبية، غالبا ما يتقمص الفأر شخصية تكون أفعالها مفعمة بالحكم والنصائح والقدرة على حلول المشاكل. أترك للقارئ الوقت للبحث عن بعض القصص المهمة وقراءتها مثل: قصة الفأر الذكي، قصة الفارة والجمل، قصة الفار والأسد، قصة الفارة البيضاء، قصة القط بيريس…

ما كان لمسجد الحسن الثاني أن يعرف مثل الهلع الكبير ليلة القدر التي هي “أحسن من ألف شهر” لو تصالح المصلون والمصليات مع الفأر! أقصد بالتصالح هنا أساساً التصالح مع النفس: إن لحظة الصلاة من المفروض أنها لحظة خشوع وذوبان في الذات الإلهية، فلا الفارة ولا شيء آخر كيفما كان يستطيع أن يشغل بال المؤمن من الانخراط في الذات الإلهية. ما وقع ثبت أن قوة (أو ضعف) الإيمان تكاد تعادل الشعور بانعدام الأمن في فضاء يفترض أن يكون فضاء للأمن والسلم معاً. أثناء لحظة الهلع الكبير ضاعت من عند المصلين والمصليات ساعات ثمينة، أساور من ذهب، هواتف ذكية… إضافة إلى النعال والأحذية وأشياء أخرى كثيرة.

“التدنيس الحقيقي لقدسية المساجد هي الحديث في البورتابلات، هي عدم الشعور بالتوبة أثناء المثول أمام “الذات الإلهية” في “بيت الله”، هي تلويث المساجد بالمعاصي الكبرى كاستغلال البشر والفساد والنفاق”

مباشرة بعد حادثة هلع مسجد الحسن الثاني قام فايسبوكيون بنشر صورة كاريكاتورية تبين صورة لمسجد الحسن الثاني مع فأر كبير جدا يتكئ على صومعته. الصورة في نظري لا تعدو أن تكون تعبيراً كاريكاتورياً لسلوك آدمي كاد أن يتحول إلى كارثة والسبب فأر!، بمعنى نحن مرة أخرى أمام واقعة “الجنازة كبيرة والميت فار”. هذه الصورة الكاريكاتورية لم ترق للبعض واعتبرها تدنيساً لقدسية المسجد. بالرغم من احترامي الشديد، ليس لديننا نحن المسلمون فقط، وإنما لجميع الأديان، فأنا لا أرى في الكاريكاتور أي تدنيس. الكاريكاتور يبقى فقط أسلوباً فنيا نقدياً. التدنيس الحقيقي لقدسية المساجد هي الحديث في البورتابلات، هي عدم الشعور بالتوبة أثناء المثول أمام “الذات الإلهية” في “بيت الله”، هي تلويث المساجد بالمعاصي الكبرى كاستغلال البشر والفساد والنفاق…

ذات مرة، بينما أتجول في أحد الأحياء الهامشية بمدينة الدار البيضاء، وقع بصري على حالة اعتبرتها غير طبيعية: رأيت بجوار مزبلة كبيرة مجموعة كبيرة من القطط والفئران تقتات من المزبلة في سلام وتعايش تام. السلام والتعايش هذا كان ولا شك نتيجة للوفرة، فعندما تتوفر الضروريات للجميع، ينتفي الاقتتال. غير أننا نحن البشر، حتى وإن حصلت الوفرة، نظل نتقاتل من أجل الاستحواذ على الخيرات. لنتصالح إذن مع الفئران، ففي سلوكها حكمة. لكن حذار حذار من نوع آخر من الفيران: “الفار” من المسؤولية، “الفار” من المحاسبة، “الفار” من العدالة!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments