اليوم السابع والعشرون: فهْم المقدس بإدراك المدنس

  • 0

سأعود اليوم إلى موضوع المقدس والمدنس. لقد سبق أن قلت إن المدنس يتحدد في علاقته بالمقدس، والمقدس بدوره يستدعي المدنس. كلاهما يمثلان جوهر الثقافات البشرية، بتنوعها واختلافها. ما هو مقدس مرتبط بمعتقدات جماعية تزداد تماسكا أو تفسخا حسب التطور التاريخي للمجتمعات. فالأديان مثلا لم تعد وحدها هي التي تحدد المقدس. إذ حتى في ظل اللائكية يمكن للمجتمعات أن تحدد فضاءات جديدة للمقدس: الشخص مثلا، ككيان معنوي أو كجسد، أصبح مقدسا، فلا يحق لي مثلا أن أداعب شعر امرأة لا أعرفها بالضبط لأن شخصها غير قابل للتدنيس.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

الإنسان، منذ أن كان، يقدس المكان والزمان وبعض الإنسان. كما يحول المكان والزمان وبعض الإنسان إلى رموز مقدسة. نقدس المكان: المسجد، الكنسية، الضريح، الكعبة، المقبرة، المعصرة، عين المياه… ونقدس الزمان: يوم الجمعة، يوم السبت، شهر رمضان، عيد الغفران… وقد نحول أشياء مقدسة إلى رمز للتقديس: نقدس العلم مكان تقديس الوطن، ونقدس الصليب مكان تقديس المسيح، ونقدس الصورة مكان تقديس الزعيم…

التقديس والقداسة ظاهرة إنسانية فرضتها ضرورة التحام الناس حول الموضوع المقدس للحفاظ على روح الجماعة: المسجد يجمع، العلم (الوطني أو الديني أو الرياضي…) يجمع، الصليب يجمع… غير أن المقدس، كظاهرة إنسانية، لا يكتمل إلا إذا كان هناك ما يواجهه: الحقيقة الأخرى، غير المقدسة، أي المدنس. إن كلمة  profane، أي مدنس، أصلها في اللاتينية   pro، بمعنى أمام، وfanum، معناه مكان القداسة. المدنس إذن هو واجهة القداسة، عنصر مكمل لها.

في المجتمعات الأمازيغية، وربما في مجتمعات أخرى، يعتبر البيدر والمعصرة مكانين مقدسين: قبل ولوجهما، ينبغي خلع الأحذية، تماما كما يفعل المسلمون حين يلجون المسجد أو البوذيون حين يلجون المعبد. البيدر والمعصرة يترجمان الحلقة النهائية لعملية الإنتاج. الإنتاج في حد ذاته فعل مدنس (نحرث الأرض بالصباط ونلتقط الزيتون بالضرب على أغصان شجر الزيتون)، وما يقدسه الفلاح الأمازيغي بالضبط هو المنتوج (قمح، خبز، زيتون، زيت زيتون…)، هو أساس الحياة. أيضا، نجد كثيرا من الشعوب تقدس العيون: ما تقدسه في الحقيقة هو الماء، أصل الحياة.

“التقديس والقداسة ظاهرة إنسانية فرضتها ضرورة التحام الناس حول الموضوع المقدس للحفاظ على روح الجماعة”

مع مرور الزمن وتحول المجتمعات، قد تتراجع مساحة المقدس لصالح مساحة أكبر للمدنس، أو العكس، يكتسح المقدس مساحات أكبر على حساب المدنس. ففي مناسبات معينة، وأحيانا يصبح قاعدة، يتحول جزء من الفضاء العام (المدنس) إلى فضاء مقدس: عندما يفيض مسجد بالمصلين ويحتلوا جزءا من الشارع. كما أن المكان المقدس يصبح مع مرور الزمن مدنسا: جزء من مقبرة مثلا أو كلها، قد يسيل لعاب شركة عقارية فتتحالف السلطة الدينية مع السلطة الرأسمالية فتصدر فتوى في شأن إجازة تدنيس المقبرة. نفس الشيء يمكن أن نقوله عن الأشخاص: فالجسد يمكن أن يكون مدنسا، فنستعبده (عبيد، زوجات منقبات مثنى وثلاث ورباع، ما ملكت أيمانكم…)، أو يكون مقدسا فيصبح غير قابل للمساس intouchable.

المقدس كان دائما رديفا للطهارة، إذ مجرد ولوجه يدخل المرء في عالم من الانبهار والخشوع والذوبان. غير أن الأمور ليست دائما كذلك. سأعطيكم بعض الأمثلة:

في ربيع 1985، قمت بزيارة ميدانية رفقة طلبتي لمنطقة تمسامان. هناك تعرفنا على مجموعة من وسائل الإنتاج التقليدية من بينها معصرة زيتون. في المعصرة تطوع شيخ مسن لإعطاء شروحات للطلبة حول عملية إنتاج زيت الزيتون، ومن بين ما قال الشيخ، إن المعصرة نعتبرها مكانا مقدسا، مثل المسجد، ولا نلجها إلا بعد خلع نعالنا. وبينما الشيخ يتكلم، لاحظت قطعة براز بشري يابسة جنب الفضاء المقدس للمعصرة فقلت للشيخ: إذا كانت المعصرة مقدسة، فما معنى وجود هذا الشيء هنا (وأنا أشير إلى البراز). صمت الشيخ قليلا وأجابني: إن جيل اليوم لا يقدسون شيئا. هنا تحول المقدس إلى مدنس، فشباب اليوم، باعتبارهم مستهلكين فقط، لا يدركون أهمية الإنتاج في ثقافة آبائهم وأجدادهم.

“أعتقد أن فهم المقدس لا يمكن أن يتم بدون إدراك المدنس، وأن الصراع بين المتدين والعلماني ما هو إلا صراع مفتعل!”

لنأخذ مثالا آخر: بما أن المقدس كان دائما مرتبطا بالطهارة، والطهارة تستدعي النظافة، كانت كل الأديان تلح على تطهير الأمكنة المقدسة من خلال إيلاء الأهمية للنظافة (النظافة من الإيمان). الجانب الأساسي الذي يتم تدنيسه في المساجد بالضبط هو جانب الطهارة والنظافة. ففي كثير من المساجد نجد المصلين يتوضؤون بجانب المراحيض، مكان النجاسة بامتياز. وحتى يتمكنوا من الوضوء، يستعملون دلاء أو أواني بلاستيكية تغير لونها الأصلي بفعل الاستعمال، ونظرا لكثرة عددها واستعمالها من قبل المئات من المصلين لغسل مناطق حرجة في أجسادهم، فتخيلوا معي مستوى الطهارة التي يوفرها الوضوء بهذه الطريقة: المؤمن هنا يعرض نفسه، ليس فقط لتدنيس جسده المطهر، ولكن يعرض للخطر أيضا.

دائما بالنسبة للمساجد كمكان مقدس. هل فكرت يوما وزارة الشؤون الدينية، بالتعاون مع وزارة الصحة، في تعقيم المساجد مرة في الشهر على الأقل؟ إن المصلين يدنسون يوميا فضاءات المساجد بأجسادهم التي قد تكون ملوثة، فيتحول المسجد كمكان آمن وطاهر، إلى مكان تتعشش فيه القرديات والميكروبات والفيروسات: أجساد المصلين قد تحمل أمراضا جلدية، أو تنفسية، أو غيرها ويتحول بذلك فضاء المسجد إلى قلق قد يؤثر على تماهي المؤمن مع قداسة المكان.

هناك أمور مهمة للغاية مرتبطة بما هو مقدس قد لا يلتفت إليها إلا متشبع بالفكر اللائيكي. لذلك أعتقد أن فهم المقدس لا يمكن أن يتم بدون إدراك المدنس، وأن الصراع بين المتدين والعلماني ما هو إلا صراع مفتعل!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments