اليوم السادس والعشرون: ليلة القدر.. عندما يخدم المفطرون الصائمين

  • 0

اليوم ليلة القدر. عندما كنا صغارا كنا نسمع من عند الكبار تسمية أخرى: ليلة 27. ليلة 27 هذه لم تكن ككل الليالي. كانت ليلة فرح ومرح بالنسبة لنا نحن الصغار.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

في المساء، مباشرة بعد إتمام مراسيم الفطور، يبدأ الكبار يتوافدون على المسجد الوحيد لقرية فرخانة، التي أصبحت اليوم مدينة. ما كان يسترعي انتباهنا، نحن الصغار، هو طول المدة التي يستغرقها الكبار في الصلاة، لدرجة أننا كنا ننتظر بفارغ الصبر متى سينتهون من مراسيمهم حتى نجتمع على مائدة الكسكس المعد لهذه المناسبة.
مسجد القرية كان يتوفر على ساحة أكبر حجما من قاعة الصلاة، وفي إحدى زوايا الساحة بيت صغير يصلح كمطبخ. جرت العادة آنذاك (أتحدث عن فترة الستينات) أن تخصص كل أسرة في القرية طبقا من كسكس للمصلين في المسجد. جميع الأسر، وأغلبيتها فقيرة، كانت تحمل طبقها إلى المسجد عدا عائلة ميسورة كانت معروفة ببخلها تكتفي بالأكل دون المساهمة. نحن الصغار لم نكن نصلي. كانت متعتنا كبيرة ونحن نلهو في ساحة المسجد أو نسترق بعض القصص والمغامرات التي كانت ترويها فئة من غير المصلين الذين كانوا يجتمعون ويدخنون في “مطبخ” المسجد. هذه الفئة من غير المصلين كانوا شبابا تتراوح أعمارهم ما بين 25 و40 سنة. بعضهم كان معروفا في القرية بإدمانه الجعة والخمر في مليلية، خصوصا في حانة شعبية تدعى “بوديغا مدريد”. كانوا أيضا لا يصومون، ويعرف أهل القرية بأنهم لا يصومون ولم يكن في ذلك حرج. بالرغم من ذلك كانوا يلجون المسجد في هذه المناسبة، وعوض أن يصلوا التراويح مع المصلين، كانوا يقومون بلعب دور “الخدم” طواعية، فهم الذين يعيدون ترتيب أطباق الكسكس وهم الذين يقدمونها للمصلين أولا، ثم للأطفال ولأنفسهم ثانيا.

“ليلة 27 هي الليلة التي تفتح فيها باب السماء، وطوبى لمن رآها تفتح فقد أغناه الله! إذا رأيت الباب تفتح، فبإمكانك أن تطلب للرب ما تريد ليستجيب لك”

النساء لم يكن يذهبن إلى المسجد قط، وإلى الآن نادرات هن النساء اللاتي يلجن المساجد، إذ أغلبهن ما يزال يعتقد أن المسجد مسألة رجال !
ليلة 27 لم تكن بالنسبة لنا نحن الصغار ليلة للعب والمرح ومتعة أكل الكسكس خارج الدار، ومتعة استراق كلام الكبار وهم يتبادلون النكت ويدخنون. لقد كانت أيضا ليلة يمكن ان تتحقق فيها المعجزة أو المفاجاة السارة: فليلة 27 هي الليلة التي تفتح فيها باب السماء، وطوبى لمن رآها تفتح فقد أغناه الله! إذا رأيت الباب تفتح، فبإمكانك أن تطلب للرب ما تريد ليستجيب لك. وبما أن باب السماء لم تفتح أبدا لأحد، نسجت مخيلة الشعب نكتا حولها من قبيل هذه: ذات مرة فتحت باب السماء ورآها أحد الفلاحين، ولشدة وقع المفاجأة، أخطأ في الطلب، فبدلا من أن يطلب “الشي ندونشت” (ملك الدنيا)، طلب “ثيشين ندونشت” (قمل الدنيا)، وهكذا استجاب له الرب فأغرقه في قمل الدنيا!
سنين بعد ذلك كبرت ولم أعد ألج المسجد لألهو وألعب فيه. فقط عشر سنوات فيما بعد كانت كافية لأنخرط في مغامرة حياتية كان من الممكن ألا تسمح لي بكتابة هذه الذكريات-الملاحظة. فقط باب السماء بقيت عالقة في ذهني عندما كتبت قصيدة بأمازيغية الريف، غناها كل من محمد توفالي وعموري مبارك، هذا نصها:
ثاوارث أوجنا
خسغ أذعاوذغ إيجن يزري
واث يني عاذ را ذيجن
خسخ أذعاوذغ خ ييج أونيتشي
توغا إيخدم غار ميدن
أنيتشي ني غارس غار يماس
ثزدغ كيذس ك يجن وخام
را جديس را باباس را أيثماس
را ياكرا را ثامورث را سطاش
إيج ن واس أنيتشي ني يخس أذيمرش
اذيقوار إيشت ثادارث ثصباح أطاص
يخزار يخزار ذك زدجيف نس
يوفا نتا رحار يوعار أطاص
إيراجا مسكين دجياري ذ ووسان
حاذار أخاس يمسح الله تاعالا
يقيم حاذار شهار نارنضان
ادغارس ثارزم ثاوارث أوجنا
يوسد يعذو شهار نارنضان
را ذيشت ن توارث وار ثارزيم شا
يخزار ك جنا ذايس غار إيثران
را ذيشت ن توارث وار ثارزيم شا
مشحار إينيتشان ذي ثمورث نغ
ربدا تقرن غار ثوارث أوجنا
مينزي تواجار ذي ثمورث نغ
بلعن مارا ثيوورا أوجنا !

******

ترجمة القصيدة السابقة إلى العربية

باب السماء
أرغب في سرد قصيدة
قصيدة لم يرويها أحد
ارغب في سرد قصة راع
كان يرعى غنم الناس
لم يكن للراعي غير أم
تقاسمه في السكن كوخا
بدون جد ولا أب ولا إخوة
بدون ثروة ولا ملك ولا شيء يذكر
ذات مرة فكر الراعي في الزواج
وفكر في بناء دار تستر عائلته
فكر وتأمل ثم فكر
وتيقن ان الامر ليس سهلا
انتظر المسكين أياما وليال
عل الله يحن لحاله
انتظر ربما في شهر رمضان
ستفتح له باب السماء
مر رمضان ورمضان آخر
ولا بابا للسماء قد فتحت
تأمل السماء فلم يجد غير النجوم
ولا بابا للسماء قد فتحت
كم من رعاة في وطننا
ينتظرون دوما باب السماء
ولكن أغنياء وطننا
قد اقفلوا كل أبواب السماء !

*ينشر باتفاق مع  الكاتب

Comments

comments