اليوم الخامس والعشرون: تطورُهم وتخلفُنا

  • 0

كثيراً ما تدفعني معاناتي اليومية إلى طرح سؤال لا شك يحضر في اهتمامات أي مغربي حداثي شيئا ما، وهو سؤال مرتبط بمدى تقدمنا أو تأخرنا عن المجتمعات الأخرى التي نعتبرها نموذجية. للجواب على هذا السؤال لابد من طرح مقاييس تقدم الأمم.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

هناك اليوم شبه إجماع على أن تقدم الأمم مرتبط بمؤشرات كثيرة تمثل في مجملها مؤشراً عاماً عن تقدم الحضارات. من هذه المؤشرات طريقة توزيع الخيرات ومستوى حكامة الدولة والجماعات المنتخبة، واحترام حقوق الإنسان ومستوى ولوج العدالة وولوج سوق الشغل وولوج السكن اللائق والاستفادة من الخدمات الصحية والتعليم ومراكز الترفيه والرياضة، مع توفير الحد الأدنى من جودة هذه الخدمات…

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً المعدلات المرتفعة للمُأبجدين (أي الذين يعرفون الحروف الأبجدية) والإقبال الكثيف على القراءة ومستوى النشر إبداعا وفكرا وعلماً ومستوى حركية الترجمة وتشجيع الإبداع في مجال الفنون بشتى أنواعها…

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً جودة التعليم وارتباطه بإنجاز مواطن مستقل وإيجابي قادر على حل المشاكل والمشاركة في إدارة الموارد. والجودة هنا لا ترتبط فقط بمضامين التدريس المنسجمة مع روح الحداثة وتطور التكنولوجيا ومجتمع المعرفة فقط، بل أيضا مرتبطة بمدى التوفر على طاقم من أساتذة توفر لهم الدولة كافة الشروط المادية الضرورية لحياة كريمة وفي نفس الوقت يتوفرون على روح معنوية عالية تمكنهم من القيام بدورهم بكل مقدرة وتفان واعتزاز وضمير مهني…

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً ولوج المرأة للمواطنة الكاملة حيث ينظر إليها كمواطنة لا أقل ولا أكثر، واعتبار ذوي الحاجات الخاصة مواطنين لا يقلون حقوقاً وواجبات مثل باقي المواطنين، وكذا العناية بالمواطنين المهمشين وبالأقليات الاجتماعية…

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً جودة النقل وانضباط مواقيته وتعميم خدماته أفقيا (على مستوى الرقعة الجغرافية) وعمودياً (على مستوى جميع الفئات الاجتماعية) …

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً تعميم شبكات الكهرباء وعدم انقطاع التيار عن المواطنين وتعميم توزيع الماء الشروب وولوج المواطنين للتقنيات الجديدة للتواصل والإعلام…

التجارة العشوائية تحتل الشوارع

التجارة العشوائية تحتل الشوارع

من مؤشرات التطور الحضاري أيضاً احترام البيئة ومساهمة الدولة والمؤسسات المنتخبة والمواطنين في تقديرها وفي التخلص من كل ما يمكن أن يلوث الجو والمدن من تلويث شمي وسمعي وبصري…

مستوى هذه المؤشرات الإيجابي هو الذي يجعلنا اليوم مثلا نشهد بتميز دولة كفنلندا في مجال التربية والتعليم، أو دولة كألمانيا في مجال احترام البيئة، أو دولة ككوريا الجنوبية في مجال ولوج سوق الشغل، أو دولة كإسبانيا في مجال الترجمة، أو دولة مثل كوبا في مجال ولوج الخدمات الصحية أو دولة كالدانمارك في مجال الشفافية والغياب التام للفساد…

أمامنا نحن المغاربة طريق طويل لولوج مجتمع الرفاهية (الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية)، وأمامنا طريق طويل لتحسين مستوى المؤشرات التي يمكن أن تدخلنا في مصاف الدول المتطورة حضارياً. تعرفون متى سيتحقق ذلك؟

لن يحتاج المغاربة إلى أن يكونوا كلهم علماء اقتصاد أو علماء اجتماع أو علماء سياسة للحسم في المسألة. فقط يتعين على أي واحد منا أن يعاين مسألة جوهرية: هل نحن المغاربة نعرف كيف ننظم فضاءاتنا العمومية وكيف نمشي كراجلين وكيف نتصرف كسائقين!

تعرفون أن مستوى تخلفنا اليوم يقاس بالفوضى العارمة في تنظيم الفضاء العمومي، وعندما نقول الفوضى نقول عجزنا على تدبير ما هو مشترك: فالأرصفة، التي هي الفضاء الذي يحقق فيه المواطن حرية تنقله بامتياز، لا معنى لها في المغرب. الأرصفة في بلدنا مستعمرة: مستعمرة من قبل المقاهي والسيارات وسلع المتاجر (بمختلف أنواعها وأحجامها) وسلع “الفراشة” وورشات النجارة والحدادة والتلحيم والكهرباء… لا معنى في بلدنا لشيء اسمه الرصيف. يستحسن في نظري أن تلغى الأرصفة من فضاء المدن.

“المغربي كائن قلق، غير واثق من نفسه ولا يعترف بوجوب الانضباط لما يفرضه التعايش داخل المجتمع”

أيضاً يقاس مستوى تخلفنا بطريقة مشينا على الأقدام. فلا أحد يحترم ممرات الراجلين (خطوط المرور البيضاء، إن وجدت). فإن وجدت ممرات الراجلين، تحتلها السيارات بدون حرج، كما أن المواطن المغربي، بسبب تربيته “الهمزوية”، يعرف جيداً كيف يعرّف الخط المستقيم smile-emoticon أقصر مسافة بين نقطتين)، فهو، نظراً لخفة روحه والخوف من ألا يصل، لا يكلف نفسه عناء مشي 20 أو 30 مترا ليقطع الطريق حيث توجد الخطوط البيضاء الخاصة بالراجلين، فهو مستعد لكي يعرض نفسه للخطر وأن يدوس على عشب الحدائق لكي يصل بأقصى سرعة إلى الضفة الأخرى. إنه بكل بساطة يريد أن يصل في أسرع وقت إلى الهدف، مثله مثل السياسي الذي يعرف كيف يصل البرلمان بأقصر طريق ممكن!

أيضاً يقاس مستوى تخلفنا بطريقة قيادتنا للسيارة. فبغض النظر عن إهمال مكونات السيارة، خصوصاً المرتبطة منها بالسلامة، وبغض النظر عن تفوقنا في استعمال دواسة السرعة وعدم معرفتنا لوجود شيء اسمه الحصار، فنحن أشد الأعداء لكل ما يمكن أن يضبط حريتنا في السياقة: إشارات المرور لا معنى لها. لا معنى لممر الراجلين، لا معنى للخط المتصل، لا معنى لأضواء المرور، لا معنى لإشارة الوقوف، لا معنى للاتجاه الممنوع. لا معنى لاحترام المعطوبين والعجزة والأطفال الصغار والنساء الحوامل والنساء المصاحبات لرضعهن. السائق المغربي يمارس حريته حد الجنون أمام المقود. وحتى عندما يتعلق الأمر بالضوء الأحمر في ملتقى طرق خطيرة، فهو لا يتوقف أمام الضوء الأحمر ليتمكن من رؤية الأخضر فيما بعد، بل يتخطاه ويتركه وراءه حتى يتمكن من “السليت”، وكأنه مجرم هارب من العدالة. المغربي “زربان” بطبعه وإن كان يرى بأن “العام طويل”.

ببساطة المغربي كائن قلق، غير واثق من نفسه ولا يعترف بوجوب الانضباط لما يفرضه التعايش داخل المجتمع. إن أخطر ما يميز سلوكه هو اللاوعي الذي يحدد هذا السلوك.

تعرفون متى سنحكم على بلدنا بأنه انخرط في دائرة التطور الحضاري؟ الجواب سهل: عندما نتعلم كيف ننظم فضاءنا المشترك وكيف نمشي وكيف نقود السيارة. إذ ذاك، فإن المؤشرات الأخرى المشار إليها في بداية هذا الكلام ستكون حاضرة بالضرورة!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments